الحق في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة والجماعة وهو أن حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله تعالى: وضع الأشياء في غير مواضعها، مع اتِّصافه بكمال ضدِّه، وهو العدل. والإيمان بأنه سبحانه يفعل باختياره ومشيئته، فيعدل تفضُّلًا، ولا يظلم تنزُّهًا.
وليس معنى الظلم الذي يتنَّزه الله عنه هو معنى الظلم الذي يكون من الآدميِّين بعضهم لبعضٍ، كما تقوله القدريَّة المعتزلة؛ فإن هذا تشبيهٌ لأفعال الله بأفعال العباد.
وكذلك ليس الظلم الذي نفاه عن نفسه هو الممتنع عليه الذي لا يدخل تحت قدرته، كما يقوله الجهميَّة المجبرة. ومعلوم أن الممتنع الذي لا يدخل في المقدور لا يُمدَح به أحدٌ، والله تعالى أخبر أنه حرَّم الظلم على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة، والممتنع لا يوصف بذلك. وإنما كتب على نفسه وحرَّم على نفسه ما هو قادرٌ عليه، لا ما هو ممتنعٌ عليه (^١).
وقول أهل السنَّة وسطٌ بين مقالتي القدريَّة والجبريَّة. وقد هداهم الله للحقِّ الذي تفرَّقوا فيه.
فهؤلاء المبتدعة أرادوا تنزيه الله عن الظلم الذي نفاه عن نفسه، فضلُّوا عن ذلك، فهم على طرفي نقيضٍ في الضلال ومجانبة الحقِّ الذي دلَّت عليه الأدلَّة، ووقعوا في ضلالاتٍ كثيرةٍ، ونسبوا لله مقالاتٍ باطلةً، بسبب جهلهم بالشرع، وتحكيم عقولهم فيما يجوز على الله ويمتنع، وقد تفرَّدت كلُّ طائفةٍ
_________________
(١) انظر: منهاج السنة (٥/ ٩٦)، والفتاوى الكبرى (١/ ٧٧)، وطريق الهجرتين (ص: ١١٧)، وشرح الطحاوية (ص: ٤٥٣).
[ ١٢٣ ]
منهما بضلالاتٍ وأخطاء:
فالجهميَّة والأشعريَّة أخطؤوا من وجوهٍ:
الأوَّل: أن الظلم عندهم هو الممتنع لذاته، فلا يدخل تحت قدرة الربِّ، وحينئذٍ فلا يترتَّب على تركه مدحٌ، لعدم تعلُّقه بالاختيار والمشيئة.
قال النجاشي الحارثي في هجاء بني العجلان (^١):
قُبَيِّلةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ … وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
فالمراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم. ولذا قال: (قُبَيِّلةٌ) بالتصغير على سبيل التحقير (^٢).
قال ابن القيِّم: «وعلى قولهم فلا يكون ممدوحًا بترك الظلم؛ إذ لا يُمدَح بترك المستحيل لذاته، ولا فائدة في قوله: (إني حرَّمت الظلم على نفسي) (^٣)» (^٤).
الثاني: أن الظلم الذي ينفيه هؤلاء الجبريَّة عن الله ليس هو الذي نفاه عن نفسه؛ فإنهم يعتقدون أنه عدمٌ محضٌ يستحيل عليه، لا يتضمَّن عدلًا ولا اختيارًا ولا مشيئةً، وهذا يصحُّ أن يوصف به العاجز الذي لا قدرة له على الفعل، كأن يُقال في الأقطع (لا يسرق)، والأجبِّ (لا يزني)، بل يوصف بذلك الجماد؛ كأن يُقال: (الجدار لا يظلم)، و(الجبل لا يجور). فأيُّ مدحٍ وثناءٍ أثبتوه لله؟!!
قال ابن القيِّم: «فعندهم الظلم لا حقيقة له، بل هو الممتنع لذاته الذي
لا يدخل تحت القدرة، فلا يقدر الربُّ -تعالى- عندهم على ما يُسمَّى ظلمًا
_________________
(١) الحماسة الصغرى لأبي تمام (ص: ٢١٦).
(٢) انظر: شرح الطحاوية (ص: ٦١).
