عن ابن عمر ﵄ قال: «جاء رجلٌ إلى أبي بكرٍ، فقال: أرأيت الزنا، بقدرٍ؟ قال: نعم، قال: فإن الله قدَّره عليَّ ثم يعذِّبني؟ قال: نعم يا ابن الخنا، أما والله لو كان عندي إنسانٌ أمرت أن يجأ أنفك» (^١).
وعن أبي عثمان النهديِّ قال: سمعت عمر بن الخطَّاب ﵁ وهو يطوف بالبيت، يقول: «اللهمَّ إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني على الشقوة فامحني منها، وأثبتني في السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمُّ الكتاب» (^٢).
وبلغ عمر ﵁ فقيل له: إن ناسًا يتكلَّمون في القدر، فقام خطيبًا فقال: «يا أيُّها الناس، إنما هلك من كان قبلكم في القدر، والذي نفس عمر بيده،
لا أسمع برجلين تكلَّما فيه إلا ضربت أعناقهما، قال: فأحجم الناس، فما تكلَّم فيه أحدٌ حتى ظهرت نابغة الشام» (^٣).
وعن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ أنه ذُكِر عنده القدر يومًا، فأدخل أصبعيه السبَّابة والوسطى في فيه، فرقم بهما في باطن يده، فقال: «أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أمِّ الكتاب» (^٤).
وعن عليِّ ﵁ قال: «إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى
_________________
(١) أخرجه اللالكائي (٤/ ٧٣٤).
(٢) أخرجه اللالكائي (٤/ ٧٣٥)، البيهقي في القضاء والقدر (ص: ٢١٦).
(٣) أخرجه ابن بطة (٤/ ٣١٠)، واللالكائي (٤/ ٧٣٦).
(٤) أخرجه اللالكائي (٤/ ٧٣٧) والبيهقي في القضاء والقدر (ص: ٣٠٠).
[ ٣٧ ]
يستقرَّ يقينًا غير ظنٍّ أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقرَّ بالقدر كلِّه» (^١).
وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: «أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمَّدٍ، وشرُّ الأمور محدثاتها، فاتَّبعوا ولا تبتدعوا؛ فإن الشقيَّ من شقي في بطن أمِّه، والسعيد من وُعِظ بغيره» (^٢).
وكان ﵁ يدخل إصبعه في فيه، ويقول: «لا والله، لا يطعم رجلٌ طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر، ويقرَّ ويعلم أنه ميِّتٌ مُخْرَجٌ، وأنه مبعوثٌ من بعد الموت» (^٣).
وعن طاوسٍ ﵀ قال: «أشهد أني سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: العجز والكيس بقدرٍ» (^٤).
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: «القدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضًا للتوحيد، ومن وحَّد الله وآمن بالقدر كان العروة الوثقى لا انفصام لها» (^٥).
وعن يحيى بن يعمر قال: قلت لابن عمر ﵄: إنا نسافر فنلقى قومًا يقولون: لا قدر، قال: «إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريءٌ، وهم منه براءٌ، ثلاث مرَّاتٍ» (^٦).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي (٤/ ٧٣٨)، والبيهقي في القضاء والقدر (ص: ٢٩٩).
(٢) أخرجه ابن بطة (٤/ ٣٦)، واللالكائي (٤/ ٧٣٨).
(٣) أخرجه ابن بطة (٤/ ٥٧)، واللالكائي (٤/ ٧٣٩).
(٤) أخرجه الفريابي (ص: ١٩٠)، واللالكائي (٤/ ٧٤١).
(٥) تقدم تخريجه ص (٦).
(٦) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٤٢٠)، واللالكائي (٤/ ٧٤٤).
[ ٣٨ ]
وعن عُبادة بن الصامت ﵁ أنه قال له ابنه عبد الرحمن: أوصني، قال: أجلسوني، فأجلسوه، ثم قال: يا بُنَيَّ اتَّق الله، ولن تتَّقي الله حتى تؤمن بالقدر، ولن تؤمن بالقدر حتى تؤمن بالقدر خيره وشرِّه، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «القدر على هذا، من مات على غير هذا أدخله الله النار» (^١).
