* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَالإِيمَانُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهْ، حُلْوِهِ وَمُرِّهْ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قَدَّرَهُ اللهُ رَبُّنَا، وَمَقَادِيرُ الأُمُورِ بِيَدِهْ، وَمَصْدَرُهَا عَنْ قَضَائِهْ):
والإيمانُ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ واجبٌ؛ كَمُلَ علمُ الله، فكَمُلَ تقديرُه؛ قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨].
وعندما سُئِلَ النبيُّ -ﷺ- عن الإيمان، قال: (الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَاِتكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ، وَبِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (٥)، وقال -ﷺ-: (كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ) (٦).
_________________
(١) "السُّنَّة" للخلال (١٩١٣).
(٢) "السُّنَّة" للخلال (١٨٥٩).
(٣) "شرح أصول الاعتقاد" (٣١٧).
(٤) "العرش" (٢١٦)، و"العلو" (٤٦٥)، و"الأربعين في صفات رب العالمين" (١٦).
(٥) مسلم (٨) من حديث عمر.
(٦) مسلم (٢٦٥٥) من حديث ابن عمر.
[ ١٥٦ ]
ولا يَختلِفُ السلفُ أهلُ السُّنَّةِ في ذلكِ؛ كما قاله ابنُ عبد البَرِّ، وغيرُه (١)، وقد كان ابنُ عبَّاس يسمِّي القدَرَ: "نظامَ التوحيدِ" (٢).
وفطرةُ الإنسانِ قاطعةٌ بالإيمانِ بالقدَرِ؛ لأنَّ مِن كمالِ الخالقِ كمالَ عِلْمِه، ومَن كَمُلَ علمُهُ، كَمُلَ تقديرُهُ وتدبيرُهُ لِمَا خلَقَ، وقد كانت العرَبُ حتى في الجاهليَّةِ تُؤمِنُ بالقدَرِ، ولا تكذِّبُهُ؛ وقد قال عَمْرُو بن كُلْثُومٍ:
وَأَنَّا سَوْفَ تُدْرِكُنَا المَنَايَا مُقَدَّرَةً لَنَا وَمُقَدَّرِينَا (٣)
ويقولُ لَبِيدُ بن رَبِيعةَ:
إِنَّ المَنَايَا لَا تَطِيشُ سِهَامُهَا (٤)
ويقولُ عَنْتَرةُ:
يَا عَبْلَ أَيْنَ مِنَ المَنِيَّةِ مَهْرَبِي إِنْ كَانَ رَبِّي فِي السَّمَاءِ قَضَاهَا (٥)
ويقول هانئُ بن مسعودٍ الشَّيْبانيُّ لما خطَبَ في الجاهليَّةِ في يومِ ذي قارٍ: "إِنَّ الحَذَرْ، لَا يُنْجِي مِن القَدَرْ" (٦).
ويُروَى فيه حديثٌ مرفوعٌ: (لا يُغنِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ) (٧)؛ وهذا نظيرُ ما جاء عن ابن عبَّاس: "إذا جاءَ القَدَرْ، حالَ دُونَ البَصَرْ" (٨).
_________________
(١) "الاستذكار" (١٨/ ٢١٠ و٢٦/ ٩٥)، و"شرح النووي" (١/ ١٥٥ و١٦/ ١٩٥ - ١٩٦)، و"فتح الباري" (١١/ ٤٧٨).
(٢) "القدر" للفريابي (٢٠٥)، و"شرح أصول الاعتقاد" (١٢٢٤).
(٣) "شرح القصائد المشهورات" (٢/ ٦١٧)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني (ص ٢١٦)، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي (ص ٢١٩).
(٤) "ديوان لبيد" (ص ١٧١/ دار صادر).
(٥) "ديوان عنترة" (ص ٩٢).
(٦) "أمالي القالي" (١/ ١٦٩).
(٧) "الدعاء" للطبراني (٣٣)، و"المستدرك" للحاكم (١/ ٤٩٢) من حديث عائشة.
(٨) ابن أبي شيبة (٣٢٥١٣)، والحاكم (٢/ ٤٠٥).
[ ١٥٧ ]
وكلُّ مَن صحَّ له العقلُ، آمَنَ أنَّ مَن ثبَتَ له كمالُ العلم، فإنه يثبُتُ له كمالُ التقدير، وهذا الكونُ والخلقُ بنظامِهِ ودِقَّتِهِ وثباتِه، وتلازُمِ أسبابِهِ بمسبَّباتِه، آمادًا لا يُحصِيهَا إلا اللهُ، لا يكونُ إلَّا بتمامِ علمٍ، وإحكامِ خلقٍ، ودِقَّةِ تقدير.
وقد جعَلَ اللهُ ذلك الخلقَ متلازِمًا مع العلمِ والتقدير؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا كان لله كمالُ العلمِ والقُدْرةِ، فذلك يُثبِتُ له التقديرَ؛ لأنه لا يقدِّرُ إلا عالمٌ قادر، ومَن نفى التقديرَ، فيُلزَمُ بنفيِ العلمِ والقُدْرةِ؛ فالقادرُ على خلقِ الأشياءِ هو الأعلَمُ بها؛ قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]؛ والعالِمُ والقادِرُ هو المقدِّرُ لها أفعالَها، والمدبِّرُ لها أرزاقَها، ونظامَ حَيَاتِها؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣].
وقد كان غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ؛ كأحمدَ، يسمِّي القدَرَ: "قُدْرةَ اللهِ" (١).
وكان مالكٌ يشدِّدُ على مُنكِري القدَر، ويرى أنَّهم يُستتابُونَ: فإنْ تابوا، وإلا قُتِلُوا، وكان لا يَرَى الصلاةَ خَلْفَهم، ولا يَرَى تزويجَهم؛ ويستدِلُّ بقولِهِ تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١].