في الصحيح عن عائشة: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله - ﷺ- كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (١) .
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين، فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: هي بيان أن عبادة الله عند القبر وسيلةٌ إلى الشرك المنافي للتوحيد.
ترجمة أم سلمة: هي أم المؤمنين هند بنت أمية المخزومية القرشية ماتت سنة ٦٢هـ ﵂.
ذكرتْ للنبي -ﷺ-: أي: في مرض موته.
كنيسة: بفتح الكاف وكسر النون: معبد النصارى.
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٤٢٧" ومسلم برقم "٥٢٨" وأحمد "٦/٥١".
[ ١٦٨ ]
أولئك؛ بفتح الكاف وكسرها.
الرجل الصالح أو العبد الصالح: هذا –والله أعلم- شكٌّ من الراوي.
تلك الصور: أي: التي ذكرتْ أم سلمة.
فهؤلاء إلخ: هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ذكره المصنف كالتوضيح لمعنى الحديث.
المعنى الإجمالي للحديث: أن أمّ سلمة وصفت عند النبي –ﷺ- وهو في مرض الموت –ما شاهدته في معبد النصارى من صور الآدميّين. فبين –ﷺ- السبب الذي من أجله اتخذوا هذه الصور؛ وهو الغلو في تعظيم الصالحين؛ مما أدى بهم إلى بناء المساجد على قبورهم ونصب صورهم فيها، ثم بيّن حكم من فعل ذلك بأنهم شرار الناس؛ لأنهم جمعوا بين محذورين في هذا الصنيع هما: فتنة القبور باتخاذها مساجد، وفتنة تعظيم التماثيل مما يؤدي إلى الشرك.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه الدلالة الواضحة على المنع من عبادة الله عند قبور الصالحين واتخاذها مساجد؛ لأن ذلك من فعل النصارى ومن فَعَله فهو من شرار الخلق.
ما يستفاد من الحديث:
١- المنع من عبادة الله عند قبور الصالحين؛ لأنه وسيلة إلى الشرك وهو من فعل النصارى.
٢- التحدث عما يفعله الكفار –ليحذره المسلمون.
٣- التحذير من التصوير ونصب الصور؛ لأن ذلك وسيلةٌ إلى الشرك.
٤- أن من بنى مسجدًا عند قبر رجل صالح فهو من شرار الخلق وإن حسنت نيته.
[ ١٦٩ ]
ولهما عنها قالت: "لما نُزل برسول الله - ﷺ- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجدًا (١) . أخرجاه.
ــ
ولهما: أي: البخاري ومسلم، وهو يغني عن قوله في آخره: أخرجاه، فلعله سبق قلم.
عنها: أي: عائشة –﵂-.
لما نُزل: بضم النون وكسر الزاي أي: نزل به ملك الموت.
طفق: بكسر الفاء وفتحها أي: جعل.
خميصة: كساءٌ له أعلام أي: خطوط.
اغتم بها: أي: غمّته فاحتبس نفسُه عن الخروج.
كشفها: أي: أزالها عن وجهه الشريف.
فقال وهو كذلك: أي: في هذه الحالة الحرجة يقاسي شدة النزع.
يحذّر ما صنعوا: أي: لعنهم تحذيرًا لأمته أن تصنع ما صنعوا.
ولولا ذلك: أي: لولا تحذير النبي –ﷺ- مما صنعوا ولعنُه من فعَله.
لأُبرز قبرُه: أي: لدُفن خارج بيته.
خَشي: يُروى بفتح الخاء بالبناء للفاعل فيكون المعنى: أنّ
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٤٣٥" ومسلم برقم "٥٣١".
[ ١٧٠ ]
الرسول –ﷺ- هو الذي أمرهم بعدم إبراز قبره. ويُروى بضم الخاء بالبناء للمفعول فيكون المعنى: أن الصحابة هم الذين خشوا ذلك فلم يُبرزوا قبره.
المعنى الإجمالي للحديث: أن النبي –ﷺ- حرصًا منه على حماية التوحيد وتجنيب الأمة ما وقعت فيه الأمم الضالة من الغلو في قبور أنبيائهم حتى آل ذلك بهم إلى الشرك جعل –ﷺ- وهو في سياق الموت ومقاساة شدة النزع- يحذر أمته أن لا يغلو في قبره فيتخذوه مسجدًا يصلون عنده؛ كما فعلت اليهود والنصارى ذلك مع قبور أنبيائهم، فصلى الله عليه لقد بلّغ البلاغ المبين.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه المنع من عبادة الله عند قبور الأنبياء واتخاذها مساجد؛ لأنه يُفضي إلى الشرك بالله.
ما يستفاد من الحديث:
١- المنع من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يُصلى فيها لله، لأن ذلك وسيلة إلى الشرك.
٢- شدة اهتمام الرسول –ﷺ- واعتنائه بالتوحيد وخوفِه أن يعظّم قبره، لأن ذلك يفضي إلى الشرك.
٣- جواز لعن اليهود والنصارى ومن فعل مثل فعلهم من البناء على القبور واتخاذها مساجد.
٤- بيان الحكمة من دفن النبي –ﷺ- في بيته، وأن ذلك لمنع الافتتان به.
٥- أن النبي –ﷺ- بشرٌ يَجري عليه ما يجري على البشر من الموت وشدة النزع.
* * *
[ ١٧١ ]
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي - ﷺ- قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا. ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" (١) .
ــ
التراجم:
١- جندب هو: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي صحابيٌّ مشهور، مات بعد الستين –﵁-.
