قال الشوكاني: "ليس لأحد من العلماء المختلفين، أو من التابعين لهم والمقتدين بهم أن يقول: الحق ما قاله فلان دون فلان، أو فلان أولى بالحق من فلان. بل الواجب عليه-إن كان ممن له فهم وعلم وتمييز-أن يرد ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فمن كان دليل الكتاب والسنة معه فهو على الحق وهو الأولى بالحق. ومن كان دليل الكتاب والسنة عليه لا له كان هو المخطئ، بل هو معذور، بل مأجور، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" فناهيك بخطأ يؤجر عليه فاعله، ولكن هذا إنما هو للمجتهد نفسه، إذا أخطأ، ولكن لا يجوز لغيره أن يتبعه في خطئه، ولا يعذر كعذره، ولا يؤجر كأجره، بل واجب على من عداه من المكلفين أن يترك الاقتداء به في الخطأ ويرجع إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة. وإذا وقع الرد لما اختلف فيه أهل العلم إلى الكتاب والسنة كان من معه دليل الكتاب والسنة هو الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان واحدا، والذي لم يكن معه دليل الكتاب والسنة هو الذي لم يصب الحق، بل أخطأه، وإن كان عددا كثيرا، فليس لعالم ولا لمتعلم ولا لمن يفهم-وإن كان مقصرا-أن يقول: إن الحق بيد من يقتدى به من العلماء، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره. فإن ذلك جهل عظيم، وتعصب ذميم، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة، لأن الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق. وليس أحد من العلماء المجتهدين والأئمة المحققين بمعصوم، ومن لم يكن معصوما فإنه يجوز عليه الخطأ كما يجوز عليه الصواب، فيصيب تارة ويخطئ أخرى. ولا يتبين صوابه من خطئه إلا بالرجوع إلى دليل الكتاب والسنة، فإن وافقهما فهو مصيب، وإن خالفهما فهو مخطئ ولا خلاف في هذه الجملة بين جميع المسلمين أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، كبيرهم وصغيرهم، وهذا يعرفه كل من له أدنى حظ من العلم، وأحقر نصيب من العرفان، ومن لم يفهم هذا ويعترف به فليتهم نفسه" (^١)
_________________
(١) شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص ٥
[ ٢ / ١٥٤ ]
«إلى أن حدث في آخر الأمة مَنْ قَلَّل اللهُ عددَهم ممن حذرنا رسول الله ﷺ عن مجالستهم ومكالمتهم، وأمرنا أن لا نعود مَرضاهم، ولا نشيع جنائزهم؛ فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه، وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دَفعها إلى أحكام المقاييس، وكفر المتقدمين، وأنكروا على الصحابة والتابعين، وردوا على الأئمة الراشدين؛ فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل».
أشار رحمه الله تعالى إلى بعض سمات أهل الباطل وقد ذكر جملة منها في هذه الفتوى في مواطن متفرقة، ولعل في ذكرها مجتمعة مزيد فائدة لينتفع بها من أكرمه الله بالسير على منهج السلف الصالح، ولتكون تذكرة لمن حاد عن هذا المنهج لعل الله أن ينير بصيرته ويعود إلى صراط الله المستقيم وهذه السمات لمناهج أهل الباطل جمعتها وفق النقاط الآتية:
أولًا: أنهم يجعلون أقوالهم هي الأصل ويجعلون ما جاء في الكتاب والسنة تبع لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما سبيل الضلال والبدعة والجهل فعكس ذلك أن يبتدع بدعةً برأي رجالٍ وتأويلاتهم، ثم يجعل ما جاء به الرسول تبعًا لها، ويحرف ألفاظه، ويتأول على وفق ما أصلوه
وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول، ولا يتلقون الهدى منه، ولكن ما وافقهم منه قبلوه، وجعلوه حجةً لا عمدة، وما خالفهم تأولوه، كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه أو فوضوه، كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني" (^١)
وقال أيضًا: " وأمّا أهل البدع: فهم أهل أهواء وشبهات، يتّبعون أهواءهم فيما
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ج ٥/ ٢٩ وج ١٦/ ٤٣٣، ودرء تعارض العقل والنقل ج ١/ ٧ وج ٣/ ٧٧ والصواعق المرسلة ج ٢/ ٤٥٦، و٦٣٣.
