في السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب وفيها إشارة إلى مناهج الحساب:
لما كان مبنى الحساب على الحصر والاختصار، وكان غرضي من تأليف هذا الكتاب حصر المذاهب مع الاختصار؛ اخترت طريق الاستيفاء ترتيبا، وقدرت أغراضي على مناهجه تقسيما وتبويبا. وأردت أن أبين كيفية طرق هذا العلم وكمية أقسامه؛ لئلا يظن بي أني من حيث أنا فقيه ومتكلم، أجنبي النظر في مسالكه ومراسمه، أعجمي القلم بمداركه ومعالمه، فآثرت من طرق الحساب أحكامها وأحسنها، وأقمت عليه من حجج البرهان أوضحها وامتنها، وقدرتها على علم العدد، وكان الواضع الأول منه استمداد المدد، فأقول: مراتب الحساب تبتدئ من واحد، وتنتهي إلى سبع، ولا تجاوزها ألبتة.
المرتبة الأولى: صدر الحساب وهو الموصوع الأول الذي يرد عليه التقسيم الأول، وهو فرد لا زوج له باعتبار، وجملة يقبل التقسيم والتفصيل باعتبار، فمن حيث إنه فرد فهو لا يستدعي أختا تساويه في الصورة والمدة، ومن حيث هو جملة فهو قابل للتفصيل حتى ينقسم إلى قسمين، وصورة المدة يجب أن تكون من الطرف إلى الطرف، ويكتب تحتها حشوا، مجملات التفاصيل، ومرسلات التقدير والتقرير، والنقل والتحويل، وكليات وجوه المجموع، وحكايات الإلحاق والموضوع، ويكتب تحتها بارزا من الطرف الأيسر كميات مبالغ المجموع.
المرتبة الثانية منها: الأصل، وشكلها محقق، وهو التقسيم الأول الذي ورد على المجموع الأول، وهو زوج ليس بفرد. ويجب حصره في قسمين لا يعدوان إلى ثالث.
[ ١ / ٣٢ ]
وصورة المدة يجب أن تكون أقصر من الصدر بقليل، إذ الجزء أقل من الكل. ويكتب تحتها حشوا ما يخصها من التوجيه، والتنويع، والتفصيل، ولها أخت تساويها في المدة وإن لم يجب أن تساويها في المقدار.
المرتبة الثالثة من ذلك: الأصل، وشكله محقق أيضا، وهو التقسيم الثاني الذي ورد على الموضوع الأول والثاني. وذلك لا يجوز أن ينقص عن قسمين. ولا يجوز أن يزيد على أربعة أقسام، ومن جاوز من أهل الصنعة فقد أخطأ، وما علم وضع الحساب. وسنذكر السبب فيه. وصورته ومدته أقصر من مدة منها الأصل بقليل، وكذلك يكتب تحتها ما يليق بها حشوا وبارزا.
المرتبة الرابعة منها: المطموس. وشكلها هكذا "ط" وذكل يجوز أن يجاوز الأربعة، وأحسن الطرق أن يقتصر على الأقل ومدتها أقصر مما مضى.
المرتبة الخامسة من ذلك: الصغير، وشكله هكذا "ص" وذلك يجوز إلى حيث ينتهي التقسيم والتبويب، والمدة أقصر مما مضى.
المرتبة السادسة منها: المعوج، وشكله هكذا "،" وذلك أيضا يجوز غلى حيث ينتهي التفصيل.
المرتبة السابعة، من ذلك: المعقد، وشكله هكذا "للـ" ولكن يمد من الطرف إلى الطرف، لا على أنه صدر الحساب، بل من حيث إنه النهاية التي تشاكل البداية.
[ ١ / ٣٣ ]
فهذه كيفية صور الحساب نقشا، وكمية أبوابها جملة، ولكل قسم من الأبواب أخت تقابله، وزوج يساويه في المدة ولا يجوز إغفال ذلك بحال، والحساب تاريخ وتوجيه.
والآن نذكر كمية هذه الصور، وانحصار الأقسام في سبع، ولم صار العدد الأول فردا لا زوج له في الصورة؟ ولم انحصر منها الأصل في قسمين لا يعدوان إلى ثالث؟ ولم انحصر من ذلك الأصل في اربعة أقسام؟ ولم خرجت الأقسام الأخر عن الحصر؟
فأقول: إن العقلاء الذين تكلموا في علم العدد والحساب اختلفوا في الواحد: أهو من العدد، أم هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد؟ وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراك لفظ الواحد. فالواحد يطلق ويراد به ما يتركب منه العدد؛ فإن الاثنين لا معنى لها إلا واحد مكرر أول تكرير، وكذلك الثلاثة والأربعة، ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد، أي هو علته ولا يدخل في العدد، أي لا يتركب منه العدد، وقد تلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد تركب منها، بل كل موجود فهو في جنسه أو نوعه، أو شخصه واحد. يقال: إنسان واحد، وشخص واحد، وفي العدد كذلك، فإن الثلاثة في أنها ثلاثة واحدة. فالواحدية بالمعنى الأول داخلة في العدد، وبالمعنى الثاني علة للعدد، وبالمعنى الثالث ملازمة للعدد، وليس من الأقسام الثلاثة قسم يطلق على الباري تعالى معناه، فهو واحد لا كالآحاد: أي هذه الوحدات، والكثرة منه وجدت، ويستحيل عليه الانقسام بوجه من وجوه القسمة.
