في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية، وكيفية انشعابها، ومن مصدرها، ومن مظهرها:
وكما قررنا أن الشبهات التي وقعت في آخر الزمان هي بعينها تلك الشبهات التي وقعت في أول الزمان، كذلك يمكن أن نقرر في زمان كل نبي ودور صاحب كل ملة وشريعة: أن شبهات أمته في آخر زمانه؛ ناشئة من شبهات خصماء أول زمانه من الكفار والملحدين وأكثرها من المنافقين. وإن خفي علينا ذلك في الأمم السالفة لتمادى الزمان، فلم يخف في هذه الأمة أن شبهاتها نشأت كلها من شبهات منافقي زمن النبي ﵇، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى، وسألوا عما منعوا من الخوض فيه، والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه.
اعتبر حديث ذي الخويصرة التميمي إذ قال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، حتى قال ﵊: "إن لم أعدل فمن يعدل؟ " فعاود اللعين وقال:
[ ١ / ١٩ ]
"هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى". وذلك خروج صريح على النبي ﵊، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا، فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجيا. أو ليس ذلك قولا بتحسين العقل وتقبيحه؟ وحكما بالهوى في مقابلة النص، واستكبارا على الأمر بقياس العقل؟ حتى قال ﵊: "سيخرج من ضئضئ ١ هذا الرجل قوم يمرقون ٢ من الدين كما يمرق السهم من الرمية " الخبر بتمامه.
واعتبر حال طائفة أخرى من المنافقين يوم أحد إذ قالوا: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ وقولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٤ وقولهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ٥ فهل ذلك إلا تصريح بالقدر؟ وقول طائفة من المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٦ وقول طائفة: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ ٧ فهل هذا إلا تصريح بالجبر؟
واعتبر حال طائفة أخرى حيث جادلوا في ذات الله، تفكرا في جلاله، وتصرفا في أفعاله حتى منعهم وخوفهم بقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ ٨ فهذا ما كان في زمانه ﵊ وهو على شوكته وقوته وصحة بدنه. والمنافقون يخادعون فيظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وإنما يظهر نفاقهم بالاعتراض في كل وقت على حركاته وسكناته، فصارت الاعتراضات كالبذور، وظهرت منها الشبهات كالزروع.
وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه ﵊ وبعد وفاته بين الصحابة ﵃، فهي اختلافات اجتهادية كما قيل، كان غرضهم منها إقامة مراسم الشرع، وإدامة مناهج الدين.
_________________
(١) ١ الضئضئ: الجنس، والأصل، والمحتد، يقال: فلان من ضئضئ صدق: أي من محتد صدق. ٢ يمرق من الدين: يخرج منه. ٣، ٤، ٥ آل عمران آية ١٥٤، ١٥٦. ٦ النحل آية ٣٥. ٧ يس آية ٤٧. ٨ الرعد آية ١٣، ومعنى المحال القوة والأخذ.
[ ١ / ٢٠ ]
فأول تنازع وقع في مرضه ﵊ فيما رواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس ﵁، قال: "لما اشتد بالنبي ﷺ مرضه الذي مات فيه قال: "ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي" فقال عمر ﵁: "إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله" وكثر اللغط١، فقال النبي ﷺ: "قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع" قال ابن عباس: "الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله ﷺ".
الخلاف الثاني: في مرضه أنه قال: "جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه" فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة. وقال قوم: قد اشتد مرض النبي ﵊ فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره.
وإنما أوردت هذين التنازعين، لأن المخالفين ربما عدوا ذلك من الخلافات المؤثرة في أمر الدين، وليس كذلك. وإنما كان الغرض كله: إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب، وتسكين نائرة٢ الفتنة المؤثرة عند تقلب الأمور.
الخلاف الثالث: في موته ﵇، قال عمر بن الخطاب: من قال: إن محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا؛ وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى ﵇، وقال أبو بكر بن أبي قحافة ﵁: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد إله
_________________
(١) ١ اللغط: الصوت المبهم والجلبة. ٢ نائرة الفتنة: نأرت في الناس نائرة، هاجت هائجة.
