ومن البدعة أيضًا: دخول الحمام أو غيره من البحار والغدران بغير مئزرٍ بحضرة الآدميين، وهذا يأتي من قلة الحياء والدِّين، وهو حرام بإجماع المسلمين.
ثم اعلم بأن الحياء من صفات الأنبياء، وهو طريق الأولياء، وبه وصلوا إلى محبوبهم وبلغهم الله سبحانه إلى مطلوبهم، فمن استحيا من الله تعالى راجيًا (^١) ثوابه؛ استحيى الله تعالى يوم القيامة من توبيخه وعذابه، قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]. وقال ﷺ: «إن الله يستحيي أن يعذب شيبةً شابت في الإسلام» (^٢).
_________________
(١) زاد في (خ): في.
(٢) ضعيفٌ جدًّا أو موضوع، أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٢٧٦٤)، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ١٦٨، والحارث كما في «بغية الباحث في مسند الحارث» (١٠٨٤)؛ من حديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﵎: إني لأستحيي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام، فتشيب لحية عبدي ورأس أمتي في الإسلام، ثم أعذبهما في النار بعد ذلك». وقال ابن حبان: منكر باطل، لا أصل له. وأورده الألباني في «الضعيفة» (٥٨٨٣)، وقال: ضعيف جدًّا. وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ١٧٧، والذهبي في «تلخيص كتاب الموضوعات» (٧٥) وقال: الخبر منكر.
[ ٣٥٧ ]
فيجب على هذا الشيخ المسكين أن يعرف قدر هذه النعمة، ويستحي من الله تعالى أن يخرج عن طريق سيد المرسلين.
ثم اعلم بأن الحياء على وجهين: حياء فيما بينك وبين الله، وحياء فيما بينك وبين الناس.
فأمَّا الحياء الذي بينك وبين الله تعالى فهو أن تعرف نعمه، وأياديه فتستحيي منه أن تعصيه. فأعظم الناس مقتًا عند الله تعالى مَنْ جعل نعمه فيه، وهو يمحقها في مخالفته ومعاصيه؛ يقول الله ﷿ في بعض كتبه المنزلة: يا عبدي، إذا كنت أقلبك في نعمتي، وأنت تتقلب في معصيتي، احذر لا أصرعك. واسمع قول السميع البصير: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
وأما الحياء الذي بينك وبين الناس: أن لا تظهر لهم شيئًا من عورتك، وتغض بصرك عن عورات المسلمين والكافرين ومحاسنهم، وسواء كان المنظور إليه من الإناث أو الذكور، متى ما استحلت النفس بالنظر، وجب غض البصر، وسواء كان المنظور إليه بنت شهرين أو ابن سبعين سنة، فالسن ليس هو معتبرًا، فمن غضَّ بصره عما حرَّم الله عليه فتح الله تعالى بصيرته في الدنيا، ومتَّعه في الآخرة بالنظر إليه.
ثم اعلم بأن الحياء على قدر الإيمان، فمن كثر إيمانه كثر حياؤه، ومن قلَّ إيمانه قلَّ حياؤه، ومن لا حياء له لا إيمان له. وهذه الألفاظ مأخوذة من الخبر عن سيدنا محمد ﷺ ما غاب نجم أو ظهر (^١).
وقال صلوات الله عليه وسلامه: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (^٢). وفي حديث آخر: «الحياء من الإيمان، الحياء خير كله، الحياء لا يأتي إلا بخير» (^٣).
_________________
(١) يشير بهذا إلى قوله ﷺ: «لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء، من لا حياء له لا دين له». أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ١٤٢، وفي «الاستذكار» ٨/ ٢٨١ من حديث معاذ بن جبل ﵁، وقال ابن عبد البر: من حديث الشاميين بإسناد حسن.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣٥٨ ]
قال العلماء: إن عثمان بن عفان ﵁ كان إذا أراد الاغتسال دخل بيتًا وأغلق بابه وشد المئزر في وسطه، وكان يمنعه الحياء أن يقيم صلبه (^١).
ويجوز الاغتسال بغير مئزرٍ للرجل والمرأة إذا خلا المكان عن أعين الناظرين؛ لأن النبي ﷺ اغتسل هو وعائشة بغير مئزر في إناءٍ واحدٍ (^٢). فبان بذلك أن الإنسان يجوز له الاغتسال بغير مئزرٍ إذا خلا عن أعين الناظرين (^٣).
والثاني: يجوز للرجل أن ينظر لجميع بدن زوجته وجاريته، وهما (^٤) أيضًا كذلك (^٥).
وفي الحديث: إن أحدًا ما رأى فَرْجَ رسول الله ﷺ (^٦)، ولا شيئًا من
_________________
(١) أخرج عبد الله بن أحمد في «فضائل عثمان بن عفان» (١١٢) عن الحسن بن ذكوان، وذكر عثمان وشدة حيائه، فقال: إن كان ليكون في البيت والباب عليه مغلق، فما يضع عنه الثوب يفيض عليه الماء، ويمنعه الحياء أن يقيم صلبه. وأخرج ابن سعد في «الطبقات» ٣/ ٣٣: عن بنانة قالت: كان عثمان إذا اغتسل جئته بثيابه، فيقول لي: لا تنظري إليَّ، فإنه لا يحل لك. قالت: وكنتُ [جاريةً] لامرأته.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٣٠ (٢٤٠١٤)، والدارمي في «سننه» (٧٤٩)، والبخاري في «صحيحه» (٢٦٣)، ومسلم في صحيحه (٣٢١) (٤٥)، وأبو داود في «سننه» (٧٧)، وابن ماجه في «سننه» (٣٧٦)، والترمذي في «جامعه» (١٧٥٥)، والنسائي في «المجتبى» ١/ ١٢٨ (٢٣٣) من حديث عائشة بلفظ: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد من الجنابة.