(٣) تقدم تخريجه ص (٧٢).
(٤) شفاء العليل (٢/ ٧٥٤).
[ ١٢٤ ]
حتى يُقال: ترك الظلم وفعل العدل. فعلى قولهم لا فائدة في قوله: «عدلٌ فيَّ قضاؤك»، بل هو بمنزلة أن يُقال: نافذٌ فيَّ قضاؤك ولا بدَّ، وهو معنى قوله: «ماضٍ فيَّ حكمك»، فيكون تكريرًا لا فائدة فيه. وعلى قولهم فلا يكون ممدوحًا بترك الظلم» (^١).
ومن الأصول المقرَّرة عند الأئمَّة المحقِّقين من أهل السنَّة: أن كلَّ ما نفى الله عن نفسه فهو يتضمَّن معنى ثبوتيًّا، وهو إثبات (كمال ضدِّ المنفيِّ). وهذا أصلٌ مطَّردٌ في كلِّ الصفات المنفيَّة.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وهذا أصلٌ مستمرٌّ، وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمَّن ثبوتًا لا مدح فيه ولا كمال، فلا يَمدَح الربُّ نفسه به، بل ولا يصف نفسه به، وإنما يصفها بالنفي المتضمِّن معنى ثبوتٍ» (^٢).
ونفي الله الظلم عن نفسه جارٍ على هذا الأصل.
قال ابن القيِّم: «وحَمِد نفسه بأنه لا يظلم أحدًا، لكمال عدله وإحسانه» (^٣).
وقال ابن أبي العزِّ الحنفيُّ: «وكذلك كلُّ نفيٍ يأتي في صفات الله -تعالى- في الكتاب والسنَّة إنما هو لثبوت كمال ضدِّه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]؛ لكمال عدله» (^٤).
وبهذا يتبيَّن ضلال هؤلاء الجبريَّة وقصورهم عن المعنى الصحيح المراد لله بنفيه الظلم عن نفسه عندما زعموا أن الظلم ممتنعٌ عليه.
_________________
(١) شفاء العليل (٢/ ٧٥٣ - ٧٥٤).
(٢) دقائق التفسير (٢/ ١٢٦).
(٣) مدارج السالكين (١/ ٥١).
(٤) شرح الطحاوية (ص: ٦١).
[ ١٢٥ ]
الثالث: أن قولهم بأن الظلم ممتنعٌ على الله يتضمَّن تعطيل عامَّة النصوص التي نفى الله فيها عن نفسه الظلم.
فلا يكون لقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] معنىً صحيحٌ؛ لأن الظلم المستحيل عليه لا يدخل تحت إرادته.
ولا يكون لقوله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» (^١) مدلولٌ صحيحٌ؛ لأن ما امتنع عليه إنما لم يقع منه لامتناعه عليه لا لكونه حرَّمه على نفسه، فيكون بمنزلة قول الأعمى: (حرَّمت على نفسي أن أنظر إلى الجبل).
ولا يكون لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] معنىً يُعقَل، فالمستحيل لا يُخاف منه أن يقع؛ لامتناع وقوعه، ويكون هذا نحو قول الأعمى: (أخاف أن أنظر إلى امرأةٍ أجنبيَّةٍ عليَّ) (^٢).
الرابع: أن هؤلاء قد نسبوا إليه الظلم الذي نفاه عن نفسه في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، ونفوا عنه الحكمة التي أثبتها لنفسه في قوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]، وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]؛ وذلك بتجويزهم عليه التسوية بين المطيعين والعصاة، بل بتفضيل العصاة على المطيعين، وأنه يجوز أن يعذِّب المطيعين والمتَّقين، وينعِّم العصاة والمجرمين. وأنه يجوز عليه وضع الشيء
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٧٢).
(٢) انظر: شفاء العليل (٢/ ٧٥٤).
[ ١٢٦ ]
في غير موضعه، وأن كلَّ ذلك عدلٌ منه وليس بظلمٍ في حقِّه، بدعوى أنه متصرِّفٌ في ملكه. فقد كذبوا على الله بنسبتهم له ما نفى عن نفسه من الظلم، ونفيهم عنه ما أثبت لنفسه من الحكمة.