مدار هذا الدين على الإيمان بالقدر، والعمل بالشرع. لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، ولا يستقيم الإيمان إلا بتحقيقهما جميعًا؛ ولذا قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «القدر نظام التوحيد؛ فَمَنْ وحَّد الله وآمن بالقدر تَمَّ توحيده، ومَن وحَّد الله وكذَّب بالقدر نقض توحيده» (^١).
وقد دلَّت الأدلَّة على ذلك؛ فقد سُئل النبيُّ ﷺ في أكثر من مناسبةٍ عن الاتِّكال على القدر وترك العمل، فأمر بالعمل مع الإيمان بالقدر.
روى الشيخان من حديث عليٍّ ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ذات يومٍ جالسًا وفي يده عودٌ ينكت به، فرفع رأسه، فقال: «ما منكم من نفسٍ إلا وقد عُلِمَ مَنْزلها من الجنَّة والنار»، قالوا: يا رسول الله! أفلا نتَّكل؟ قال: «لا، اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِق له»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (^٢).
وفي الصحيحين أيضًا عن عمران بن حُصينٍ ﵁، قال: قال رجلٌ:
يا رسول الله! أيُعرَف أهل الجنَّة من أهل النار؟ قال: «نعم»، قال: فَلِمَ يعمل العاملون؟ قال: «كلٌّ يعمل لِمَا خُلِقَ له، أو: لِمَا ييسَّر له» (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٦). وذكره بهذا اللفظ شيخ الإسلام ابن تيمية. مجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٨)، وابن القيم في مدارج السالكين (١/ ١٠٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٠٥)، ومسلم (٢٦٤٧) واللّفظ له.
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٩٦)، ومسلم (٢٦٤٩).
[ ١٤٥ ]
وأخرج مسلمٌ من حديث سراقة بن مالكٍ، أنه قال: يا رسول الله! بَيِّن لنا ديننا كأنا خُلِقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أَفِيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: «بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير»، قال: ففيم العمل؟ قال: «اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ» (^١).
والأدلَّة في هذا المعنى كثيرةٌ، وهي ظاهرة الدلالة على وجوب العمل، وعدم الاتِّكال على القدر، فالنبيُّ ﷺ سُئل عن القدر، وأخبر أن الناس يعملون فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير، أي: أن أعمال الناس كلَّها مقدَّرةٌ جرت بها أقلام المقادير السابقة، وكذلك أخبر أنه جرت المقادير بكتابة أهل الجنَّة وأهل النار ومنازلهم في الدارين بما علمه الله بعلمه السابق لوجودهم.
ولما سُئل ﵊ عن العمل أمر به، وقال: «اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِق له». أي: أن أهل السعادة ميسَّرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ميسَّرون لعمل أهل الشقاوة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا من أحسن ما يكون من البيان؛ وذلك أن الله ﷾ يعلم الأمور على ما هي عليه، وهو قد جعل للأشياء أسبابًا تكون بها، فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب» (^٢).
والمقصود أن الأحاديث صريحةٌ في وجوب الإيمان بالقدر والاجتهاد في العمل بالشرع.
قال ابن القيِّم: «فاتَّفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجِب الاتِّكال عليه، بل يوجِب الجدَّ والاجتهاد؛ ولهذا لما
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٤٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٦٨).
[ ١٤٦ ]
سمع بعض الصحابة ذلك قال: «ما كنت أشدَّ اجتهادا مني الآن». وهذا مما يدلُّ على جلالة فقه الصحابة ودقَّة أفهامهم وصحَّة علومهم؛ فإن النبيَّ ﷺ أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب؛ وإن العبد ينال ما قُدِّر له بالسبب الذي أُقدِر عليه ومُكِّن منه وهُيِّئ له، فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أمِّ الكتاب، وكلما زاد اجتهادًا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه، وهذا كما إذا قُدِّر له أن يكون من أعلم أهل زمانه، فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلُّم وأسبابه» (^١).
وقد قرَّر العلماء هذه المسألة ونصُّوا عليها في كتبهم المصنَّفة في الاعتقاد، وشروح السنَّة، والسلوك والآداب، وحكوا إجماع السلف وأئمَّة أهل السنة على ذلك، وأنه لم يخالف فيها إلا أهل البدع.