[ ١ / ٢١ ]
محمد فإن إله محمد حي لم يمت ولن يموت، وقرأ قول الله ﷾: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ١ فرجع القوم إلى قوله؛ وقال عمر ﵁: "كأني ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر".
الخلاف الرابع: في موضع دفنه ﵇، أراد أهل مكة من المهاجرين رده إلى مكة لأنها مسقط رأسه، ومأنس نفسه، وموطئ قدمه، وموطن أهله، وموقع رحله؛ وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته، ومدار نصرته؛ وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء، ومنه معراجه إلى السماء. ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة لما روى عنه ﵊: "الأنبياء يدفنون حيث يموتون".
الخلاف الخامس: في الإمامة، وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان. وقد سهل الله تعالى ذلك في الصدر الأول، فاختلف المهاجرون والأنصار فيها، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري، فاستدركه أبو بكر وعمر ﵄ في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة، وقال عمر: كنت أزور٢ في نفسي كلاما في الطريق، فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم فقال أبو بكر: مه٣ يا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب، فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة،
_________________
(١) ١ آل عمران آية ١٤٤. ٢ أزور كلاما: أحسن كلاما وأقومه وأنمقه. ٣ مه: اكفف.
[ ١ / ٢٢ ]
إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة١ وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنهما تغرة٢ يجب أن يقتلا.
وإنما سكتت الأنصار عن دعواهم لرواية أبي بكر عن النبي ﵇: "الأئمة من قريش" وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة، ثم لما عاد إلى المسجد انثال٣ الناس عليه وبايعوه عن رغبة، سوى جماعة من بني هاشم وأبي سفيان من بني أمية. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ كان مشغولا بما أمره النبي ﷺ من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة.
الخلاف السادس: في أمر فدك٤ والتوارث عن النبي ﵇، ودعوى فاطمة ﵍ وراثة تارة، وتمليكا أخرى، حتى دفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة".
الخلاف السابع:
في قتال مانعي الزكاة، فقال قوم: لا نقاتلهم قتال الكفرة.
وقال قوم: بل نقاتلهم، حتى قال أبو بكر ﵁: لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، ومضى بنفسه إلى قتالهم، ووافقه جماعة الصحابة بأسرهم. وقد أدى اجتهاد عمر ﵁ في أيام خلافته إلى رد السبايا والأموال إليهم، وإطلاق المحبوسين منهم، والإفراج عن أسراهم.
_________________
(١) ١ فلتة: دون تدبر وتمهل. ٢ تغرة: غرر بنفسه تغريرا، وتغرة: عرضها للهلاك. ٣ انثال عليه الناس: انصبوا عليه وتكاثروا حوله. ٤ فدك: قرية شمال المدينة، كانت لليهود، ولما انهزم يهود خيبر خشي يهود فدك على أنفسهم فسلموا قريتهم للنبي ﵇ دون قتال فكانت خالصة له ينفق منها على نفسه، وعلى بعض المحتاجين من بني هاشم.
[ ١ / ٢٣ ]
الخلاف الثامن: في تنصيص١ أبي بكر على عمر بالخلافة وقت الوفاة، فمن الناس من قال: قد وليت علينا فظا غليظا، وارتفع الخلاف بقول أبي بكر: لو سألني ربي يوم القيامة لقلت: وليت عليهم خيرهم لهم.
وقد وقع في زمانه اختلافات كثيرة في مسائل ميراث الجد، والإخوة، والكلالة٢، وفي عقل٣ الأصابع، وديات الأسنان، وحدود بعض الجرائم التي لم يرد فيها نص، وإنما أهم أمورهم: الاشتغال بقتال الروم، وغزو العجم. وفتح الله تعالى الفتوح على المسلمين، وكثرت السبايا والغنائم، وكانوا كلهم يصدرون عن رأي عمر ﵁، وانتشرت الدعوة، وظهرت الكلمة، ودانت العرب، ولانت العجم.
