قالَ الله ﷾: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ *﴾ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٢٦).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٧٥).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥٣).
[ ٥٩ ]
ففي هذهِ الآيةِ بيانٌ بيِّنٌ، ودلالةٌ ظاهرةٌ، على أنَّ موسى قدْ كانَ أعلمَ فرعونَ أنَّ ربَّهُ - جلَّ وعلا - أعلى وفوق، فمنْ أجلِ ذلكَ أمرَ ببناءِ الصَّرحِ، ورامَ الاطِّلاعَ إليه، واتَّهمَ موسى بالكذبِ في ذلكَ. والجهميَّةُ لا تعلمُ أنَّ الله فوقَها بوجودِ ذاتهِ فهمْ أعْجزُ فهمًا منْ فرعونَ (١).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀: «فكذَّبَ فرعونُ موسى في إخْباره إيَّاهُ بأنَّ ربَّهُ فوقَ السَّماءِ. وعندَ الجهميَّةِ: لا فرقَ بينَ الإخْبارِ بذلكَ، وبينَ الإخبارِ بأنَّهُ يأكلُ ويشْربُ، وعلى زعمهمْ يكونُ فرعونُ قدْ نزَّهَ الرَّبَّ عمَّا لا يليقُ بهِ، وكَذَبَ موسى في إخْبارهِ بذلكَ إذْ مَنْ قالَ عندهم: إنَّ ربَّهُ فوقَ السَّمواتِ فهوَ كاذبٌ. فهمْ في هذا التَّكذيبِ موافقونَ لفرعونَ، مخالفونَ لموسى ولجميعِ الأنبياءِ، ولذلكَ سمَّاهم أئمَّةُ السنَّة فرْعونيَّة، قالوا: وهمْ شرٌّ مِنَ الجهميَّةِ؛ فإنَّ الجهميَّةَ يقولونَ: إنَّ الله في كلِّ مكانٍ بذاتهِ، وهؤلاءِ عطَّلوهُ بالكليِّةِ، وأوقعوا عليهِ الوصفَ المطابقَ للعدمِ المحضِ. فأيُّ طائفةٍ منْ طوائفِ بني آدمَ أثبتتِ الصانعَ على أيِّ وجهٍ كانَ قولُهم خيرًا منْ قولِهم» (٢).
_________________
(١) انظر: تفسير الآية في «جامع البيان» (م١٢/ج٢٤/ص٨٢ - ٨٣)، والرد على الجهمية (ص٢١) للدارمي، والتمهيد (٧/ ١٣٣)، والإبانة (ص١٠٦)، والحجة في بيان المحجة (٢/ ١١٥)، والتوحيد (ص١١٤ - ١١٥) لابن خزيمة.
(٢) إعلام الموقعين (٢/ ٣١٧).
[ ٦٠ ]
وقالَ ابنُ قدامة ﵀: «والمخالفُ في هذهِ المسألةِ قدْ أنكرَ هذا يزعمُ أنَّ موسى كاذبٌ في هذا بطريقِ القطعِ واليقينِ، مع مخالفتهِ لرَبِّ العالمينَ، وتخطئتهِ لنبيِّهِ الصَّادقِ الأمينِ، وتركهِ منهجَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، والأئمَّةِ السَّالفينَ، وسائرِ الخلقِ أجمعينَ. ونسألُ الله تعالى أنْ يعصمَنا مِنَ البدعِ برحمتهِ، ويوفِّقَنا لاتِّباعِ سنَّتهِ» (١).
وقالَ السَّعديُ ﵀ في قولهِ تعالى: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]: «فهذا صريحٌ في تكذيبهِ لموسى في قولهِ إنَّ الله فوقَ السَّماواتِ والخلقِ كلِّهم، وتبعَ فرعونَ على قولهِ هذا جميعُ «الجهميَّةِ الفرعونيَّةِ»، ورموا ببلائهم «أهلَ السنَّةِ والجماعةِ» وقالوا: إنَّ مذهبَهم مذهبُ فرعونَ الذي اعتقدَ علوَّ الله على خلقهِ، وهذا منَ العجائبِ وقلبِ الحقائقِ (٢). ومِنَ المعلومِ أنَّ «الجهميَّةَ» أولى بفرعونَ في هذهِ الحالةِ، لأنَّهُ قالها إنكارًا، وهو نفسُ مذهبِ «الجهميَّةِ»، فإنَّهم أنكروا كلامَ اللهِ وعلوَّهُ على خلقهِ، كمَا أنكرَ فرعونُ ذلكَ بتكذيبهِ لرسالةِ موسى ولعلوِّ الله، وليسَ بينهم فرقٌ، إلَّا أنَّ فرعونَ صرَّحَ بالإنكارِ وهمْ موَّهوا العباراتِ وزخرفوا الألفاظَ، وقبَّحوا الحسنَ وحسَّنوا القبيحَ، وسَمَّوا أنفسهم أهلَ الحقِّ، وسَمَّوا غيرهم أهلَ الباطلِ، فانخدعوا لهذهِ الزخارفِ وخدعوا غيرهُم» (٣).
وقالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَمِنَ المَصَائِبِ قَولُهُمْ إنَّ اعتِقَا دَ الفوقِ مِنْ فِرْعَونَ ذِي الكُفرانِ
_________________
(١) إثبات صفة العلوّ (ص٦٥).
(٢) توضيح الكافية الشافية (ص١٠٧).
(٣) توضيح الكافية الشافية (ص١١٨)، تحقيق: أشرف عبد المقصود.
[ ٦١ ]
فَإذَا اعتقَدْتُم هَذَا فأشْيَاعٌ لَهُ أنْتُمْ وَذَا مِنْ أعظَمِ البُهْتَانِ
فاسْمَعْ إذًا مَنْ ذَا الذِي أوْلَى بِفِرْ عَوْنَ المعطِّلِ جَاحِدِ الرَّحمنِ
وَانظُرْ إلَى مَا جَاءَ فِي القَصَصِ التِي تَحْكِي مَقَالَ إِمَامِهِمْ بِبَيَانِ
واللهُ قَدْ جَعَلَ الضَّلاَلَةَ قُدْوةً بِأئِمَّةٍ تَدْعُو إلَى النِّيرانِ
فإِمَامُ كُلِّ مُعَطِّلٍ فِي نَفْيِهِ فِرْعَونُ مَعْ نَمْرُودَ مَعْ هَامَانِ
طَلَبَ الصُّعُودَ إلَى السَّمَاءِ مُكَذِّبًا مُوسَى وَرَامَ الصَّرْحَ بالبُنْيَانِ
بَلْ قَالَ مُوسَى كَاذِبٌ فِي زَعْمِهِ فَوْقَ السَّمَاءِ الرَّبُّ ذُو السُّلْطانِ
فَابْنُوا لِيَ الصَّرْحَ الرَّفِيعَ لَعَلَّنِي أرْقى إليْهِ بِحِيلَةِ الإِنْسَانِ
وأظنُّ مُوسَى كَاذِبًا فِي قَولِهِ اللهُ فَوقَ العَرْشِ ذُو السُّلطَانِ
وكذاك كذَّبهُ بأنَّ إلهَهُ نَادَاهُ بالتَّكليمِ دُونَ عِيَانِ
هُوَ أنْكَرَ التَّكْلِيمَ وَالفَوقِيَّةَ الـ ـعُلْيَا كَقَولِ الجَهْمِ ذِي صَفْوَانِ
فَمَنِ الذِي أوْلَى بِفِرْعَون إذًا مِنَّا ومِنْكُمْ بَعْدَ ذَا التِّبْيَانِ (١).
التاسعُ عَشَرَ: