أصحاب أبي راشد نافع بن الأزرق١ الذين خرجوا مع نافع من البصرة إلى الأهواز،
_________________
(١) ١ مات نافع بن الأزرق سنة ٦٠هـ، وفي كتاب "الفرق بين الفرق" ص٥٠ "لم تكن للخوارج قط فرقة أكثر عددا ولا أسد منهم شوكة. والذي جمهم من الدين أشياء منها: قولهم بأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون. وكان المحكمة الأولى يقولون إنهم كفرة لا مشركون. ومنها قولهم إن القعدة ممن كان على رأيهم عن الهجرة إليهم مشركون وإن كانوا على رأيهم، ومنها أنهم أوجبوا امتحان من قصد عسكرهم إذا ادعى أنه منهم أن يدفع إليه أسير من مخالفيهم وأمروه بقتله؛ فإن قتله صدقوه في دعواه أنه منهم. وإن لم يقتله قالوا: هذا منافق ومشرك، وقتلوه. ومنها أنهم استباحوا قتل نساء مخالفيهم وقتل أطفالهم =
[ ١ / ١١٨ ]
فغلبوا عليها وعلى كورها، وما وراءها من بلدان فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير وقتلوا عماله بهذه النواحي.
وكان مع نافع من أمراء الخوارج: عطية بن الأسود الحنفي، وعبد الله بن الماحوز وأخواه عثمان والزبير، وعمرو بن عمير العنبري، وقطري بن الفجاءة المازني، وعبيدة
_________________
(١) = وزعموا أن الأطفال مشركون، وقطعوا بأن أطفال مخالفيهم مخلدون في النار. واستحلوا كفر الأمانة التي أمر الله تعالى بأدائها. وقالوا: إن مخالفينا مشركون فلا يلزمنا أداء أمانتنا إليهم. ولم يقيموا الحد على قاذف الرجل المحصن، وأقاموه على قاذف المحصنات من النساء. وقطعوا يد السارق في القليل والكثير ولم يعتبروا السرقة نصابا. وأكفرهم الأئمة في هذه البدع التي أحدثوها بعد كفرهم الذي شاركوا فيه المحكمة الأولى". "ثم الأزارقة بعد اجتماعها على البدع التي حكيناها عنهم بايعوا نافع بن الأزرق وسموه أمير المؤمنين، وانضم إليهم خوارج عمان واليمامة فصاروا أكثر من عشرين ألفا، واستولوا على الأهواز وما وراءها من أرض فارس وكرمان وجبوا خراجها". وفي "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ١/ ٨٨ "وكان سبب الاختلاف الذي أحدثه نافع أن امرأة من أهل اليمن عربية ترى رأي الخوارج تزوجت رجلا من الموالي على رأيها، فقال لها أهل بيتها: فضحتينا، فأنكرت ذلك. فلما أتى زوجها قالت له: إن أهل بيتي وبني عمي قد بلغهم أمري وقد عيروني وأنا خائفة أن أكره على تزويج بعضهم فاختر مني إحدى ثلاث خصال: إما أن تهاجر إلى عسكر نافع حتى تكون مع المسلمين في حوزهم ودارهم. وإما أن تخبأني حيث شئت، وإما أن تخلي سبيلي؛ فخلى سبيلها. ثم إن أهل بيتها استكرهوها فزوجوها ابن عم لها لم يكن على رأيها فكتب ممن بحضرتها إلى نافع بن الأزرق يسألونه عن ذلك. فقال رجل منهم: إنها لم يسعها ما صنعت ولا وسع زوجها ما صنع من قبل هجرتهما، لأنه كان ينبغي لهما أن يلحقا بنا، لأنا اليوم بمنزلة المهاجرين بالمدينة، ولا يسع أحدا من المسلمين التخلف عنا، كما لم يسع التخلف عنهم. فتابعه على قوله نافع بن الأزرق وأهل عسكره إلا نفرا يسيرا. وزعمت الأزارقة أن من أقام في دار الكفر فهو كافر لا يسعه إلا الخروج". وقال المبرد ص٣١ ج٣ ط مصطفى الحلبي جاء مولى لبني هاشم إلى نافع فقال له: إن أطفال المشركين في النار، وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال. قال له نافع: كفرت وأدللت بنفسك. قال له: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني - ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ - فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم: فشهد نافع أنهم جميعا في النار، ورأى قتلهم: وقال: الدار دار كفر إلا من أظهر إيمانه، ولا يحل أكل ذبائحهم، ولا تناكحهم، ولا توارثهم: ومتى جاء منهم جاء فعلينا أن نمتحنه: وهم ككفار العرب لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، والقعد بمنزلتهم، والتقية لا تحل: فنفر جماعة من الخوارج عنه، منهم نجدة بن عامر، واحتج بقول الله ﷿ - ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ":
[ ١ / ١١٩ ]
ابن هلال اليشكري، وأخوه محرز بن هلال، وصخر بن حبيب التميمي، وصالح بن مخراق العبدي، وعبد ربه الكبير، وعبد ربه الصغير؛ في زهاء ثلاثين ألف فارس ممن يرى رأيهم، وينخرط في سلكهم.
