_________________
(١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف ﵀ بين فيه الأدلة على بطلان الشرك وبيان حال المدعون من دون الله، وفي ذلك تقريرٌ للتوحيد بالبراهين القاطعة. أيشركون: استفهام إنكار وتوبيخ على من يشرك في العبادة مع الله. ما لا يخلق شيئًا: أي مخلوقات لا تقدر على الخلق وليس فيها ما تستحق به العبادة. وهم يُخلقون: أي وهؤلاء المعبودون مخلوقون محدثون والمخلوق لا يكون شريكان للخالق. ولا يستطيعون لهم نصرًا: أي وهؤلاء المعبودون لا يقدرون على نصر عابديهم. ولا أنفسهم ينصرون: أي ولا يقدرون على أن يدفعوا عن أنفسهم من أراد بهم ضرًا فكيف يدفعونه عن غيرهم. المعنى الإجمالي للآية: يوبخ الله ﷾ المشركين بأنهم يعبدون معه معبودات لا تخلِق شيئًا وليس فيها ما تستحق العبادة به ولا تدفع
[ ١٢٣ ]
الضر عمن دعاها، بل ولا تدفعه عن أنفسها وإذا كانت هذه حالتهم بطلت دعوتهم؛ لأن المخلوق لا يكون شريكًا للخالق، والعاجز لا يكون شريكًا للقادر الذي لا يعجزه شيءٌ.
ما يستفاد من الآية:
١- بطلان الشرك من أساسه؛ لأنه تعلق على مخلوق عاجز.
٢- أن الخالق هو المستحق للعبادة.
٣- الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية.
٤- مشروعية محاجة المشركين لنصر الحق وقمع الباطل.
* * *
[ ١٢٤ ]
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ١٣ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣،١٤] .
_________________
(١) والذين تدعون من دونه: أي الذين تدعونهم غيرَ الله: من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها. قطمير: القطمير هو اللفافة التي تكون على نواة التمر. لا يسمعوا دعاءكم: لأنهم أموات أو ملائكة مشغولون بما خلقوا له. ما استجابوا لكم: لا يقدرون على ما تطلبون منهم. يكفرون بشرككم: ينكرونه ويتبرؤون ممن أشرك بهم مع الله. ولا ينبِئك: يخبرك بعواقب الأمور ومآلها. مثل خبير: عالمٌ بها وهو الله ﷾. المعنى الإجمالي للآية: يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الشروط التي لا بد أن تكون في المدعو، وهي: ملك ما طُلب منه، وسماع الدعاء، والقدرة على استجابته. فمتى عُدم شرطٌ بطُل أن يكون مدعوًا فكيف إذا عُدمت كلها. مناسبة الآية للباب: أن فيها البرهان القاطع على بطلان الشرك والرد على المشركين.
[ ١٢٥ ]
ما يستفاد من الآية:
١- بطلان الشرك بالدليل القاطع والبرهان الواضح.
٢- بيان الشروط التي يجب توافرها في المدعو المستغاث به وهي:
أ - ملكه لما طُلب منه.
ب - سماعه لدعاء من دعاه.
ج- القدرة على إجابته.
٣- أن العقيدة مبناها على البرهان واليقين لا على الظن والتخرص والتقليد الأعمى.
٤- إثبات علم الله بعواقب الأمور.
* * *
[ ١٢٦ ]
وفي "الصحيح" عن أنس -﵁- قال: شُجَّ النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم" فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) [آل عمران: ١٢٨] .
ــ
في الصحيح: أي في الصحيحين.
شُجّ: الشجة الجرح في الرأس والوجه خاصة.
أحد: جبل معروف شمالي المدينة كانت عنده الوقعة المشهورة فنُسبت إليه.
الرباعية: هي السن التي بعد الثنية. والإنسان له أربع رباعيات.
كيف يفلح قومٌ.. إلخ: أي كيف يحصل لهم الفوزُ والظفرُ والسعادة مع فعلهم هذا بنبيهم.
من الأمر: من الحكم في العباد.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر أنسٌ عما حصل للنبي -ﷺ- في وقعة أحد من الابتلاء والامتحان على أيدي أعدائه من الإصابة في موضعين من جسده الشريف فكأنه -ﷺ- لحقه يأسٌ من فلاح كفار قريش. فقيل له بسبب ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] .
أي: عواقبُ الأمور وحكم العباد بيد الله فامض أنت لشأنك ودُم على دعوتك.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه دليلًا على بطلان الشرك بالأولياء
_________________
(١) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب المغازي باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ص ٧٧٢ ط بيت الأفكار الدولية.
[ ١٢٧ ]
والصالحين، لأنه إذا كان الرسول -ﷺ- لم يدفع عن نفسه الضر، وليس له من الأمر شيءٌ، فغير من باب أولى.
ما يستفاد من الحديث:
١- بطلان الشرك بالأولياء والصالحين؛ لأنه إذا كان النبي -ﷺ- لا يملك من الأمر شيئًا فغيره من باب أولى.
٢- وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٣- وجوب إخلاص العبادة لله، لأنه هو الذي له الأمر وحده.
٤- مشروعية الصبر وتحمل الأذى والضرر في سبيل الدعوة إلى الله.
٥- النهي عن اليأس من رحمة الله ولو فعل الإنسان ما فعل من المعاصي التي هي دون الشرك.
* * *
[ ١٢٨ ]
وفيه عن ابن عمر -﵄- أنه سمع رسول الله - ﷺ- يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد". فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) [آل عمران: ١٢٨] .
وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية وسُهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢) [آل عمران: ١٢٨] .
ــ
ابن عمر: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ صحابي جليل من عبّاد الصحابة وعلمائهم مات سنة ٧٣هـ.
وفيه: أي في الصحيح والمراد به صحيح البخاري.
أنه سمع رسول الله: أي بعدما شُج وكسرت رباعيّته يوم أحد.
اللهم العن: أي اطرد وأبعد من رحمتك.
فلانًا وفلانًا: منهم صفوان بن أمية، وسُهيل بن عمرو، والحارثُ ابن هشام.
سمع الله لمن حمده: أجاب الله من حمده وتقبّله. لأنه قد عُدِّي باللام.
الحمد: ضد الذم، ويكون على محاسن المحمود مع المحبة له.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٤٠٦٩".
(٢) أخرجه البخاري برقم "٤٠٧٠".
[ ١٢٩ ]
يدعو على صفوان إلخ: لأنهم رؤوس المشركين يوم أحد، وقد تاب الله عليهم فأسلموا وحسن إسلامهم.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر عبد الله بن عمَر ﵄ أنه سمع رسول الله –ﷺ- يدعو في الصلاة على أشخاص معينين من الكفار آذوه يوم أحد فعاتبه الله بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] . وتاب الله عليهم، فآمنوا بالله ورسوله.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان أن النبي – ﷺ- لم يقدر أن يدفع أذى المشركين عن نفسه ولا عن أصحابه، بل لجأ إلى ربه القادر المالك، مما يدل على بطلان ما يعتقده عبّاد القبور في الأولياء والصالحين.
ما يستفاد من الحديث:
١- بطلان التعلق بالأولياء والصالحين لطلب قضاء الحاجات وتفريج الكربات.
٢- جواز الدعاء على المشركين في الصلاة.
٣- دليلٌ على أن تسمية الشخص المدعو له أو عليه لا يضر الصلاة.
٤- التصريح بأن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد.
* * *
[ ١٣٠ ]
وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله - ﷺ- حين أنزل الله عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .
فقال: "يا معشر قريش - أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا" (١) .
ــ
أبو هريرة: قيل: الصحيح أن اسمه عبد الرحمن بن صخر، دوسيّ من فضلاء الصحابة وحفّاظهم وعلمائهم. روى أكثر من خمسة آلاف حديث، توفي سنة سبع أو ثمانٍ أو تسعٍ وخمسين للهجرة.
وفيه: أي في صحيح البخاري.
قام: أي صعد على الصفا.
عشيرتك: عشيرةُ الرجل هم بنو أبيه الأدنون، أو قبيلته.
الأقربين: أي الأقرب فالأقرب منهم.
يا معشر: المعشرُ: الجماعة.
أو كلمة: بنصبِ "كلمةٍ" عطفٌ على ما قبله. أي: أو قال كلمةً نحوها شكٌّ من الراوي.
اشتروا أنفسكم: أي خلِّصوها من العذاب بتوحيد الله وطاعته، ولا تعتمدوا على شرف النسب.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٢٧٥٣" ومسلم برقم "٢٠٦" والترمذي برقم "٣١٨٤".
[ ١٣١ ]
لا أغني عنكم من الله: لا أدفع عنكم عذاب الله، رفعٌ لما قد يتوهم أنه يغني عنهم من الله شيئًا بشفاعته.
عباسُ، وصفيةُ، وفاطمةُ: بالرفع على البناء، ويجوز النصب بالنداء. وابنَ، وعمةَ، وبنتَ: بالنصب لا غير بدلًا من المنادي أو عطف بيان.
سليني من مالي: لأن هذا هو الذي يقدر عليه وما كان من أمر الله فلا قدرة له عليه.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر أبو هريرة -﵁- عمّا صنع رسول الله -ﷺ- حينما أمره الله في كتابه الكريم أن ينذر قرابته؛ أنه قام ممتثلًا أمر ربه، فنادى قريشًا ببطونها ونادى عمه وعمته وبنته، فأنذرهم نذارة خاصة وأمرهم أن يخلِّصوا أنفسهم من عذاب الله بتوحيده وطاعته وبلغهم أنه لا يدفع عنهم من عذاب الله شيئًا إذا لم يؤمنوا فمجرد قربهم منه غير نافع لهم بدون إيمان.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه أنه لا يجوز أن يطلب من الرسول ولا من غيره من باب أولى إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا. وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يُطلب إلا من الله، ففيه الرد على عبّاد القبور الذين يستغيثون بالأموات لتفريج الكربات وقضاء الحاجات.
ما يستفاد من الحديث:
١- الرد على عبّاد الأنبياء والصالحين الذين يتعلقون بالمخلوقين في قضاء حوائجهم التي لا يقدر عليها إلا الله.
٢- أنه لا يجوز أن يطلب العبد إلا ما يقدر عليه.
٣- مسارعة النبي - ﷺ- إلى امتثال أمر ربه وتبليغ رسالته.
[ ١٣٢ ]
٤- أنه لا ينجي من عذاب الله إلا الإيمان والعمل الصالح لا الاعتماد على مجرد الانتساب للأشخاص.
٥- إن أولى الناس برسول الله – ﷺ- أهل طاعته ومتابعته من قرابته وغيرهم.
٦- أن مجرد القرابة من الرسول – ﷺ- لا ينفع بدون إيمان وعمل صالح وعقيدة صحيحة.
* * *
[ ١٣٣ ]