(٣) «المجموع» ٢/ ١٩٧، و«المغني» ١/ ٢٦٤.
(٤) في (ق): وهي.
(٥) «البحر الرائق» ٨/ ٢٢٠، و«روضة الطالبين» ٧/ ٢٧.
(٦) لم يصحَّ هذا، فقد أخرج أحمد في «مسنده» ٦/ ١٩٠ (٢٥٥٦٨)، وابن ماجه في «سننه» (٦٦٢، ١٩٢٢)، والترمذي في «الشمائل» (٣٥٩) من حديث عائشة بلفظ: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قط. قال الدارقطني في «العلل» (٣٤٤٤): يرويه بركة بن محمد الحلبي وهو متروك عن يوسف بن أسباط، عن الثوري، عن محمد بن جحادة، عن قتادة، عن أنس، عن عائشة. وإنما يروى هذا عن الثوري، عن منصور، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري، عن مولاة لعائشة، عن عائشة. وهذا يضع الحديث على الثوري، وعلى غيره. ولا يصح هذا، لا عن الثوري، ولا عن محمد بن جحادة، ولا عن قتادة. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (١٨١٢): ضعيف.
[ ٣٥٩ ]
غائطه، بل كانت الأرض تنشق وتبلعه (^١)، ولم يترك الصحابة شيئًا من وضوئه ولا ما يتفله يقع على الأرض، بل كانوا يتمسحون به تبركًا (^٢)، واحتجم مرةً فابتلع دمه بعض أصحابه، عمل ذلك لوجع كان في بطنه فأذهب الله تعالى وجعه (^٣).
والثالث: أن الماء لا يستعمل إذا أدخل الجنب يده فيه.
والسترة أفضل؛ لأن الله تعالى معك حيث كنت وأين كنت. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. وعمل ﷺ ما ذكرته بيانًا للجواز (^٤).
قال العلماء: كان موسى ﵇ إذا أراد الاغتسال أبعد عن أعين
_________________
(١) فيه حديثٌ عن عائشة ﵂ ذكره السيوطي في «الخصائص الكبرى» ١/ ١٢٠، ومحمد بن يوسف الصالحي الشامي في «سبل الهدى والرشاد» في باب ما اختص به ﷺ عن أمته من الفضائل والكرامات ١٠/ ٤٧٣: بأن الأرض كانت تبتلع ما يخرج منه من الغائط، فلا يظهر له أثر ويفوح كذلك رائحة طيبة، وكذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وذكرا أسانيدَه وطرقه، وكلها ضعيفة منكرة، لا يصح منها شيء. (ت)
(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٩٧٢٠)، وأحمد في «مسنده» ٤/ ٣٢٨ (١٨٩٢٨)، والبخاري في «صحيحه» (٢٧٣٤)، وابن حبان «صحيحه» (٤٨٧٢) من حديث المسور ابن مخرمة، ومروان حديث صُلح الحديبة الطويل وفيه: والله ما تنخَّم نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده.
(٣) أخرجه البزار في «مسنده» (٢٢١٠) و(٣٨٣٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٧/ ٦٧ من حديث عبد الله بن الزبير، قال: احتجم رسول الله ﷺ فأعطاني الدم، فقال: «اذهب فغيِّبه». فذهبت فشربته، ثم أتيت النبي ﷺ، فقال لي: «ما صنعت به؟» قلت: غيبته. قال: «لعلك شربته؟» قلت: شربته. وذكر طرقه ابن الملقن في «البدر المنير» ١/ ٤٧٦ - ٤٧٩، وابن حجر في «تلخيص الحبير» ١: ١٦٨ - ١٧٠، وليس فيها أنه عمل ذلك لوجع كان في بطنه، والحديث في إسناده جهالة، ومع ذلك حسَّنه البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (٦٤٥٣).
(٤) في (ق، ب): جوازًا وبيانًا.
[ ٣٦٠ ]
بني إسرائيل، حتى ظنوا أنه يفعل ذلك لسوء في بدنه، فخرج يومًا للاغتسال وحط حجرًا على ثوبه، فسار الحجر بثوبه نحو بني إسرائيل فخرج من الماء، وأسرع في سعيه، فلم يلحق ثوبه، فصار يقول: حجر ثوبي. فأنطق الله سبحانه الحجر إذ أنه مأمور بذلك؛ فلما لحقه أخذ يضرب الحجر فأوحى الله تعالى إليه: لا تضربه وأكرمه، فإن الله برَّأك بذلك من العيب، وأمره الله تعالى بحمل الحجر، فحمله موسى، وهو الحجر الذي كان يتفجر منه الأنهار حين وقع بنو إسرائيل في التيه. فرأى بنو إسرائيل جسد موسى ﵇، وليس فيه عيب. قال الله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. فعلم بنو إسرائيل أنَّ بعده عن أعينهم لشدَّة (^١) حيائه لا من عيب في جسده (^٢).
فقد علمت أن الحياء من سنن المرسلين، ومن شعائر الصالحين، فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة. فمن حرم هذا التوفيق فليس هو لأنبياء الله تعالى وأوليائه برفيق، فمن كشف عورته (بمرأى من) (^٣) الناس أو بالحمام، فقد ارتكب الذنوب والآثام، وخرج عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فلا يخرج عن الشرع الشريف إلا كل عبد معتدٍ كثيف.
_________________
(١) في (خ): من كثرة.
(٢) الذي صحَّ في هذا هو ما أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣١٥ (٨١٧٣)، والبخاري في «صحيحه» (٣٤٠٤)، ومسلم في «صحيحه» (٣٣٩)، والترمذي في «جامعه» (٣٢٢١) من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا فذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله ما قالوا وكان عند الله وجيها﴾ [الأحزاب: ٦٩]»
(٣) في (خ): في مرأى.
