وبعد يأسنا من الوقوف على ترجمة لابن بيدكين يسوغ لنا أن نجتهد في صياغة ترجمته من خلال الإشارات العابرة في ثنايا كتابه:
_________________
(١) «هدية العارفين» ١/ ١٩٦، اسطنبول: ١٩٥١ م.
(٢) «الكواكب السائرة» ١/ ١٦٢ (٣٣٣) دار الكتب العلمية: ١٤١٨، وعند ابن العماد الحنبلي في «شذرات الذهب» ١٠/ ٢٠٧، دار ابن كثير: ١٤١٤.
[ ٨ ]
أما اسمه فلا تختلف النسخ في أنه: إدريس بن بيدكين بن عبد الله التركماني الحنفي. وهو كما يدلُّ عليه نسبه من التركمان، وكانت مواطنهم في ذلك العصر في شمال العراق وبلاد الشام، خاصة في كركوك والموصل وحلب وماردين، فلعله ولد ونشأ في إحدى هذه المدن، وقد يكون من مناطق التركمان الأعجمية، أو من قبائلها الرحَّل في أذربيجان وما بعدها حتَّى وسط آسيا، وبهذا الاحتمال يمكن أن نفسِّر ضعفه في اللغة العربية، وليس من الصواب أن نستنتج من هذا أنه نشأ مشركًا وأسلم في وقت متأخر، فمن المعروف أن التركمان دخلوا في الإسلام سنة (٣٤٩ هـ/ ٩٦٠ م) (^١)، واندمجوا سريعًا في المجتمع المسلم، وبرز لهم حضور واضح في التاريخ الإسلامي، وكان منهم أمراء وقضاة وفقهاء. والعبارة التي التقطها د. صبحي لبيب للاستدلال على تأخر إسلام ابن بيدكين ليست صريحة في تأييد هذه الدعوى، فقد كان ﵀ يخاطب قارئ كتابه بقوله: «فاشكر أيها المؤمن! الذي منَّ عليك بخلعة الإيمان بعد سبع مئة سنة وكسور من الهجرة، وأحرمها غيرك وهو في الحضرة» (ص: ٥٩٧). وهذه المنَّة تصدُق على من نشأ في أسرة مسلمة، وعلى من أسلم بعد ذلك.
لقد نشأ ابن بيدكين بين قومه، ثم اختار طلب العلم، فتوجَّه إلى الحواضر الإسلامية العربية، فنجده يستحضر بعض التقاليد السيئة التي رآها أيام نشأته فيقول: «كما يفعله بعضُ فسقة التركمان فترقصُ المرأة مع الرجل وقد أحاط بهم الرجال من كل مكان» (ص: ٣٢٥). وهذه الرقصة ما زالت موجودة وتسمَّى في فلسطين: (الدبكة)، وقد يكون فيها اختلاط باصطفاف الرجال والنساء في صف واحد، بين كل رجلين امرأة، أو في صفين متقابلين صف للرجال وآخر للنساء كما في تركيا، وقد تكون من غير اختلاط.
نلتقي بابن بيدكين لأول مرةٍ في مدينة دمشق، حيث نجده يسجِّل بعض يومياته هناك فيقول: «وكان للمؤلف أخٌ صادق في حب الله ورسوله،
_________________
(١) «البداية والنهاية» لابن كثير ١١/ ٢٦٨.