٢- أبا بكر هو؛ أبو بكرٍ الصديق: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب التيمي خليفة رسول الله –ﷺ- وأفضل الصحابة بالإجماع، مات سنة ١٣ وله ٦٣ سنة ﵁.
بخمس: أي: خمس ليال. وقيل: خمس سنين.
إني أبرأ: أي: أمتنع وأنكر.
خليلًا؛ الخليل هو: المحبوب غاية الحب.
ألا: حرف استفتاح وتنبيه.
من كان قبلكم: يعني: اليهود والنصارى.
يتخذون قبور أنبيائهم مساجد: بالصلاة عندها وإليها، وبناءِ
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم "٥٣٢".
[ ١٧٢ ]
المساجد والقباب عليها.
المعنى الإجمالي للحديث: يتحدث –ﷺ- قبيل وفاته إلى أمته بحديث مهمّ، فيخبر عن مكانته عند الله، وأنها بلغت أعلى درجات المحبة؛ كما نالها إبراهيم ﵇، ولذلك نفى أن يكون له خليلٌ غير الله؛ لأن قلبه امتلأ من محبته وتعظيمه ومعرفته؛ فلا يتسع لأحد. ولو كان له خليلٌ من الخلق لكان أبا بكر الصديق، وهو إشارةٌ إلى فضل أبي بكر واستخلافه من بعده. ثم أخبر عن غلو اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم حتى صيّروها متعبدات شركية، ونهى أمته أن يفعلوا مثل فعلهم.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن اتخاذ القبور أمكنة للعبادة؛ لأنه وسيلة إلى الشرك. كما تفعل اليهود والنصارى وغيرهم من أهل البدع.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهي عن اتخاذ القبور أمكنة للعبادة يُصلى عندها أو إليها ويُبنى عليها مساجد أو قبابٌ، حذرًا من الوقوع في الشرك بسبب ذلك.
٢- سد الذرائع المفضية إلى الشرك.
٣- إثبات المحبة لله سبحانه على ما يليق بجلاله.
٤- فضل الخليلين: محمد وإبراهيم ﵉.
٥- فضل أبي بكر الصديق، وأنه أفضل الأمة على الإطلاق.
٦- أنه دليل على خلافة أبي بكر الصديق.
* * *
[ ١٧٣ ]
فقد نهى عنه وهو في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق مَن فَعَلَه. والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبْنَ مسجد. وهو معنى قولِها: خشي أن يتخذ مسجدًا. فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا.
وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال - ﷺ-: "جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (١) .
ــ
هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، يوضح به ما تدل عليه الأحاديث السابقة في الباب.
توضيح كلام ابن تيمية:
فقوله: "فقد نهى عنه في آخر حياته": كما في حديث جندب.
وقوله: "ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله": كما في حديث عائشة.
وقوله: "والصلاة عندها من ذلك" أي: من اتخاذها مساجد.
وقوله: "وإن لم يُبن مسجدٌ" أي: الصلاة عند القبور من اتخاذها مساجد الملعون من فعله ولو بدون بناء مساجد.
وقوله: "وهو معنى قولِها: خَشي أن يُتخذ مسجدًا" أي: معنى قول عائشة في تعليل دفن النبي –ﷺ- في بيته وعدم إبراز قبره.
وقوله: "فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا" أي:
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم "٣٣٥" ومسلم برقم "٥٢١".
[ ١٧٤ ]
لما علموا من تشديده –ﷺ- في ذلك وتغليظه ولعنِ من فعله فيكون المقصود النهي عن الصلاة عندها.
وقوله: "وكل موضع قُصدت الصلاة فيه فقد اتُخذ مسجدًا"؛ لكونه أُعد للصلاة وإن لم يُبن.
وقوله: "بل كل موضع يُصلى فيه يسمى مسجدًا" أي: وإن لم يقصد بذلك بخصوصه، بل أوقعت فيه الصلاة عرضًا لما حان وقتها فيه.
وقوله: كما قال النبي –ﷺ-: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" أراد به الاستدلال للجملة التي قبله، حيث سمى –ﷺ- في هذا الحديث الأرض مسجدًا، تجوز الصلاة في كل بقعة منها إلا ما استثناه الدليل.
* * *
[ ١٧٥ ]
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود –﵁- مرفوعًا: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" (١) ورواه أبو حاتم في صحيحه.
ــ
شرار الناس: بكسر الشين جمع شرّ، أفعل تفضيل.
من تدركهم الساعة: أي: مقدماتها: كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها.
يتخذون القبور مساجد: أي: بالصلاة عندها وإليها.
المعنى الإجمالي للحديث: يخبر –ﷺ- عمن تقوم الساعة عليهم وهم أحياءٌ أنهم شرار الناس، ومنهم الذين يصلون عند القبور وإليها ويبنون عليها القباب، وهذا تحذيرٌ لأمته أن تفعل مع قبور نبيهم وصالحيهم مثل فعل هؤلاء الأشرار.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه التحذير من اتخاذ القبور مساجد، يُصلى في ساحتها ويُتبرك بها؛ لأنه ذريعةٌ إلى الشرك.
ما يستفاد من الحديث:
١- التحذير عن الصلاة عند القبور، لأنه وسيلةٌ إلى الشرك.
٢- أن من اتخذ قبور الصالحين مساجد للصلاة فيها فهو من شرار الخلق، وإن كان قصده التقرب إلى الله.
٣- أن الساعة تقوم على شرار الناس.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده "١/٤٣٥"، وصححه ابن حبان في صحيحه برقم "٣٤٠".
[ ١٧٦ ]
٤- التحذير عن الشرك ووسائله وما يقرب إليه، مهما كان قصد صاحب تلك الوسائل.
* * *
[ ١٧٧ ]