[ ٣٦١ ]
دخل أبو حنيفة يومًا الحمام، فرأى رجلًا مكشوف العورة، فغمض الإمام عينيه حتى ظن (الرجل أن) (^١) الإمام قد عمي، فقال لأبي حنيفة ﵀: متى عميت يا إمام؟ فقال له: منذ هتك الله تعالى سترك (^٢).
ودخل (إنسان إلى حمام) (^٣) في وسط سوق فرأى رجلًا مكشوف العورة، فحمله ورمى به على باب الحمام. فقال: أما تستحي ترميني بين هؤلاء الناس؟ قال له: والذي في الحمام (ما هم بأناس) (^٤)؟!
ودخل المؤلف يومًا الحمامَ، فجاء رجل وجلس على جُرْنِ الحمام (^٥)، والناس تحته ينظرون إليه، فرمى الفوطة مِنْ وسطه، فقال مؤلف هذا الكتاب له: يا أخي، قال ﷺ: «الحياء من الإيمان» (^٦) فلم يلتفت لقوله ولم يصلِّ على النبي ﷺ؛ فأخذ المؤلف الفوطة وستر عورته فأخذها بغيظ، ورمى بها ثانيًا، وقال: هذا يجوز في مذهب مالك بن أنس! فغضب المؤلفُ لمقالته ولقلة حيائه، وقال له: ذكرتُ لك النبي ﷺ فلم تصل عليه، وتفتري الكذب على العلماء! البعيد زنديق، إن رميت الفوطة مرة أخرى قتلتك، ودعني أُقتل لأجلك! فتحوَّلَ إلى غير ذلك الجرن.
ثم إنَّ المؤلف ندم على قوله له: «أنتَ زنديقٌ»؛ لأنه قرأ القرآن، واطلع على العلوم، وهو من الخيرات محروم، فما مضى إلا مدة يسيرة (حتى شهد) (^٧) المسلمون بزندقته، وضرب القاضي رقبته (في: بَيْنَ القَصْرَيْنِ، بالقاهرة. وهو قاضي المالكية لَمَّا نَسَبَ الباطِلَ إليه؛ سلَّطه الله
_________________
(١) في (خ): أن الرجل.
(٢) ذكره في «البحر الرائق» ٨/ ٢١٩.
(٣) في (ق): رجل الحمام.
(٤) في (ق): هم ناس.
(٥) الجُرن: حجر يكون في موضع مرتفع في الحمام، ففي «تاج العروس»: الجُرن بالضم: حجر منقور، يصب فيه الماء، يتوضأ منه، يسميه أهل المدينة المهراس، كما في «المحكم». وفي «الجمهرة»: المهراس الذي يتطهر به. (ت)
(٦) سبق تخريجه.
(٧) في (خ): فشهد.
[ ٣٦٢ ]
عليه. وقال بعض جيرانه: إنَّه سبَّ أمَّه بشيء قبيحٍ، فدعت عليه بسوء الخاتمة؛ أجارنا الله منها) (^١).
_________________
(١) ما بين القوسين ليس في (ق). قال عبد الحق التركماني غفر الله له: هذه حكاية مهمة تُنبؤك عن تدرج المؤلف ﵀ في مدارج العلم، فقد أخذته الحماسة في رمي ذلك المتهتك بالزندقة، ثم لما أخذ بطرف من العلم، وعلم أن الرمي بالزندقة رمي بالكفر الأكبر؛ ندم على صنيعه ذاك، وخفَّف عليه شدَّة ندمه ولومه لنفسه على تلك الكلمة أن ذلك الرجل قد اتهم بالزندقة، وحكم عليه القضاء الشرعي بالقتل، وقد وقفتُ بفضل الله على اسمه وخبره، فهو: أحمد بن محمد البقَقِيُّ المصريُّ، يلقب بفتح الدين، المقتول على الزندقة سنة (٧٠١ هـ/ ١٣٠٢ م). ترجم له ابن حجر في «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة» ١/ ٣٠٨ (٧٨٤) فقال: «ولد سنة ستين تقريبًا، وتفقَّه كثيرًا، واشتغل وتأدب، وناظر حتى مهر في كل فنٍّ، وقطع الخصوم في المناظرة، وفاق الأقران في المحاضرة، وبدت منه أمور تنبئ بأنه مستهزئ بأمور الديانة، فادُّعيَ عليه عند القاضي المالكي زين الدين ابن مخلوف بما يقتضي الانحلالَ، واستحلال المحرمات، والاستهزاء بالدين، وأُخرج محضر كتب عليه في سنة (٦٨٦)، وقامت عليه البينة بذلك، فحبس، فكتب ورقة من الحبس على ابن دقيق العيد، صفةَ فُتيا، فكتب عليها: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨]، فأرسلها إلى المالكيِّ، فقال: هذه في الكفار إذا أسلموا ورجعوا! ثم أحضر من السجن، قدام شبَّاك الصالحية، فأعيدت عليه الدَّعوى فاعترف، وصار يتلفَّظ بالشهادتين، ويصيحُ: يا ابن دقيق العيد! ويقول: يا مسلمين! أنا كنت كافرًا وأسلمتُ! فلم يقبل منه المالكيُّ، وحكم بقتله، فضربت رقبته، بينَ القصرين، وذلك في شهر ربيع الأول سنة (٧٠١)، ويقال: إن الشيخ المعروف بالمحفِّدار سمع كلامه، فقال له: كأني بك وقد ضربتْ عنقك بين القصرين، وبقي رأسك معلقًا بجلدةٍ! فكان كذلك. قال الذهبيُّ: كان عالمًا مفننًا مناظرًا، من قرية بققة من حماة، وقيل من الحجاز، وكان من الأذكياء، ممن لم ينفعه علمه، كان يشطح، ويتفوَّه بعظائم، وينعق بمسعدة النبوة والتنزيل، ويتجهرم بتحليل المحرمات. وقال أبو الفتح اليعمري: كان يتطبَّب ولا يدري، ويتأدب ولا يعلم، ويدعي العقل ولا عقل له، بل كان بريًّا من كل خير، وفيه يقول ابن دانيال: يظنُّ فتى البققي أنه … سيخلص من قبضة المالكي نعم سوف يسلمه المالكي … قريبًا ولكن إلى مالكِ وقال فيه أيضًا: لا تسلم البققي في فعله … إن زاغ تضليلًا عن الحق لو هذب الناموسُ أخلاقه … ما كان منسوبًا إلى البقِّ =
[ ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولما سمع ابن البققي قول الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: أهلُ المراتب في الدنيا ورفعتها … أهل الفضائل مرذولون بينهم فما لهم في توقي ضرنا نظرٌ … ولا لهم في ترقي قدرنا همم قد أنزلونا لأنا غير جنسهم … منازل الوحش في الإهمال عندهم فليتنا لو قدرنا أن نعرفهم … مقدارهم عندنا أو لو دَرَوْهُ هم لهم مريحان من جهل وفضل غنًى … وعندنا المتعبان: العلم والعدم فقال ابنُ البققي مناقضًا له: أين المراتب في الدنيا ورفعتها … من الذي حاز علمًا ليس عندهم لا شك أن لهم قدرًا رأوه وما … لمثلهم عندنا قدرٌ ولا همم هم الوحوش ونحن الإنس، حكمتنا … تقودهم حيث ما شئنا وهم نعم وليس شيء سوى الإهمال يقطعنا … عنهم لأنهم وجدانهم عدم لنا المريحان من علم ومن عدم … وفيهم المتعبان الجعل والحشم ومن جملة ما شُهد به على البققي أنه قال: لو كان لصاحب المقامات [وهو الحريريُّ] حظٌّ لكانت مقاماته تتلى في المحاريب! وأنه كان يفطر في نهار رمضان بغير عذر، وأنه كان يضع الربعة تحت رجليه ويصعد ليتناول حاجة له من الرفِّ. ويقال: إنه لما ضربت عنقه لم يمض السيف فيها فحزت، ورفعت رأسه على قناة، ونودي عليها. وحكَى ابن سيد الناس أن ابن البققي دخل على ابن دقيق العيد وهو عنده، فسأله عن مسألة، فلم يجب عنها، فولَّى وهو ينشد: وقف الهوى بي حيث أنتَ الأبيات. فقال ابن دقيق العيد: عُقبَى هذا الرجل إلى التِّلاف. فلم يمض سوى إحدى وعشرين يومًا وقتل. ويقال: إنه كان يستخفُّ بالقاضي المالكي، ويسبُّه، ويطعن فيه، فكان ذاك يبلغه ولا يهيجه، إلى أن ظفر بالمحضر المكتتب عليه قبل ذلك بما تقدم ذكره وطلبه طلبًا عنيفًا، وادعى عليه عنده فأنكر، فقامت البينة، فأمر به فسجن، ليبدي الدافع في الشهود، وحكم المالكي بزندقته، وإراقة دمه، ونقل المحضرُ إلى ابن دقيق العيد فقال: لا أنفِّذ قتل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وألقي المحضر من يده، فبلغ ذلك واليَ القاهرة ناصر الدين ابن الشحي، وكان يميل إلى ابن البققي، فانتصر له، وسعى في نقله من المالكي إلى الشافعي، فأشير عليه بأن يكتب محضرًا بأنه مجنون، فكتب فيه جماعة، وأحضره لابن دقيق العيد، فلما نظر فيه قال: معاذ الله ما أعرفه إلا عاقلًا! فدسَّ من يبغض البققي إلى الشهاب الأعزازي أن ينظم فيه شيئًا، فنظم، وكتب بها إلى المالكي: =
[ ٣٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قل للإمام المالكيِّ المرتضَى … وكاشف المشكل والمبهم لا تهمل الكافر واعمل بما … قد جاء في الكافر في مسلم فلما وقف عليهما، قال: شاعر ومكاشف، قد عزمت على ذلك! وكتب ابنُ البققي إلى المالكي من السجن: يا من يخادعني بأسهمٍ مكره … بسلاسل نعمت كلمس الأرقم أعددت لي زردًا تضايق نسجها … وعلى قلب عيونها بالأسهم يعني: أسهم الدعاء، فقال في جوابه: أرجو أن الله لا يمهلني حتى يفعل. ثم نهض من وقته إلى السلطان، فاستأذنه في قتله، فأشار بأن يتمسك في أمره، فقال المالكيُّ قد ثبت عندي كفره وزندقته، فحكمت بإراقة دمه، ووجب عليَّ ذلك. فلما رأى السلطان انزعاجه، قال: إن كان ولا بدَّ فليكن بمحضر الحكام. وأرسل إلى الوالي والحاجب وحضر القضاة الأربعة، فتكلم المالكي بما حكم به، فوافقه السَّروجيُّ الحنفيُّ، وقال: اقتلوه، ودمه في عنقي. فقُتلَ، والله أعلم بحاله. ويقال: إن ابن دقيق العيد وافق الجماعة، فقال ابن البققي: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) [غافر: ٢٨] فقال: (ءالئان وقد عصيت قبل) [يونس: ٩١]! ولقد جرى في أمره نحو ما جرى في زماننا للشيخ الميمونِيِّ مع القاضي الحنفي زين الدين التفهني، لكن جبن الحنفي عن قتله، بعد أن تمكن من ذلك، فآل الأمر إلى أن خلص من القتل، وأعيد إلى السجن، إلى أن حكم الحنبليُّ بعدَ ذلك بإطلاقه». قلتُ: أطال ابن حجر في ترجمة ابن البققي، وأخذ أكثرها من خليل بن أيبك الصفدي (ت: ٧٦٤) في «أعيان العصر وأعوان النصر» ١/ ٣٥٦ (١٨٢)، واختصر أشياء، فقد ترجم له أيضًا: المقريزي في «السلوك لمعرفة دول الملوك» (حوادث: ٧٠١)، وقال: «أكثر من الوقعية في حق زين الدين علي بن مخلوف قاضي قضاة المالكية وتنقصه وسبه، فلما بلغه ذلك عنه اشتد حنقه وقام في أمره، فتقرب الناس إليه بالشهادة على ابن البققي، فاستدعاه وأحضر الشهود فشهدوا وحكم بقتله، وأراد من ابن دقيق العيد تنفيذ ما حكم به فتوقف». والعيني في «عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان» (حوادث: ٧٠١)، وقال: «وفي نزهة الناظر: وكان هذا الرجل من أهل حماة، وله اشتغال، وحفظ كتبًا كثيرة، وكان ذكيًّا مفرطًا، وحفظ سائر كتب الفقه ودواوين الأشعار، وكان قليل الدين، سيء الاعتقاد، كثير الزندقة، وكان قد اشتغل بكتب المنطق والحكمة وهي التي أفسدت عليه نظامه، وكان له إدلال على القضاة، وجرأة لسان من غير أن يهاب منهم»، وقال: «وبلغ من أمره إلى أن شهدت عليه عنده جماعة كثيرة ممن حضروه: أنه كان عزم على جماعة في بيته وأطعمهم طعامًا، وأنه قام إلى رفٍّ عنده في البيت يتناول منه شيئًا فقصرت يده عنه، فوضع الكتاب
[ ٣٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = العزيز تحت رجليه، ليطول إلى الرف، فقاموا وأنكروا عليه، فشرع في سبهم بأنهم ناس حمير، ثم تلفظ بعد ذلك بالكفر»، وقال: «لما أحضروا المحضر إلى القاضي زين الدين، ونظر فيه، خلاه إلى جانب منه، وتفكر في أمره، واقتضى رأيه أنه يصلي تلك الليلة صلاة الاستخارة، ويسأل الله في أمره، فلما نام تلك الليلة رأى كأن جماعة جاؤوا إليه، وبينهم كلب أسود، زوبري، قدر الكبش، وفي رقبته طوق وزنجير، وهم يقودونه إليه، ثم قتلوه، وألقوه في حفرة، وهو يراه. فلما استيقظ حمد الله تعالى على تلك الرؤيا، وأصبح عازمًا على قتله. ولما فتح بابه وجد شخصًا من طلبته جالسًا على الباب، فسلم عليه، وناوله ورقة مكتوب فيها من شهاب الدين الأعزازي الشاعر، وأخبر أن شهاب الدين المذكور حضر إلى بيته وقت الآذان، وأعطاه هذه الورقة، وقال: عرف قاضي القضاة ما انتظاره في هذا الزنديق، وفيها من شعره: قل للإمام العادل المرتضى … وكاشف المشكل والمبهم لا تمهل الكافر واعمل بما … قد جاء في الكافر عن مسلم فلما وقف عليها تبسم، وقال: شاعر ومكاشف، هكذا عزمنا إن شاء الله». وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» ١٤/ ١٨: «وفي يوم الإثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول قُتل الفتح أحمد ابن البققي بالديار المصرية، حكم فيه القاضي زين الدين ابن مخلوف المالكي بما ثبت عنده من تنقيصه للشريعة واستهزائه بالآيات المحكمات، ومعارضة المشتبهات بعضها ببعض، يذكر عنه أنه كان يحل المحرمات من اللواط والخمر وغير ذلك، لمن كان يجتمع فيه من الفسقة من الترك وغيرهم من الجهلة، هذا وقد كان له اشتغال وهيئة جميلة في الظاهر، وبزته ولبسته جيدة، ولما أوقف عند شباك دار الحديث الكاملية بين القصرين استغاث بالقاضي تقي الدين ابن دقيق العيد فقال: ما تعرف مني؟ فقال: أعرف منك الفضيلة، ولكن حكمك إلى القاضي زين الدين. فأمر القاضي للوالي أن يضرب عنقه، فضرب عنقه، وطيف برأسه في البلد، ونودي عليه هذا جزاء من طعن في الله ورسوله». قلتُ: والقاضي الذي حكم بقتله هو علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النويري المالكي، وكان أشعريًا متعصبًا، وهو ممن تسبَّب في سجن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، لكن كان حسن السيرة في القضاء، أُسند إليه قضاء المالكية في مصر في أواخر سنة (٦٨٥) إلى وفاته في سنة (٧١٨)، قال ابن حجر في «رفع الإصر عن قضاة مصر» ٢٨١: «هو الَّذي قام في قضية فتح الدين ابن البققي، حتَّى أثبت زندقته، وضُربت عنقه بَيْنَ القصرين، وهو يصيح: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله). وكانَ الفتح يكثر الوقيعة في ابن مخلوف، فاتفق أن أشيع عنه أمر يقتضي الانحلال، فأمر ابن مخلوف أن يكتب عليه مَا يضبط. فكتبوا محضرًا، وسألوا ابن دقيق العيد أن يثبته، =
[ ٣٦٦ ]
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] فمن غضَّ بصره حياء من المولى الغفور، فهو عبد مؤمن مأجور، وفي الخبر: «لُعنَ النَّاظرُ والمنظور» (^١).