قال الخطَّابيُّ تعليقًا على حديث عليٍّ: «فهذا الحديث إذا تأمَّلته أصبت منه الشفاء فيما يتخالجك من أمر القدر، وذلك أن السائلَ رسولَ الله ﷺ والقائلَ له: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ لم يترك شيئًا مما يدخل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في باب التجوير والتعديل إلا وقد طالب به وسأل عنه، فأعلمه ﷺ أن القياس في هذا الباب متروكٌ، والمطالبةَ عليه ساقطةٌ، وأنه أمرٌ لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عُقِلت معانيها، وجرت معاملات البشر فيما بينهم عليها، وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل؛ ليكون أمارةً في الحال العاجلة لما يصيرون إليه في الحال الآجلة، فمَن تيسَّر له العمل الصالح كان مأمولًا له الفوز، ومَن تيسَّر له العمل الخبيث كان مخوفًا عليه الهلاك، وهذه أماراتٌ من جهة العلم الظاهر وليست بموجِبات؛ فإن الله سبحانه طوى علم
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ١١٩ - ١٢٠).
[ ١٤٧ ]
الغيب عن خلقه وحجبهم عن دَرَكه، كما أخفى أمر الساعة فلا يعلم أحدٌ متى إبَّان قيامها؛ ثم أخبر على لسان رسول الله ﷺ بعض أماراتها وأشراطها» (^١).
وقال الإمام الآجُرِّيُّ: «فاعلم -رحمك الله- أن الإيمان بهذا واجبٌ، قد أمر العباد أن يعملوا بما أُمِروا من طاعة الله، وينتهوا عما نُهوا عنه من المعصية، والله بعد ذلك موفِّقٌ مَنْ أحبَّ لطاعته، ومقدِّرٌ معصيته على من أراد غيرَ ظالمٍ لهم، ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، أحبَّ من عباده الطاعة وأمر بها، فكانت بتوفيقه، وزجر عن المعصية وأراد كونه غير محبٍّ لها ولا آمرًا بها، تعالى ﷿ عن أن يأمر بالفحشاء، وجلَّ أن يكون في ملكه ما لا يريد. هذا -رحمك الله- طريق أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ، وأئمَّة المسلمين» (^٢).
وقال النوويُّ في شرح بعض الأحاديث المتقدِّمة: «وفي هذه الأحاديث النهي عن ترك العمل والاتِّكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له، لا يقدر على غيره، ومَن كان من أهل السعادة يسَّره الله لعمل السعادة، ومَن كان من أهل الشقاوة يسَّره الله لعملهم، كما قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧]، و﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠]، وكما صرَّحت به هذه الأحاديث» (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وقد بيَّن النبيُّ ﷺ أن ذلك لا ينافي وجود الأعمال التي بها تكون السعادة والشقاوة، وأن مَنْ كان من أهل السعادة فإنه
_________________
(١) معالم السنن (٤/ ٣١٨ - ٣١٩).
(٢) الأربعون حديثًا (ص: ٩٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٩٦).
[ ١٤٨ ]
ييسَّر لعمل أهل السعادة، ومَن كان من أهل الشقاوة فإنه ييسَّر لعمل أهل الشقاوة، وقد نُهِي أن يتَّكل الإنسان على القدر السابق، ويدع العمل. ولهذا كان مَنْ اتَّكل على القدر السابق، وترك ما أُمِر به من الأعمال هو من الأخسرين أعمالًا الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وكان تركهم لما يجب عليهم من العمل من جملة المقدور الذي يُسِّروا به لعمل أهل الشقاوة؛ فإن أهل السعادة هم الذين يفعلون المأمور ويتركون المحظور، فمن ترك العمل الواجب الذي أُمِر به وفعل المحظور متَّكلًا على القدر؛ كان من جملة أهل الشقاوة الميسَّرين لعمل أهل الشقاوة» (^١).
وقال ابن القيِّم ﵀: «وبالجملة؛ فالقرآن من أوَّله إلى آخره صريحٌ في ترتُّب الجزاء بالخير والشرِّ والأحكام الكونيَّة والأمريَّة على الأسباب، بل ترتُّب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال.
ومَن تفقَّه في هذه المسألة وتأمَّلها حقَّ التأمُّل انتفع بها غاية النفع، ولم يتَّكل على القدر جهلًا منه وعجزًا وتفريطًا وإضاعةً، فيكون توكُّله عجزًا، وعجزه توكُّلًا، بل الفقيه كلَّ الفقه الذي يردُّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر، بل لا يمكن الإنسان أن يعيش إلا بذلك؛ فإن الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر. فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها، ورعاها حقَّ رعايتها، والله المستعان» (^٢).
وقال الشيخ حافظ حكمي ﵀: «اتَّفقت جميع الكتب السماويَّة والسنن النبويَّة على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتِّكال عليه، بل يوجِب
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٧٦ - ٢٧٥).
(٢) الجواب الكافي (ص: ٢٠ - ٢١).
[ ١٤٩ ]