وأكثر أصحاب العدد على أن الواحد لا يدخل في العدد، فالعدد مصدره الأول اثنان، وهو ينقسم إلى زوج وفرد. فالفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة، وما وراء الأربعة فهو مكرر كالخمسة فإنها مركبة من عدد وفرد، وتسمى العدد الدائر؛ والستة مركبة من فردين وتسمى العدد التام، والسبعة مركبة من فرد وزوج، وتسمى العدد الكامل؛ والثمانية مركبة من زوجين وهي بداية أخرى، وليس ذلك من غرضنا.
[ ١ / ٣٤ ]
فصدر الحساب في مقابة الواحد الذي هو علة العدد، وليس يدخل فيه. ولذلك هو فرد لا أخت له. ولما كان العدد مصدره من اثنين، صار منها المحقق محصورا في قسمين. ولما كان العدد منقسما إلى فرد وزوج، صار من ذلك الأصل محصورا في أربعة. فإن الفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة وهي النهاية، وما عداها مركب منها فكان البسائط العامة الكلية في العدد: واحد، واثنان، وثلاثة، وأربعة وهي الكمال. وما زاد عليها فمركبات كلها ولا حصر لها، فلذلك لا تنحصر الأبواب الأخر في عدد معلوم، بل تتناهي بما ينتهي به الحساب، ثم تركيب العدد على المعدود، وتقدير البسيط على المركب فمن علم آخر. وسنذكر ذلك عند ذكرنا مذاهب قدماء الفلاسفة.
فإذا نجزت المقدمات على أوفى تقرير وأحسن تحرير، شرعنا في ذكر مقالات أهل العالم من لدن آدم ﵇ إلى يومنا هذا، لعله لا يشذ من أقسامها مذهب.
ونكتب تحت كل باب وقسم ما يليق به ذكرا، حتى يعرف لم وضع ذلك اللفظ لذلك الباب. ونكتب تحت ذكر الفرقة المذكورة ما يعم أصنافها مذهبا واعتقادا، وتحت كل صنف ما خصه وانفرد به عن أصحابه.
ونستوفي أقسام الفرق الإسلامية ثلاثا وسبعين فرقة، ونقتصر في أقسام الفرق الخارجية عن الملة الحنيفية على ما هو أشهر وأعرف أصلا وقاعدة، فنقدم ما هو أولى بالتقديم، ونؤخر ما هو أجدر بالتأخير.
وشرط الصناعة الحسابية أن يكتب بإزاء المحدود من الخطوط ما يكتب حشوا، وشرط الصناعة الكتابية أن تترك الحواشي على الرسم المعهود عفوا. فراعيت شرط الصناعتين، ومددت الأبواب على شرط الحساب، وتركت الحواشي على رسم الكتاب، وبالله أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١ / ٣٥ ]
مذاهب أهل العلم من أرباب الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل:
من الفرق الإسلامية وغيرهم ممن له كتاب منزل محقق، مثل: اليهود، والنصارى، وممن له شبهة كتاب مثل: المجوس والمانوية، وممن له حدود وأحكام دون كتاب مثل: الفلاسفة الأولى، والدهرية، وعبدة الكواكب والأوثان، والبراهمة. نذكر أربابها وأصحابها، وننقل مآخذها ومصادرها عن كتب طائفة طائفة؛ على موجب اصطلاحاتها بعد الوقوف على مناهجها، والفحص الشديد عن مبادئها وعواقبها.
ثم إن التقسيم الصحيح الدائر بين النفي والإثبات هو قولنا: إن أهل العالم انقسموا من حيث المذاهب إلى: أهل الديانات، وإلى أهل الأهواء. فإن الإنسان إذا اعتقد عقدا، أو قال قولا، فإما أن يكون فيه مستفيدا من غيره، وإما مستبدا برايه. فالمستفيد من غيره مسلم مطيع، والدين هو الطاعة، والمسلم المطيع هو المتدين، والمستبد برأيه محدث مبتدع؛ وفي الخبر عن النبي ﵇: "ما شقي امرؤ عن مشورة، ولا سعد باستبداد برأي" وربما يكون المستفيد من غيره مقلدا قد وجد مذهبا اتفاقيا، بأن كان أبواه أو معلمه على اعتقاد باطل فيتقلده منه دون أن يتفكر في حقه وباطله، وصواب القول فيه وخطئه؛ فحينئذ لا يكون مستفيدا، لأنه ما حصل على فائدة وعلم، ولا اتبع الأستاذ على بصيرة ويقين: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١ شرط عظيم فليعتبر.
وربما يكون المستبد برأيه مستنبطا مما استفاده على شرط أن يعلم موضع الاستنباط.
_________________
(١) ١ الزخرف آية ٨٦.
[ ١ / ٣٦ ]
وكيفيته، فحينئذ لا يكون مستبدا حقيقة، لأنه حصل العلم بقوة تلك الفائدة: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ١ ركن عظيم، فلا تغفل.
فالمستبدون بالرأي مطلقًا هم المنكرون للنبوات مثل الفلاسفة، والصابئة، والبراهمة، وهم لا يقولون بشرائع وأحكام أمرية، بل يضعون حدودًا عقلية حتى يمكنهم التعايش عليها.
والمستفيدون هم القائلون بالنبوات.
ومن كان قال بالأحكام الشرعية فقد قال بالحدود العقلية، ولا ينعكس.
_________________
(١) ١ النساء آية ٨٣.
[ ١ / ٣٧ ]