وعن الحسن بن عليٍّ ﵄ قال: «قُضِي القضاء، وجفَّ القلم، وأمورٌ بقضاءٍ في كتابٍ قد خلا» (^٢).
وقال عمرو بن العاص ﵁: «انتهى عجبي إلى ثلاثٍ: المرء يفرُّ من القدر وهو لاقيه، ويرى في أعين أخيه القذا فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها، ويكون في دابَّته الصعر ويقوِّمها جهده، ويكون في نفسه الصعر فلا يقومها» (^٣).
وعن أبي الحجَّاج الأزديِّ ﵀ قال: سألت سلمان، ما الإيمان بالقدر؟ فقال: «أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الفريابي (ص: ٧٨)، والآجري (٢/ ٧٩٢)، واللالكائي (٤/ ٧٤٥)، والبيهقي في القضاء والقدر (ص: ٣٠٦).
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٤٠٥)، والفريابي (ص: ٨٨)، وابن بطة (٤/ ٢٣٠)، واللالكائي (٤/ ٧٤٦).
(٣) أخرجه اللالكائي (٤/ ٧٤٧).
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٤٢١)، واللالكائي (٤/ ٧٤٩)، والبيهقي في القضاء والقدر (ص: ٣٠٥).
[ ٣٩ ]
وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: «ما طنَّ ذبابٌ بين اثنين إلا بكتابٍ مقدَّرٍ» (^١).
وعن الحسن البصريِّ ﵀ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: «إن الله قدَّر أجلًا، وقدَّر معه مرضًا، وقدَّر معه معافاةً، فمن كذَّب بالقدر فقد كذَّب بالقرآن، ومن كذَّب بالقرآن فقد كذَّب بالحقِّ» (^٢).
وعن عليِّ بن حسينٍ ﵀ أنه قال: «إن أصحاب القدر حملوا مقدرة الله ﷿ على ضعف رأيهم، فقالوا لله: لم؟ ولا ينبغي أن يقال لله: لم؟» (^٣).
وقال جعفرٌ الصادق ﵀: «الله ﷿ لا يُعصى قهرًا ولا يُطاع قهرًا، فإذا أراد الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت، فإن عذَّب فبحقٍّ، وإن عفا فبالفضل» (^٤).
وقال غيلان لربيعة بن أبي عبد الرحمن ﵀: «يا ربيعة، أنت الذي تزعم أن الله يحبُّ أن يُعصى؟ فقال له ربيعة: ويلك يا غيلان، أنت الذي تزعم أن الله يُعصى قسرا؟» (^٥).
وعن الأوزاعيِّ ﵀ أنه قال: «القدريَّة خصماء الله ﷿ في الأرض» (^٦).
وقال مالك بن أنسٍ ﵀: «ما أضلَّ من يكذِّب القدر! لو لم تكن عليهم
_________________
(١) أخرجه اللالكائي (٤/ ٧٥٣).
(٢) أخرجه اللالكائي (٤/ ٧٥٥).
(٣) أخرجه اللالكائي (٤/ ٧٥٨).
(٤) أخرجه اللالكائي (٤/ ٧٥٩).
(٥) أخرجه ابن بطة (٤/ ٢٦٠)، واللالكائي (٤/ ٧٦٠).
(٦) أخرجه ابن بطة (٤/ ٢٥٥).
[ ٤٠ ]
حجَّةٌ إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، لكفى به حجَّةً» (^١).
وأقوال السلف في إثبات القدر كثيرةٌ مستفيضةٌ في كتب الاعتقاد والسنة، وهي في كثرتها وتنوُّع ألفاظها ودلالاتها تدلُّ على رسوخ الإيمان بالقدر في نفوس السلف ﵃.
_________________
(١) أخرجه ابن بطة (٤/ ٢٥٦).
[ ٤١ ]