الخلاف التاسع: في أمر الشورى واختلاف الآراء فيها. واتفقوا كلهم على بيعة عثمان ﵁، وانتظم الأمر واستمرت الدعوة في زمانه، وكثرت الفتوح، وامتلأ بيت المال، وعاشر الخلق على أحسن خلق، وعاملهم بأبسط يد، غير ان أقاربه من بني أمية قد ركبوا نهابر٤ فركبته، وجاروا فجير عليه، ووقعت في زمانه اختلافات كثيرة وأخذوا عليه أحداثا كلها محالة٥ على بني أمية.
منها: رده الحكم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله ﷺ وكان يسمى طريد رسول الله؛ وبعد أن تشفع إلى أبي بكر وعمر ﵄ أيام خلافتهما فما أجاباه إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا.
_________________
(١) ١ انظر كلام أبي بكر في هذا الموضوع، جـ١ ص٨ من الكامل للمبرد، ط مصطفى الحلبي. ٢ من عدا الولد والوالد من الورثة، أو: من مات ولا والد له ولا ولد. ٣ العقل: ما يدفع للمجني عليه كتعويض لما أصابه. ٤ نهابر: مهالك، جمع نهبورة بضم النون فيهما. ٥ محالة: محولة، أي محمولة ومنسوبة.
[ ١ / ٢٤ ]
ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة١، وتزويجه مروان بن الحكم بنته، وتسليمه خمس غنائم أفريقية له وقد بلغت مائتي ألف دينار.
ومنها: إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان رضيعه بعد أن أهدر النبي ﵊ دمه، وتوليته إياه مصر بأعمالها، وتوليته عبد الله بن عامر البصرة حتى أحدث فيها ما أحدث. إلى غير ذلك مما نقموا عليه، وكان أمراء جنوده: معاوية بن أبي سفيان عامل الشام، وسعد بن أبي وقاص عامل الكوفة، وبعده الوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر عامل البصرة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل مصر. وكلهم خذلوه ورفضوا حتى أتى قدره عليه، وقتل مظلوما في داره، وثارت الفتنة من الظلم الذي جرى عليه، ولم تسكن بعد.
الخلاف العاشر: في زمان أمير المؤمنين علي ﵁ بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له. فأوله: خروج طلحة والزبير إلى مكة، ثم حمل عائشة إلى البصرة، ثم نصب القتال معه. ويعرف ذلك بحرب الجمل. والحق أنهما رجعا وتابا، إذ ذكرهما أمرا فتذكراه. فأما الزبير فقتله ابن جرموز بقوس وقت الانصراف، وهو في النار لقول النبي ﷺ: "بشر قاتل ابن صفية بالنار". وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم وقت الإعراض٢ فخر ميتا. وأما عائشة ﵂ فكانت محمولة على ما فعلت، ثم تابت بعد ذلك ورجعت. والخلاف بينه وبين معاوية، وحرب صفين، ومخالفة الخوارج، وحمله على التحكيم، ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وبقاء الخلاف إلى وقت وفاته مشهور. وكذلك الخلاف بينه وبين الشراة٣
_________________
(١) ١ الربذة: من قرى المدينة. ٢ وقت الإعراض: وقت أن أعرض عن القتال، أي كف واعتزل الحرب. ٣ الشراة: الخوارج، الواحد شار؛ سموا بذلك لقولهم شرينا أنفسنا في طاعة الله، فهو من شرى يشري كرمى يرمي، فهو شار وجمعه شراة بخلاف شرى كفرح، فإن اسم فاعله شر، وهو لا يجمع على شراة. قيل: ويجوز أن يكون من المشاراة أي المجادلة.
[ ١ / ٢٥ ]
المارقين بالنهروان١ عقدا وقولا، ونصب القتال معه فعلا ظاهرا معروف، وبالجملة كان علي ﵁ مع الحق، والحق معه. وظهر في زمانه الخوارج٢ عليه مثل الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي وغيرهم. وكذلك ظهر في زمانه الغلاة في حقه مثل عبد الله بن سبإ وجماعة معه. ومن الفريقين ابتدأت البدعة والضلالة، وصدق فيه قول النبي ﷺ: "يهلك فيه اثنان: محب غال ومبغض قال".
وانقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين: أحدهما الاختلاف في الإمامة. والثاني: الاختلاف في الأصول.
والاختلاف في الإمامة على وجهين:
أحدهما: القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار.
والثاني: القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين.
فمن قال إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار؛ قال بإمامة كل من اتفقت عليه الأمة، أو جماعة معتبرة من الأمة: إما مطلقا، وإما بشرط أن يكون قرشيا؛ على مذهب قوم. وبشرط أن يكون هاشميا؛ على مذهب قوم. إلى شرائط أخرى كما سيأتي.
ومن قال بالأول، قال بإمامة معاوية وأولاده، وببعدهم بخلافة مروان وأولاده.
والخوارج اجتمعوا في كل زمان على واحد منهم بشرط أن يبقى على مقتضى اعتقادهم، ويجري على سنن العدل في معاملاتهم، وإلا خذلوه وخلعوه، وربما قتلوه.
ومن قالوا إن الإمامة تثبت بالنص، اختلفوا بعد علي ﵁، فمنهم من قال
_________________
(١) ١ النهروان: بفتح النون وتثليث الراء، وبضمها: عدة قرى بين واسط وبغداد بالعراق. ٢ سيأتي الكلام على الخوارج في موضعه.
[ ١ / ٢٦ ]
إنه نص على ابنه محمد بن الحنفية، وهؤلاء هم الكيسانية، ثم اختلفوا بعده، فمنهم من قال إنه لم يمت، ويرجع فيملأ الأرض عدلا، ومنهم من قال إنه مات، وانتقلت الإمامة بعده إلى ابنه أبي هاشم، وافترق هؤلاء، فمنهم من قال الإمامة بقيت في عقبه وصية بعد وصية، ومنهم من قال إنها انتقلت إلى غيره، واختلفوا في ذلك الغير، فمنهم من قال هو بنان بن سمعان النهدي، ومنهم من قال هو علي بن عبد الله بن عباس، ومنهم من قال هو عبد الله بن حرب الكندي، ومنهم من قال هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء كلهم يقولون إن الدين طاعة رجل، ويتأولون أحكام الشرع كلها على شخص معين كما ستأتي مذاهبهم.
وأما من لم يقل بالنص على محمد بن الحنفية فقال بالنص على الحسن والحسين ﵄، وقال: لا إمامة في الأخوين إلا الحسن والحسين ﵄. ثم اختلفوا، فمنهم من أجرى الإمامة في أولاد الحسن، فقال بعده بإمامة ابنه الحسن، ثم ابنه عبد الله، ثم ابنه محمد، ثم أخيه إبراهيم الإمامين، وقد خرجا في أيام المنصور فقتلا في أيامه. ومن هؤلاء من يقول برجعة محمد الإمام، ومنهم من أجرى الوصية في أولاد الحسين وقال بعده بإمامة ابنه علي بن الحسين زيد العابدين نصا عليه. ثم اختلفوا بعده، فقالت الزيدية بإمامة ابنه زيد. ومذهبهم: أن كل فاطمي خرج، وهو عالم، زاهد، شجاع، سخي، كان إماما واجب الاتباع، وجوزوا رجوع الإمامة إلى أولاد الحسن. ثم منهم من وقف وقال بالرجعة، ومنهم من ساق وقال بإمامة كل من هذا حاله في كل زمان، وسيأتي فيما بعد تفصيل مذاهبهم.
