وهذه المباحث هي التي كان يُنَاظِر عليها شيخ الإسلام، فلما عَلِمَت أعداؤه أنَّ ذلك حقٌّ يلزمهم القول به؛ عَمدُوا إلى كلمة مشتبهة من كلامه - وهي مسألة الزيارة ـ، وأخذوا يشنِّعُون عليه بسببها؛ ليشينوه ويُنفِّرُوا الناس منه، وهي في الحقيقة لا تُعَدُّ طَعنًا فيه؛ بما سنبينه. والله الموفّق.
فصل
وإذا تقرر لك أن أهل القسمين قد اتفقوا على ترك النصوص الشرعية إذا خالفت عقولهم وآراء متبوعيهم؛ فأقول: لا شكّ عندي أنّ الله ﷾ قد عاقبهم على ترك كتابه وسنة نبيه ﷺ بأن جعلهم شيعًا وأحزابًا متفرقة؛ فانقسم أهل القسم الأول - أعني: الذين سمَّوا أنفسهم علماء التوحيد والأصول - إلى فِرَق كثيرة؛ كالأشعرية والماتريدية والمرجئة والقدريّة
[ ٩٥ ]
والجبريّة والأزارقة والمعتزلة وإلى غير ذلك من الفرق. وأخذت كل فرقة تؤيد ما ذهبت إليه بما أدَّاه إليها عقلها؛ لأنَّ العقول تتفاوت في الدرجات والمراتب، وكل فرقة تزعم أن العقل يشهد بما ذهبت إليه وتطعن في مخالفيها، حتى كفَّر بعضها بعضًا، ولعن بعضهم بعضًا، وخطَّأ وضلَّل بعضها بعضًا. وتباينهم في العقائد والآراء معلوم لمن رجع إلى كتب المقالات والنِّحَل؛ مثل: كتاب «الفَرْق بين الفِرَق» للجرجاني، وكتاب «الفِصَل في المِلَلِ والأهواءِ والنِّحَلِ» للإمام ابن حزم، وكتاب «المِلَل والنِّحَل» للشهرستاني؛ فإذا رجع الناظر إلى هذه الكتب يجد بها من العقائد والأقوال ما يضحك الثكلى والصبيان؛ فبعضهم يقول: إنَّ هذا القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا مخلوق! وبعضهم يقول: بل هو عبارة عن كلام الله. وبعضهم يقول: تسميته بكلام الله مجاز لا حقيقة، والتوراة والإنجيل
[ ٩٦ ]
والزبور وجميع الكتب المنزَّلة بهذا المعنى؛ فأنكروا أن يكون لله كلام بيننا يُتلى. وبعضهم يقول: إن إيمانه كإيمان أبي بكر وجبريل وميكائيل، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وغير ذلك من المقالات الفظيعة الشنيعة، المناقضة لكلام الله - تعالى - وسنَّة نبيه ﷺ. وحيث أن هذه المقالات العاطلة والآراء الكاسدة مبسوطة في الكتب التي أشرنا إليها؛ فلا نطيل بذكرها اكتفاءً بها.
والله الموفّق.
فصل
وأما أهل القسم الثاني - وهم الذين سمَّوا أنفسهم علماء الفقه والفروع ـ؛ قد عاقبهم الله - تعالى - أيضًا على سوء صنيعهم؛ بأن فرَّقهم على أحزاب من نحوما تقدَّم؛ فاختلفوا على مذاهب شتى: إلى حنفية ومالكية وشافعية وحنبلية وظاهرية وزيدية وجريرية وغير ذلك من المذاهب التي يعلمها من اطلع على كتب القوم الذين جمعوا فيها اختلاف المذاهب؛ مثل كتاب: «التذكار في اختلاف مذاهب الأمصار»، وكتاب «الإشراف على مذاهب الأشراف»، وغيرها مما يطول ذكرها
[ ٩٧ ]
وتعدادها. وأخذَ أهل كل مذهب يناضلون وينافحون عن مذهبهم؛ فوقع لهم قريب مما وقع لأهل القسم الأول من الطعن والسبّ والتضليل والتخطئة ما لا يحصيه إلا الله - تعالى ـ، وتغالى بعض الحنفية حتى طعن في نسب الشافعي، وتغالى بعضهم فقال: إن الحنفي لا يكون كفؤًا لبنت الشافعي وبالعكس! وترك بعضهم الصلاة خلف بعض! وقام بعضهم على بعض بالسيوف لأجل الجهر بالبسملة والقنوت
[ ٩٨ ]
وغير ذلك من مسائل الخلاف! فهذا جزاء من ترك الكتاب والسنَّة، وطفق ينتصر لآراء الرجال التي ما عليها أثارة من علم؛ فنسأله - تعالى - أن يعافينا مما ابتلى به كثيرًا من خلقه، آمين.
ولم يعلم هؤلاء الجهال أن الأئمة - رضوان الله عليهم - كان يصلي بعضهم خلف بعض، ويثني بعضهم على بعض، وإن كان يعلم أنه يخالفه في بعض المسائل؛ فإنه معذور في المخالفة؛ لأنه ما خالف صاحبه إلا بدليل، وإن كان مخالفه لا يراه دليلًا؛ فالكل منهم مأجور معذور، وخطؤه مغفور؛ لأنَّه لم يأل جهدًا في طلب الحقّ؛ فالذي أصاب فيه له أجران، والذي أخطأ فيه له أجر - كما جاء في الحديث ـ. هذا في حدِّ نفسه، وأما غيره فلا يشاركه في هذا؛ لأنَّه مُقصِّر في طلب الحق، ولم يأخذ من حيث أخذ. فإن قال هذا المقصِّر: أنا لم أبلغ درجته حتى آخذ من حيث أخذ؛
[ ٩٩ ]