أصحاب بشر١ بن المعتمر، كان من أفضل علماء المعتزلة، وهو الذي أحدث القول بالتولد وأفرط فيه، وانفرد عن أصحابه بمسائل ست:
الأولى منها: أنه زعم أن اللون والطعم والرائحة والإدراكات كلها من السمع، والرؤية يجوز أن تحصل متولدة من فعل العبد، إذا كانت أسبابها من فعله. وإنما أخذ هذا من قول الطبيعيين، إلا أنهم لا يفرقون بين المتولد والمباشر بالقدرة. وربما لا يثبتون القدرة على منهاج المتكلمين. وقوة الفعل وقوة الانفعال غير القدرة التي يثبتها المتكلم.
الثانية: قوله إن الاستطاعة هي سلامة البنية، وصحة الجوارح، وتخليتها من الآفات. وقال: لا أقول: يفعل بها في الحالة الأولى، ولا في الحالة الثانية. لكني أقول: الإنسان يفعل، والفعل لا يكون إلا في الثانية.
الثالثة: قوله إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، ولو فعل ذلك كان ظالما إياه، إلا أنه لا يستحسن أن يقال ذلك في حقه، بل يقال: لو فعل ذلك كان الطفل بالغا عاقلا، عاصيا بمعصية ارتكبها. مستحقا للعقاب. وهذا كلام متناقض.
الرابعة: حكى الكعبي٢ عنه أنه قال: إرادة الله تعالى فعل من أفعاله، وهي على وجهين: صفة ذات، وصفة فعل، فأما صفة الذات فهي أن الله تعالى لم يزل مريدا لجميع أفعاله، ولجميع الطاعات من عباده فإنه حكيم ولا يجوز أن يعلم الحكيم صلاحا وخيرا ولا يريده. وأما صفة الفعل فإن أراد بها فعل نفسه في حال إحداثه فهي خلقه له، وهي
_________________
(١) ١ توفي بشر سنة ٢٢٦هـ. ٢ في "مقالات الإسلاميين" للأشعري ص٥١٣ ج١ "وقال بشر بن المعتمر ومن ذهب مذهبه: إرادة الله غير الله. والإرادة على ضربين: إرادة وصف بها، وهي فعل من فعله. وإرادة وصف بها في ذاته. وإن إرادته الموصوف بها في ذاته غير لاحقة بمعاصي خلقة. وجوز وقوعها على سائر الأشياء".
[ ١ / ٦٤ ]
قبل الخلق لأن ما به يكون الشيء لا يجوز أن يكون معه، وإن أراد بها فعل عباده؛ فهي الأمر به.
الخامسة: قال: إن عند الله تعالى لطفا١ لو أتى به لآمن جميع من في الأرض إيمانا يستحقون عليه الثواب، استحقاقهم لو آمنوا من غير وجوده وأكثر منه، وليس على الله تعالى أن يفعل ذلك بعباده ولا يجب عليه رعاية الأصلح لأنه لا غاية لما يقدر عليه من الصلاح. فما من أصلح إلا وفوقه أصلح، وإنما عليه أن يمكن العبد بالقدر والاستطاعة ويزيح العلل بالدعوة والرسالة. والمفكر قبل ورود السمع يعلم الباري تعالى بالنظر والاستدلال، وإذا كان مختارا في فعله فيستغنى عن الخاطرين، لأن الخاطرين لا يكونان من قبل الله تعالى، وإنما هما من قبل الشيطان، والمفكر الأول لم يتقدمه شيطان يخطر الشك بباله، ولو تقدم فالكلام في الشيطان كالكلام فيه.
السادسة: قال: من تاب عن كبيرة ثم راجعها عاد استحقاقه العقوبة الأولى، فإن قبل توبته بشرط أن لا يعود.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/ ٥٧٤ "وقال بشر: إن ما يقدر الله عليه من اللطف لا غاية ولا نهاية. وعند الله من اللطف ما هو أصلح مما فعل ولم يفعله. ولو فعله بالخلق آمنوا طوعا لا كرها. وقد فعل بهم لطفا يقدرون به على ما كلفهم". وقد خالفه المعتزلة كلهم كما ذكر الأشعري إذ قالوا: "إنه لا لطف عند الله لو فعله بمن لا يؤمن لآمن. ولو كان عنده لطف لو فعله بالكفار لآمنوا ثم لم يفعل بهم ذلك، لم يكن مريدا لمنفعتهم. فلم يصفوا ربهم بالقدرة على ذلك، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا". ورأي بشر في اللطف متفق مع رأي أهل السنة.
[ ١ / ٦٥ ]