[ ٩ ]
أخذ بعض التتار ماله، (وذلك كله في دولة الملك الظاهر ملك مصر والشام، فلما أخذ ماله) (^١) وجعله راعيًا لخيله قال: فطلبت الهروب » وساق القصة، وفيها دخول صاحبه إلى حلب، ثم تعرُّفه على شيخ صالح انتقل لاحقًا إلى دمشق بصحبة إسماعيليٍّ، أسلم على يديه، ولزم خدمته، ودفن من بعده بجواره، ثم قال: «وكان صاحب المؤلف يقرأ على هذا الشيخ، وانتفع عليه، .. وابتلي في آخر عمره بالفقر وبالأمراض، حتى يبست أصابع يديه ورجليه، وكان مع ذلك كله صابرًا شاكرًا ذاكرًا …»، ثم قال: «وكان قد ابتلَى الله تعالى هذا الشيخ العالم ببلاءٍ آخر، وهو شيطانٌ من الجن رد على الشيخ في قراءته، فلعنه الشيخ وكذَّبه، فأخذ الشيخ في عين المعاداة، فكان الشيطان لعنه الله إذا دخل الليل يرجف قلوبهم ويرمي عليهم الأحجار، فشكا ذلك للمؤلف، فإنه كان من جنسه ومن طلبته، قال: يا بني، يرمي علينا كل يوم قفتين. قال له: فكان يكسر شيئًا من الأواني أو يصيبكم أنتم؟ قال: لا، ولكن مراده أن يرجفنا. ويرميهم بالأحجار في وسط الدار، وكان للشيخ سُلَّمٌ، وفيه مسمار كبير، فقومه (^٢) وأخرجه ورمى به في وجوههم، قال الشيخ: وكان عندي صندوق مقفول وفيه كتب، ففتح الصندوق ورمى كل ما فيه في وجوهنا، وكان يأخذ الغزل من بين يدي الزوجة ويغيب، ثم يرمي به على وجوهنا. قال المؤلف: فقلت له: أنا وفلان نجيء إلى بيت سيدي ونقرأ شيئًا من كتاب الله تعالى. فجئنا وقرأنا البقرة بكمالها، ثم دعونا الله سبحانه؛ فصدَّ الحقُّ الشيطانَ ببركة القرآن، وبعد ذلك ما قرب الدار» (^٣) (ص: ٧٣٤ - ٧٣٩).
قلتُ: هذه تفاصيل مهمة، لكن ابن بيدكين ضنَّ علينا بذكر الزمان والمكان، فلا ندري متى توفي الشيخ؟ وأين؟ لكنَّنا سنرجِّح بظنٍّ غالب أنه أقام في دمشق حتى توفي هناك ﵀، وشهد ابن بيدكين وفاته ثم
_________________
(١) هذه الزيادة من التركية والألمانية ولم ترد في المصرية.
(٢) أي الشيطان.
(٣) لا ترد هذه القصة في المخطوطة المصرية.
[ ١٠ ]
وفاة خادمه الذي دفن بجانبه رحمهما الله. لقد أدرك ابن بيدكين ذلك الشيخ العالم، وربَّما تعرَّف عليه بوساطة صاحبه وأخيه في الله، وكان تركمانيًّا أيضًا، فطلب العلم عنده، كما يدلُّ عليه قوله: «فشكا ذلك للمؤلف، فإنه كان من جنسه ومن طلبته».
إن الوصف الذي ذكره ابن بيدكين عن حال الشيخ التركمانيِّ في أيامه الأخيرة يدلُّنا على أنه مات عن سنٍّ عالية، وهذا يتوافق مع تاريخ الحادثة التي وقعت لصاحبه، فالملك الظاهِر هو بَيْبَرْس العلائي البندقداري الصالحي (٦٢٥ - ٦٧٦ هـ) لُقِّب أيضًا بركن الدين، تولى سلطنة مصر والشام سنة (٦٥٨ هـ)، وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج الصليبيين، وفي أيامه انتقلت الخلافة العباسية إلى الديار المصرية سنة (٦٥٩ هـ)، توفي في دمشق. فحادثة صاحب المؤلِّف وقعت بعد سنة (٦٥٨). وربما يكون الانتقال إلى دمشق وقع قبل سنة (٦٧٦)، وهناك التقى ابن بيدكين بذلك العالم التركماني، وبدأ بطلب العلم، ومخاطبة الشيخ له بقوله: «يا بني!»، يدلُّ على أن إدريس كان في ذلك الوقت في سنِّ الشباب.