وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ السَّرِيِّ الزَّجَّاجِ، قَالَ: ثنا وَغَيْرُهُ، قال مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ النَّحْوِيُّ: " خَرَجَ أَعْرَابِيٌّ ضَرِيرٌ فِي بِغَاءِ إِبِلٍ لَهُ ضَلَّتْ، وَمَعَهُ بِنْتٌ لَهُ تَقُودُهُ، فَمَرَّا بِوَادٍ مُعْشِبٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَةِ، مَا رَأَيْتُ مَرْتَعَ أَبِلٍ كَهَذَا؟، فَقَالَ: إِنْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِبِلَنَا سَرَحْنَا فِيهِ، فَلَمْ يَلْبَثَا أَنْ وَجَدَاهَا، فَأَرْسَلا فِيهِ، فَجَعَلَتْ تَخْضَمُ أَطْوَلَهُ وَأَقْصَرَهُ، فَبَيْنَا هُمَا كَذَلِكَ، قَالَتِ ابْنَتُهُ: يَا أَبَةِ، إِنِّي أَخَافُ الْمَطَرَ.
[ ١٦٠ ]
قَالَ: وَمَا الَّذِي تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَى سَحَابًا دَوَانِي وَسَحَابًا بَوَانِي.
فَقَالَ: ارْعَيْ، لا بَأْسَ عَلَيْكِ.
فَرَعَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَةِ، إِنِّي أَخَافُ الْمَطَرَ.
قَالَ: وَمَا الَّذِي تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَاهَا كَبُطُونِ الأُتُنِ الْقُمْرِ فِي الْمَرَابِضِ الْغُبْرِ.
قَالَ: ارْعَيْ، لا بَأْسَ عَلَيْكِ.
فَرَعَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَةِ، إِنِّي أَخَافُ الْمَطَرَ.
قَالَ: وَمَا الَّذِي تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَى سَحَابًا دُونَ سَحَابٍ، كَأَنَّهُ نَعَامٌ يَعْلَقُ بِأَرْجُلِهِ.
قَالَ: ارْعَيْ، لا بَأْسَ عَلَيْكِ.
فَرَعَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَةِ، إِنِّي أَخَافُ الْمَطَرَ! قَالَ: وَمَا الَّذِي تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: سَحَابًا أَكَادُ أَرْفَعُهُ بِيَدِي.
قَالَ: ارْعَيْ، لا بَأْسَ عَلَيْكِ.
فَرَعَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَةِ، إِنِّي وَاللَّهِ أَخَافُ الْمَطَرَ! قَالَ: مَا الَّذِي تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَاهَا قَدِ اسْلَنْطَحَتْ وَانْتَصَبَتْ.
قَالَ: وَيْحَكِ، فَانْجِي بِنَا، وَلا أَظُنُّكِ نَاجِيَةً، فَلَمْ يَبْلُغَا آخِرَ الْوَادِي حَتَّى سَالَ أَوَّلُهُ " قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى اسْلَنْطَحَتْ: انْبَسَطَتْ
فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا، كُلُّهُ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ، هُوَ الْعِلْمُ الصَّادِقُ النَّافِعُ، وَبِهِ يَكُونُ الاهْتِدَاءُ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَالنَّجَاةُ مِنْ حَيْرَةِ الضَّلالِ، فَكَمْ مِنْ قَوْمٍ أَشْفَى بِهِمْ ذَلِكَ عَلَى الْهَلاكِ، فَأَنْجَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالاسْتِدْلالِ بِنَجْمٍ أَمُّوهُ وَوَجْهٍ قَصَدُوهُ، وَبِهِ يُعْرَفُ وَقْتُ النِّتَاجِ، وَوَقْتُ تَأْبِيرِ النَّخْلِ، وَوَقْتُ بَيْعِ الثَّمْرَةِ، وَإِقْبَالُ الْخَيْرِ وَإِدْبَارِهِ، وَأَمَارَاتُ الْخِصْبِ وَالْجَدَبِ، وَعَلامَاتُ
[ ١٦١ ]
السَّحَائِبِ الْمَاطِرَةِ وَالسَّحَائِبِ الْمُخْلِفَةِ، وَالْبُرُوقِ الصَّادِقَةِ وَالْكَاذِبَةِ، وَبِهِ يَنْتَقِلُونَ عَنِ الْمَحَاضِرِ إِلَى الْمِيَاهِ، وَعَنِ الْمِيَاهِ إِلَى الْمَحَاضِرِ، وَلَيْسَ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي أَنَا ذَاكِرُهَا.
فَأَخْرَجَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي تَكْذِيبًا بِالْقَدَرِ، وَصِدْقًا بِالنُّجُومِ»
وَبِطَرِيقٍ آخَرَ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ الْحَوْشَبِيُّ لَقِيتُهُ وَأَنَا شَابٌّ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَقَالَ لِي: إِنْ لَمْ تَكُنْ قَدَرِيًّا
[ ١٦٢ ]