والناس في النظر المحرَّم على أقسام: منهم من غضَّ بصره حياءً من الخلائق، فإذا خلا بنفسه، ولم يكن إلا الله تعالى مدَّ بصره؛ وهذا فعل غير لائقٍ. قال الله تعالى فيمن هذه صفته: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]. وهذا عبد محقور لتعظيمه نظر مخلوق مثله، ولم يفعل ذلك مع المولى الغفور. قال ﷺ: «من لم يكن له ورعٌ يَحجُزُه عن محارم الله إذا خلا؛ لم يعبأ الله بشيء من عمله» (^٢).
يقول الله ﷿ في بعض كتبه المنزلة: «يا عبادي، إن كنتم تعلمون أني لا أراكم فالخلل في دينكم، وإن كنتم تعلمون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟!» (^٣).
_________________
(١) = فقال: لا أثبت على رجل يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله كفرًا. ورماه من يده، فتعصب جماعة من الدولة للفتح، فأصر ابن مخلوف، فكتبوا محضرًا شهد فيه جماعة بأنه مجنون، فتوقف عليه ابن دقيق العيد أيضًا وقال: مَا نعرفه إلا رجلًا عاقلًا. وأشاع ابنُ مخلوف أنه رأى منامًا يقتضي قتله، فاتهمه الناس في ذلك، فلم يول إلى أن استأذن السلطانَ في أمره، فأذن في عقد مجلس، فعقد بالصالحية، وضربت عنقه في سنة إحدى عشرة». قلتُ: تقدَّم ذكر رؤيا ابن مخلوف في كلام العيني، وليس فيه أنه أشاعه، واتهمه الناس فيه، والله أعلم.
(٢) ضعيف: أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧٧٨٨) من حديث الحسن البصري، قال بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله الناظر والمنظور إليه». قال البيهقي: هذا مرسل.
(٣) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٢/ ٣٨٦ من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا، بلفظ: «خشية الله رأس كل حكمة، والورع سيد العمل، ومن لم يكن له ورع يحجزه عن معصية الله ﷿ إذا خلا بها، لم يعبأ الله بسائر عمله شيئًا». قال الألباني في «الضعيفة» (١٥٨٣): ضعيف.
(٤) هذا من الإسرائيليات، وقد ذكره ابن عجيبة الإدريسي في «البحر المديد» ٣/ ٢٣٥، ٤٧٤.
[ ٣٦٧ ]
والثاني: غضَّ بصره حياءً من الله لا من غيره.
وآخر: جهر بهذا النظر، ففسق عن أمر ربه، وخالف القرآن والخبر.
وأكثر ما يقع في هذه المصائب الجالس بغير حاجة على الطريق والأسواق والمصاطب، ويخاف على هذا المبتدع المواظب من كثرة فتح عينيه إلى ما حرم الله عليه، أن لا يُلْحِقه الله بنبيه ﷺ؛ لخروجه عن طريقه، فيفوته الخير والمطالب.
قال ﷺ: «كل عين باكية يوم القيامة إلا عينًا بكت من خشية الله تعالى، أو عينًا سهرت في سبيل الله، أو عينًا غضت عن محارم الله» (^١).
فكل عين نظرت إلى غير ربها العمى أولى بها، كما قال بعضهم شعرًا:
إذا غاب عن عينيَّ يومًا حبيبها … جعلت البكاء يا قوم مني نصيبها
وأحرمتها طيب المنام وهكذا … جزاء كل عين غاب عنها حبيبها
فمن شغل بالنظر إلى حلاله عن خدمة ربه وجلاله فلا بد أن يعود شؤم ذلك عليه ووباله، فما بالك بمن شغل قلبه بحرام؟! يقول الله ﷿ في بعض كتبه المنزلة: «حرام على قلب يسكنه غيري أن يسكنه حُبِّي» (^٢).
وإياك أنْ يغرَّك الشيطان بتسويله أن هذا ذنب صغير، فقد جاء في الأخبار: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في «الجهاد» (١٤٨)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٣/ ١٦٣، وابن الجوزي في «ذم الهوى» ١/ ١٤١ من حديث أبي هريرة بلفظ: «كل عين باكية يوم القيامة إلا عين غضت عن محارم الله ﷿، وعين سهرت في سبيل الله، وعين خرج منها مثل رأس الذباب دمعة من خشية الله ﷿». قال الألباني في «الضعيفة» (١٥٦٢): ضعيف جدًّا.
(٢) لم أجده.
(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» ٨/ ٢٤٥، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٥٢١٧)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٨٥٣) من قول عبد الله بن عباس ﵄ موقوفًا عليه.
[ ٣٦٨ ]
والشيطان لعنه الله ما مراده بوسوسته لابن آدم: هذا ذنب صغير نصحًا له، بل ليهوِّنه عليه؛ لكي يعمي الله قلب فاعله، ويُسقط جاهه حين يوقفه بين يديه، والصغير بالمداومة يصير كبيرًا، وقد جاء في الخبر: أنَّ زنَى العين النظر (^١).
فمن تعمد النظر إلى عورات المسلمين، أو إلى محاسن امرأة أجنبية، أو إلى غلام أجنبي، فهو عبد ممقوت؛ لمخالفته للحي الذي لا يموت، وأشد مقتًا وأكثر إثمًا النظر إلى أحد من المحارم بشهوة؛ وهو من فعل المجوس، ولا يفعله إلا كل عبد متعوس، ولا ينبغي للمؤمنين الأخيار أن يتصفوا بصفات الفجار وأهل النار.
قال الفضيل: خمس من علامات الشقاء: قسوة (^٢) القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل (^٣).
وقال ابن عثمان: من تكلم في الحياء، ولم يستحي من الله تعالى فهو عبد مستدرَجٌ (^٤).