وأما الإمامية فقالوا بإمامة محمد بن علي الباقر نصا عليه، ثم بإمامة جعفر بن محمد الصادق وصية إليه، ثم اختلفوا بعده في أولاده: من المنصوص عليه؟ وهم خمسة: محمد، وإسماعيل، وعبد الله، وموسى، وعلي. فمنهم من قال بإمامة محمد وهم العمارية، ومنهم من قال بإمامة إسماعيل وأنكر موته في حياة أبيه وهم المباركية، ومن هؤلاء من
[ ١ / ٢٧ ]
وقف عليه وقال برجعته، ومنهم من ساق الإمامة في أولاده نصا بعد نص إلى يومنا هذا، وهم الإسماعيلية، ومنهم من قال بإمامة عبد الله الأفطح، وقال برجعته بعد موته لأنه مات ولم يعقب١، ومنهم من قال بإمامة موسى نصا عليه إذ قال والده: سابعكم قائمكم، إلا وهو سمي صاحب التوراة. ثم هؤلاء اختلفوا، فمنهم من اقتصر عليه وقال برجعته؛ إذ قال لم يمت هو، ومنهم من توقف في موته وهم الممطورة، ومنهم من قطع بموته، وساق الإمامة إلى ابنه علي بن موسى الرضا، وهم القطعية. ثم هؤلاء اختلفوا في كل ولد بعده، فالاثنا عشرية ساقوا الإمامة من على الرضا إلى ابنه محمد، ثم إلى ابنه علي، ثم إلى ابنه الحسن، ثم إلى ابنه محمد القائم المنتظر الثاني عشر، وقالوا: هو حي لم يمت، ويرجع فيملأ الدنيا عدلا، كما ملئت جورا. وغيرهم ساقوا الإمامة إلى الحسن العسكري، ثم قالوا بإمامة أخيه جعفر، وقالوا بالتوقف عليه، أو قالوا بالشك في حال محمد، ولهم خبط٢ طويل في سوق الإمامة، والتوقف، والقول بالرجعة بعد الموت، والقول بالغيبة، ثم بالرجعة بعد الغيبة.
فهذه جملة الاختلافات في الإمامة، وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر المذاهب.
وأما الاختلافات في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال، وكان تلميذ الحسن البصري، وتلمذ له عمرو بن عبيد، وزاد عليه في مسائل القدر، وكان عمرو من دعاة يزيد الناقص أيام بني أمية، ثم والي المنصور وقال بإمامته، ومدحه المنصور يوما فقال: نثرت الحب للناس فلقطوا غير عمرو بن عبيد.
والوعيدية من الخوارج، والمرجئة من الجبرية.
والقدرية ابتدءوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه
_________________
(١) ١ لم يعقب: لم يترك ولدا. ٢ حقيقة الخبط: الضرب على غير اتساق.
[ ١ / ٢٨ ]
بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين. فسمي هو وأصحابه معتزلة. وقد تلمذ له زيد بن علي وأخذ الأصول فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة. ومن رفض زيد بن علي لأنه خالف مذهب آبائه في الأصول، وفي التبري والتولي؛ وهم من أهل الكوفة؛ وكانوا جماعة، سموا رافضة. ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حيث نشرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام. وأفردتها فنا من فنون العلم، وسمتها باسم الكلام، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتاقتلوا عليها، هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان.
وكان أبو الهذيل العلاف شيخهم الأكبر؛ وافق الفلاسفة في أن الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، وكذلك قادر بقدرة، وقدرته ذاته، وأبدع بدعا في الكلام، والإرادة، وأفعال العباد، والقول بالقدر، والآجال، والأرزاق، كما سيأتي في حكاية مذهبه، وجرت بينه وبين هشام بن الحكم مناظرات في أحكام التشبيه، وأبو يعقوب الشحام والآدمي صاحبا أبي الهذيل وافقاه في ذلك كله.
ثم إبراهيم بن سيار النظام في أيام المعتصم كان قد غلا في تقرير مذاهب الفلاسفة وانفرد عن السلف ببدع في القدر والرفض، وعن أصحابه بمسائل نذكرها، ومن أصحابه محمد بن شبيب، وأبو شمر، وموسى بن عمران، والفضل الحدثي، وأحمد بن خابط، ووافقه الأسواري في جميع ما ذهب غليه من البدع، وكذلك الإسكافية أصحاب أبي جعفر الإسكافي، والجعفرية أصحاب الجعفر بن جفعر بن مبشر، وجعفر بن حرب.
