والحق في ذلك هو ما عليه أهل السنة؛ فقد هداهم الله للحقِّ الذي ضلَّت عنه الطائفتان، وسلَّمهم من الضلال الذي حقَّ عليهم.
فأهل السنة يعتقدون أن الحكمة صفته سبحانه، وصفاته ليست غيرًا له
-كما ادَّعت المعتزلة-، فثبوت حكمته لا يستلزم استكماله بغيره (^٣).
والحكمة أيضًا ليست مطلق المشيئة -كما زعمت الجهمية والأشاعرة-؛ إذ لو كان كذلك لكان كلُّ مريدٍ حكيمًا (^٤).
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٧٧).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٧٢٩ - ٧٣٠).
(٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ٥٧٩).
(٤) انظر: منهاج السنة (١/ ١٤١).
[ ٩٠ ]
ويثبت أهل السنة لله الحكمة البالغة في خلقه وأمره مع كمال القدرة ونفوذ مشيئته في تدبير شؤون خلقه قدرًا وشرعًا.
والمعتزلة أثبتوا لله حكمةً وعدلًا، وأنكروا قدرة الله على أفعال العباد وخلقه لها ومشيئته لها؛ بدعوى معارضة ذلك للحكمة والعدل في الثواب والعقاب. والجهميَّة والأشعريَّة أثبتوا له قدرةً ومشيئةً نافذةً بلا حكمةٍ؛ بدعوى أن الفعل لعلَّةٍ يستلزم الحاجة والنقص، والله متنزِّهٌ عن ذلك ويتنافى مع قدرته. والله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فقد أثبت تعالى لنفسه مشيئةً نافذةً في أعمال العباد مع العلم والحكمة.
فإثباته للمشيئة النافذة ردٌّ على المعتزلة القدريَّة نفاة القدرة، وإثباته للعلم والحكمة ردٌّ على الجهميَّة والأشعريَّة نفاة الحكمة، فسبحان العليم الحكيم؛ فما من محدثةٍ وبدعةٍ إلا اشتمل كتابه على دحضها وردِّها.
ونظير هذه الآية من السنَّة قول النَّبِيِّ ﷺ في دعاء الكرب: «اللهمَّ إنِّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصِيَتِي بيدك، ماضٍ فِيَّ حكمك، عدلٌ فِيَّ قضاؤك …» (^١)؛ ففيه ردٌّ على الطائفتين.
ففي قوله: «ماضٍ فِيَّ حكمُك» ردٌّ على المعتزلة القدريَّة الذين ينكرون قدرته سبحانه على أفعال العباد ومشيئته لها.
وفي قوله: «عدلٌ فِيَّ قضاؤك» ردٌّ على الجهميَّة والأشعريَّة المجبرة الذين ينكرون حكمته وعدله في تدبير شؤون خلقه.
قال ابن القيِّم: «ومَن تأمَّل كلام سلف الأمَّة وأئمَّة أهل السنَّة رآه ينكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط، فينكر قول المعتزلة المكذِّبين بالقدر، وقول
_________________
(١) تقدم تخريجه (٤٨).
[ ٩١ ]
الجهميَّة المنكرين للحكم والأسباب والرحمة، فلا يرضون لأنفسهم بقول القدريَّة المجوسيَّة، ولا بقول القدريَّة الجبريَّة نفاة الحكمة والرحمة والتعليل.
وعامَّة البدع المحدَثة في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهميَّة والقدريَّة، والجهميَّة رؤوس الجبريَّة وأئمَّتهم أنكروا حكمة الله ورحمته، وإن أقرُّوا بلفظٍ مجرَّدٍ فارغٍ عن حقيقة الحكمة والرحمة. والقدريَّة والنفاة أنكروا كمال قدرته ومشيئته. فأولئك أثبتوا نوعًا من الملك بلا حمدٍ، وهؤلاء أثبتوا نوعًا من الحمد بلا ملكٍ، فأنكر أولئك عموم حمده، وأنكر هؤلاء عموم ملكه، وأثبت له الرسل وأتباعهم عموم الملك وعموم الحمد كما أثبته لنفسه، فله كمال الملك وكمال الحمد، فلا يخرج عينٌ ولا فعلٌ عن قدرته ومشيئته وملكه، وله في كلِّ ذلك حكمةٌ وغايةٌ مطلوبةٌ يستحقُّ عليها الحمد، وهو في عموم قدرته ومشيئته وملكه على صراطٍ مستقيمٍ، وهو حمده الذي يتصرَّف في ملكه به ولأجله» (^١).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ٢٥٣).
[ ٩٢ ]