قال علماء التفسير: إن آصف بن يرخيا كان وزيرًا لسليمان ﵇، وكان مسرفًا على نفسه في حضرة النبوة حتى تعلم أن أحدًا لا ينقذ أحدًا، قال المولى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. فنزل جبريل ﵇ على سليمان وقال له: ربك يسلم عليك، ويقول لك: قل لوزيرك آصف: إلى متى خيري عليه وارد،
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» ٢/ ٢٧٦ (٧٧١٩)، والبخاري في «صحيحه» (٦٢٤٣)، ومسلم في «صحيحه» (٢٦٥٧)، وأبو داود في «سننه» (٢١٥٢)، وابن حبان (٤٤٢٠) من حديث أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنَّى، ويصدق ذلك الفرجُ ويكذبه».
(٢) في (خ): القسوة في.
(٣) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٧٧٤٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٨/ ٤١٦.
(٤) ذكره القشيري في «الرسالة القشيرية».
[ ٣٦٩ ]
وشره إليَّ صاعد. إن لم يخف عقوبتي أما يستحيي من إلاهيتي؟ فلما أخبره سليمان بذلك خرج من عنده ذليلًا خائفًا، فأتى إلى مزابل المدينة، فترجل عن جواده وصار يحثو التراب على رأسه، ثم يبكي ويقول: إلهي، أنت أنت، وأنا أنا، وكلٌّ يعمل على شاكلته، يا رب قد تبت إليك فخذ بيدي، فليس لي من ينقذني مما أنا فيه غيرك، وإن لم تأخذ بيدي لأعودن ولأعودن. فلما فعل ذلك تاب الله عليه، وقربه إليه، وعلمه الاسم الأعظم (^١).
روي عن ابن عباس ﵄؛ أنه هو الذي دعا إلى الله تعالى باسمه الأعظم، فجاء بعرش بلقيس إلى بين يدي سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه (^٢).
قال ابن عباس: خرج عرش بلقيس من تحت كرسي سليمان ﵇ من ساعته؛ كرامةً له ومعجزةً لنبيه ﵇، قال: وكان العرش ثلاثين ذراعًا في ثلاثين، وطوله في الهواء ثلاثون، فتعجب سليمان وقال: رب، وعدتني بملك لا ينبغي لأحد من بعدي، وهذا وزيري عمل شيئًا لا أقدر عليه. فأوحى الله تعالى إليه: أليس هو في خدمتك؟!
فانظر رحمك الله، إلى بركة التوبة، فما توقفت الأشياء علينا إلا لتوقفنا نحن. كان حبيب العجمي يقول: نعم الربُّ ربُّنا، لو أطعناه ما عصانا (^٣).
_________________
(١) هذا من الإسرائيليات وقد ذكره إسماعيل حقي في «روح البيان» ٢/ ٨٨، والمناوي في «فيض القدير» ٢/ ٢٥٩.
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» ١٩/ ٤٦٨، وذكره الثعلبي في «الكشف والبيان» ٧/ ٢١٠ - ٢١١، وابن كثير في «تفسيره» ٦/ ١٩٢، والرازي في «تفسيره» ١/ ٣٤٦٤، والالوسي في «روح المعاني» ١٩/ ٢٠٣ عن ابن عباس.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٩٠٨٠)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ١٠٥، والبيهقي في «الزهد» (٧٢٠)، وابن عساكر في «تاريخه» ٢٣/ ١٧٨ عن سليمان الأعمش ﵀، قال: قال لي أبو وائل وهو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، من كبار التابعين، ومن العلماء العاملين: يا سليمان، نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصانا. ولم أجده من قول حبيب بن محمد العجمي، وهو أبو محمد البصري، أحد الزهاد المشهورين من أتباع التابعين، كان ثقةً عابدًا.
[ ٣٧٠ ]
فمن أعرض أعرض الله عنه، ومن جاء فما غاب، وصار من جملة الأحباب، بكل ذلك جاءت السنة والكتاب، فينبغي للمعرض عن الله تعالى أن يبكي على نقصان حظه من الإيمان، فمن كثر إيمانه قلَّ عصيانه، وكان بعضهم يبكي ويقول: إلهي، لا أبكي لوجود المعصية، إني لا أصلح لها؛ بل أبكي الذي كان هذا حظي منك (^١).
فيا من يكثر الطاعة ولا يجد لعبادته حلاوةً في قلبه، وما ذلك إلا لإصراره على الذنوب، ولقلة حيائه من علام الغيوب؛ لأن العاصي قد علت (^٢) على أرض قلبه سباخ البدعة والسيئات، فلا ينتج فيه النبات ولا يفلح فيه أبدًا. قال المولى جل وعلا: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨].
فتضرع أيها المؤمن إلى الله سبحانه، فليس لها إلا هو، ولن ينقذ أحدٌ أحدًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
قال بعضهم: نزلت بي ضرورة وفاقة، فكلما هممت بالدعاء تفكرت قبح حالي، فرددت يدي حياءً من الله تعالى، فأقمت على ذلك مدة، فدخلت يومًا إلى مجلس عبد الواحد بن زيد، فسمعته يقول: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه أن قل لعبادي يستغفروني فإني غفور رحيم، ولا يبارزوني بالمعاصي فإن عذابي عظيم، ولا يتأخروا عن مسألتي فإني غني كريم، أنا المعروف بالمعروف. قال: فما قمت حتى دعوت ربي ففرج عني (^٣).
أحرم بعض الصالحين فلم يلب ولم يدع الله تعالى، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن أقول: لبيك. فيقول: لا لبيك ولا سعديك. فقيل له: لا بد لك من التلبية لأن التلبية سنةٌ في مذهب الشافعي، وعند أبي
_________________
(١) لم أجده.
(٢) في (خ): غلبت.
(٣) لم أجده.
[ ٣٧١ ]
حنيفة واجبة (^١) فلما لبَّى خرَّ مغشيًّا عليه (^٢).