ثم ظهرت بدع بشر بن المعتمر؛ من القول بالتولد والإفراط فيه والميل إلى الطبيعيين من الفلاسفة، والقول بأن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، وإذا فعل ذلك فهو ظالم، إلى غير ذلك مما تفرد به عن أصحابه.
[ ١ / ٢٩ ]
وتلمد ذله أبو موسى المردار راهب المعتزلة، وانفرد عنه بإبطال إعجاز القرآن من جهة الفصاحة والبلاغة، وفي أيامه جرت أكثر التشديدات على السلف لقلوهم بقدم القرآن، وتلمذ له الجعفران، وأبو زفر، ومحمد بن سويد صاحبا المردار، وأبو جعفر الإسكافي، وعيسى بن الهيثم صاحبا جعفر بن حرب الأشج.
وممن بالغ في القول بالقدر: هشام بن عمرو الفوطي، والأصم من أصحابه، وقدحا في إمامة علي ﵁ بقولهما: إن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم. والفوطي والأصم اتفقا على أن الله تعالى يستحيل أن يكون عالما بالأشياء قبل كونها، ومنعا كون المعدوم شيئا.
وأبو الحسين الخياط، وأحمد بن علي الشطوي صحبا عيسى الصوفي، ثم لزما أبا مجالد.
وتلمذ الكعبي لابي الحسين الخياط، ومذهبه بعينه مذهبه، وأما معمر بن عباد السلمي، وثمامة بن أشرس النميري، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، فكانوا في زمان واحد متقاربين في الرأي والاعتقاد، منفردين عن أصحابهم بمسائل نذكرها في موضعها. والمتأخرون منهم أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري؛ قد لخصوا طرق أصحابهم، وانفردوا عنهم بمسائل ستأتي.
أما رونق الكلام فابتداؤه من الخلفاء العباسيين: هارون، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل؛ وانتهاؤه من الصاحب بن عباد وجماعة من الديالمة.
وظهرت جماعة من المعتزلة متوسطين، مثل ضرار بن عمرو، وحفص الفرد، والحسين النجار، ومن المتأخرين خالفوا الشيوخ في مسائل، ونبغ منهم جهم بن صفوان في أيام نصر بن سيار، وأظهر بدعته في الجبر بترمذ١، وقتله سالم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية بمرو٢.
_________________
(١) ١ ترمذ: قرية ببخارى. ٢ مرو: بلد بفارس.
[ ١ / ٣٠ ]
وكانت بين المعتزلة وبين السلف في كل زمان اختلافات في الصفات، وكان السلف يناظرونهم عليها، لا على قانون كلامي، بل على قول إقناعي، ويسمون الصفاتية، فمن مثبت صفات الباري تعالى معاني قائمة بذاته، ومن مشبه صفاته بصفات الخلق، وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة، ويناظرون المعتزلة في قدم العالم على قول ظاهر وكان عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبو العباسيي القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي أشبههم إتقانا، وأمتنهم كلاما، وجرت مناظرة بين أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وبين أستاذه أبي علي الجبائي في بعض مسائل التحسين والتقبيح، فألزم الأشعري أستاذه أمورلم يخرج عنها بجواب فأعرض عنه وانحاز إلى طائفة السلف ونصر مذهبهم على قاعدة كلامية؛ فصار ذلك مذهبا منفردا، وقرر طريقته جماعة من المحققين مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، والأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، والأستاذ أبي بكر بن فورك، وليس بينهم كثير اختلاف.
ونبغ رجل متنمس١ بالزهد من سجستان يقال له أبو عبد الله محمد بن كرام، قليل العلم، قد قمش٢ من كل مذهب ضغثا٣ وأثبته في كتابه. وروجه على أغتام٤ غرجة، وغور، وسواد بلاد خراسان، فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهبا، وقد نصره محمود بن سبكتكين السلطان، وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم، وهو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج، وهم مجسمة، وحاش غير محمد بن الهيصم فإنه مقارب.
_________________
(١) ١ متستر. ٢ قمش من كل مذهب: أخذ رذالته. ٣ الضغث: الباطل، والكلام المخلط الفاسد. ٤ الذين لا يفصحون.
[ ١ / ٣١ ]