فأنفذ إليهم عبد الله بن الحارث بن نوفل النوفلي بصاحب جيشه مسلم بن عبيس بن كريز بن حبيب، فقتله الخوارج وهزموا أصحابه، فأخرج إليهم أيضا عثمان بن عبد الله بن معمر التميمي فهزموه. فأخرج إليهم حارثة بن بدر العتابي في جيش كثيف فهزموه. وخشي أهل البصرة على أنفسهم وبدلهم من الخوارج. فأخرج إليهم المهلب بن أبي صفرة فبقي في حرب الأزارقة تسع عشرة سنة غلبى أن فرغ من أمرهم في أيام الحجاج. ومات نافع قبل وقائع المهلب مع الأزارقة، وبايعوا بعده قطري بن الفجاءة المازني وسموه أمير المؤمنين.
وبدع الأزارقة ثمانية:
إحداها: أنه أكفر عليا ﵁، وقال: إن الله أنزل في شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ١ وصوب عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، وقال: إن الله تعالى أنزل في شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ٢.
وقال عمران بن حطان؛ وهو مفتي الخوارج وزاهدها وشاعرها الأكبر؛ في ضربة ابن ملجم٣ لعنه الله لعلي ﵁:
يا ضربة من منيب ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
_________________
(١) ١ البقرة آية ٢٠٤. ٢ البقرة آية ٢٠٧. ٣ قال المبرد في كتابه الكامل ٣/ ٩٢٦ ط مصطفى الحلبي. "نظرت الخوارج في أمرها فقالوا: إن عليا ومعاوية قد أفسدا أمر هذه الأمة، فلو قتلناهما لعاد الأمر إلى حقه. وقال رجل من أشجع: والله ما عمرو دونهما: وإنه لأصل هذا الفساد". "فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنة الله عليه: أنا أقتل عليا. فقالوا: وكيف لك به؟ قال: =
[ ١ / ١٢٠ ]
وعلى هذه البدعة مضت الأزارقة، وزادوا عليه تكفير عثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وعبد الله بن عباس ﵃، وسائر المسلمين معهم، وتخليدهم في النار جميعا.
والثانية: أنه أكفر القعدة، وهو أول من أظهر البراءة من القعدة عن القتال وإن كان موافقا له على دينه، وأكفر من لم يهاجر إليه.
والثالثة: إباحته قتل أطفال المخالفين والنسوان معهم.
والرابعة: إسقاط الرجم عن الزاني، إذ ليس في القرآن ذكره. وإسقاط حد القذف عمن قذف المحصنين من الرجال؛ مع وجوب الحد على قاذف المحصنات من النساء.
_________________
(١) = أغتاله: فقال الحجاج بن عبد الله الصريمي وهو البرك: وأنا أقتل معاوية: وقال زاذويه مولى بني العنبر بن عمر بن تميم: وأنا أقتل عمرا. فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة. فجعلوا تلك الليلة ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان: فخرج كل واحد منهم إلى ناحية. فأتى ابن ملجم الكوفة فأخفى نفسه وتزوج امرأة يقال لها قطام بنت علقم من تيم الرباب. وكانت ترى رأي الخوارج. ويروى في بعض الأحاديث أنها قالت: لا أقنع منك إلا بصداق أسميه لك، وهو ثلاث آلاف درهم، وعبد، وأمة، وأنت تقتل عليا. فقال لها: لك ما سألت. فكيف لي به؟ قالت: تروم ذلك غيلة، فإن سلمت أرحت الناس من شر وأقمت مع أهلك. وإن أصبت سرت إلى الجنة ونعيم لا يزول. فأنعم لها بذلك، وفي ذلك يقول: ثلاثة آلاف وعبد وقينة وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن غلا ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم فأقام ابن ملجم، فيقال إن امرأته قطام لامته وقالت ألا تمضي لما قصدت له؟ لشد ما أحببت أهلك! قال: إني قد وعدت صاحبي وقتا بعينه. وكان هناك رجل من أشجع يقال له شبيب، فواطأه عبد الرحمن". فلما كان ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، خرج ابن ملجم وشبيب الأشجعي فأعتورا الباب الذي يدخل منه علي ﵁، وكان علي يخرج مغلسا ويوقظ الناس للصلاة. فخرج كما كان يفعل، فضربه شبيب فأخطأه وأصاب سيفه الباب. وضربه ابن ملجم على صلعته فقال علي: فزت ورب الكعبة: شأنكم بالرجل". "فأما ابن ملجم فحمل على الناس بسيفه فأفرجوا له، وتلقاه المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه، واحتمله فضرب به الأرض، وكان المغيرة أيدا فقعد على صدره". وقال ابن ملجم: "أما والله لقد اشتريت سيفي بألف درهم، وما زلت أعرضه، فما يعيبه أحد إلا أصلحت ذلك العيب. ولقد أسقيته السم حتى لفظه، ولقد ضربته ضربة لو قسمت على من بالمشرق لأتت عليهم".
[ ١ / ١٢١ ]
والخامسة: حكمه بأن أطفال المشركين في النار مع آبائهم.
والسادسة: أن التقية غير جائزة في قول ولا عمل.
والسابعة: تجويزه أن يبعث الله تعالى نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته، أو كان كافرا قبل البعثة. والكبائر والصغائر إذا كانت بمثابة عنده وهي كفر، وفي الأمة من جوز الكبائر والصغائر على الأنبياء ﵈، فهي كفر.
والثامنة: اجتمعت الأزارقة على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر كفر ملة، خرج به عن الإسلام جملة، ويكون مخلدا في النار مع سائر الكفار. واستدلوا بكفر إبليس، وقالوا: ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمره بالسجود لآدم ﵇ فامتنع، وإلا فهو عارف بوحدانية الله تعالى.
[ ١ / ١٢٢ ]