وقف الشيخ ابن الموفق بعرفة وقال: اللهم إن كان في هذا الموقف من لم تقبل حجته فاجعل حجتي له. فلما عاد إلى المزدلفة رأى الحق سبحانه يقول له في منامه: يا ابن الموفق. قال: لبيك. قال: علينا تتسخى وتتكرم وأنا أكرم الأكرمين، أيقف أحد في الموقف ولا أغفر له ولذريته ولأهله ولعشيرته؟ أما علمت أني أهل التقوى وأهل المغفرة؟! (^٣).
_________________
(١) انظر: «الحاوي الكبير» للماوردي ٤/ ٨٨، و«المبسوط» للسرخسي ٤/ ٣٠٧.
(٢) أخرج ابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» ٤١/ ٣٧٨ عن سفيان بن عيينة قال: حجَّ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه، وانتفض، ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي، فقيل له: ما لك لا تلبي؟ فقال: أخشى أن أقول: لبيك؛ فيقول: لي لا لبيك! فقيل له: لا بد من هذا؟ قال: فلما لبَّى غشي عليه، وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك، حتى قضى حجَّه. وأخرج أبو نعيم في «حلية الأولياء» ٩/ ٢٦٣ في ترجمة (أبي سليمان عبد الرحمن بن أحمد الداراني)، عن أحمد بن أبي الحواري قال: رأيت أبا سليمان أراد أن يلبي فغشي عليه، فلما أفاق قال: يا أحمد! بلغني أن الرجل إذا حج من غير حله فقال: لبيك اللهم لبيك؛ قال له الرب: لا لبيك ولا سعديك، حتى ترد ما في يديك! فما يؤمِّنُني أن يقال لي، هذا ثم لبَّي. وأخرج ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٢/ ٤٣٦ عن أبي عبد الله أحمد بن الجلاء، قال: كنت بذي الحليفة، وأنا أريد الحج، والناس يحرمون، فرأيت شابًّا قد صب عليه الماء يريد الإحرام، وأنا أنظر إليه، فقال: يا رب أريد أن أقول: لبيك اللهم لبيك، فأخشى أن تجيبني لا لبيك ولا سَعْديك. وبقي يردد هذا القول مرارًا كثيرة، وأنا أتسمع عليه، فلما أكثر قلت له: ليس لك بد من الإحرام. فقال: يا شيخ، أخشى إن قلت: لبيك أجابني بلا لبيك ولا سَعْديك. فقلت له: أحسن ظنك، وقل معي: لبيك اللهم لبيك. فقال: لبيك اللهم وطوَّلها، وخرجت نفسه مع قوله «اللهم»، وسقط ميتًا. وأخرج ابن عساكر أيضًا ٥٦/ ٤١١ عن جعفر بن سليمان قال: خرجت مع مالك بن دينار إلى مكة، فلما أحرم أراد أن يلبي فسقط، ثم أفاق، فأراد أن يلبي فسقط، ثم أفاق، فأراد أن يلبي فسقط، فقلت له: ما لك يا أبا يحيى. قال: أخشى أن أقول: لبيك، فيقول: لا لبيك ولا سعيدك!
(٣) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» ١٠/ ٣١٢، وذكره الغزالي في «الإحياء» ١/ ٢٤١، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» ٢/ ٣٨٧ عن علي بن الموفق الزاهد، وهو من مشايخ الصوفية، ذكره الذهبي في «تاريخ الإسلام»، وقال: أحد مشايخ الطريق، له أحوال ومقامات، صحب منصور بن عمّار، وأحمد بن أبي الحواري. توفي سنة (٢٦٥) ﵀.
[ ٣٧٢ ]
حجَّ ﵁ ستين حجة، في آخرها جلس تجاه الكعبة يفكر في أمره هل قبل أم لا؟
وقال بعض الصالحين في مِنًى: اللهم إن الناس قد تقربوا إليك بقربانهم، ولا أملك اليوم إلا نفسي فاقبلها منِّي، فخرَّ ميتًا (^١).
حجَّ رجلٌ تكروريٌّ وكان مؤلفُ الكتاب مجاورًا بمكة المشرفة هو وعياله فجاء التكروريُّ إلى إمام المالكية بمكة، وقال له: اجعلني في حلٍّ. وقال: قيل لي: إن الله سبحانه غفر لأهل الموقف لأجلك، ومن علامة ذلك أنك تموت في غدٍ. فأصبح ميتًا، تغمدنا الله وجميع المسلمين برحمته.
فانظر إلى خوف هؤلاء السَّادة مع ما سبق لهم من الخير والعبادة، وأَمْنِنَا (^٢) وقد خالفنا عالم الغيب والشهادة، كان همهم الآخرة، فصرف عنهم همَّ الدنيا والآخرة.
قال عمر بن الخطاب ﵁: إنْ كنت أعول همًّا غير همِّ يوم القيامة لا أمَّنني الله منه (^٣).
دخل رجل على زوجته مهمومًا، وكانت عارفةً بالله، فقالت: اللهم إن كان همه الدنيا فاصرفه عنه، وإن كان همه الآخرة، فزده همًّا إلى همه.
ثم اعلم بأنَّ العبد إذا كان خاملًا في الدنيا خيرٌ له من أن يكون خاملًا (^٤) في الآخرة، ويُبس كسْرتك خير من يُبس قلبك، لا تكن كالطفل يشترط فيبكي، والكبير يتجرع المرارة ويصبر لعلمه بالمنفعة، ولو دامت الدنيا لأهلها لا ينبغي أن يحسدوا عليها لنقصان الآخرة، والأكدار في طرف العصا.
_________________
(١) ذكره إسماعيل حقي في «روح البيان» ٣/ ٩٩.
(٢) في (ق، ط): وأمنًا.
(٣) لم أجده.
(٤) في (خ) في الموضعين: محمولًا. وصوابه: مخمولًا
[ ٣٧٣ ]