[ ٢ / ١٥٥ ]
يُحبّونه ويُبغضونه، ويحكمون بالظنّ والشبه؛ فهم يتّبعون الظنّ وما تهوى "الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. فكلّ فريقٍ منهم قد أصّل لنفسه أصلَ دينٍ صنعه؛ إمّا برأيه وقياسه الذي يُسمّيه عقليّات؛ وإمّا بذوقه وهواه الذي يُسمّيه ذوقيّات ٢؛ وإمّا بما يتأوّله من القرآن، ويُحرّف فيه الكلم عن مواضعه، ويقول إنّه إنّما يتّبع القرآن كالخوارج؛ وإمّا بما يدّعيه في الحديث والسنّة ويكون كذبًا وضعيفًا كما يدّعيه الروافض؛ من النصّ والآيات. وكثيرٌ ممّن يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتجّ من القرآن بما يتأوّله على غير تأويله، ويجعل ذلك حجّة لا عمدة، وعمدته في الباطن على رأيه، كالجهميّة والمعتزلة في الصفات والأفعال، بخلاف مسائل الوعد والوعيد؛ فإنّهم قد يقصدون متابعة النصّ. " (^١)
وقال ابن تيمية: "وجماع الأمر أن الأدلة نوعان: شرعية، وعقليه.
فالمدعون لمعرفة الإلهيات بعقولهم، من المنتسبين إلى الحكمة والكلام والعقليات، يقول من يخالف نصوص الأنبياء منهم: إن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفناه، أو يقولون: عرفوه ولم يبينوه للخلق كما بيناه، بل تكلموا بما يخالفه من غير بيان منهم.
والمدعون للسنة والشريعة واتباع السلف من الجهال بمعاني نصوص الأنبياء يقولون: إن الأنبياء والسلف الذين اتبعوا الأنبياء لم يعرفوا معنى هذه النصوص التي قالوها والتي بلغوها عن الله، أو إن الأنبياء عرفوا معانيها ولم يبينوا مرادهم للناس، فهؤلاء الطوائف قد يقولون: نحن عرفنا الحق بعقولنا، ثم اجتهدنا في حمل كلام الأنبياء على ما يوافق مدلول العقل، وفائدة إنزال هذه المتشابهات المشكلات اجتهاد الناس في أن يعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في تأويل كلام الأنبياء الذي لم يبينوا به مرادهم، أو أنا عرفنا الحق بعقولنا، وهذه النصوص لم تعرف الأنبياء معناها، كما لم يعرفوا وقت الساعة، ولكن أمرنا بتلاوتها من غير تدبر لها ولا فهم لمعانيها.
أو يقولون: بل هذه الأمور لا تعرف بعقل ولا نقل، بل نحن منهيون عن معرفة العقليات، وعن فهم السمعيات، وإن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات، ولا يفهمون السمعيات. " (^٢)
_________________
(١) النبوات لابن تيمية ١/ ٤٢٢
(٢) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٨ - ١٩
[ ٢ / ١٥٦ ]
ثانيًا: من سمات مناهج أهل الباطل أن عامتهم لا يعرفون ما جاء في الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهؤلاء قد لا يعرفون ما جاء به الرسول: إما عجزًا وإما تفريطًا، فإنه يحتاج إلى مقدمتين:
أن الرسول قال كذا، وأنه أراد به كذا.
أما المقدمة الأولى: فعامتهم لا يرتابون في أنه جاء بالقرآن وإن كان من غلاة أهل البدع مَنْ يرتاب في بعضه لكن الأحاديث عامة أهل البدع جهال بها، وهم يظنون أن هذه رواها آحاد يجوزون عليهم الكذب والخطأ، ولا يعرفون من كثرة طرقها وصفات رجالها، والأسباب الموجبة للتصديق بها ما يعلمه أهل العلم بالحديث؛ فإن هؤلاء يقطعون قطعًا يقينًا بعامة المتون الصحيحة التي في الصحيحين كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.
وأما المقدمة الثانية: فإنهم لا يعرفون معاني القرآن والحديث، ومنهم من يقول: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم، وقد بسطنا الكلام على فساد ذلك في غير هذا الموضع. " (^١)
وقال ابن تيمية: "وإذا كانت الطائفة عن الله وعن رسوله أبعد، كانت عنهما أنأى، حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلّم صحة الحديث. وربما قال لقوله ﵇: كذا .. وتكون آية من كتاب الله. وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر" (^٢)
ثالثًا: من سمات مناهج أهل الباطل أنهم يتعاملون مع النصوص بما يوافق أهواءهم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكثير منهم إنما ينظر من تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقوه على المذهب فيتأول تأويلاتهم، فالنصوص التي توافقهم يحتجون بها، والتي تخالفهم يتأولونها، وكثير منهم لم يكن عمدتهم في نفس الأمر إتباع نص أصلًا، وهذا في البدع الكبار مثل الرافضة والجهمية» (^٣).
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى ج ٥/ ٢٩ وج ١٦/ ٤٣٣، ودرء تعارض العقل والنقل ج ١/ ٧ وج ٣/ ٧٧ والصواعق المرسلة ج ٢/ ٤٥٦، و٦٣٣.
(٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٩٦.
(٣) مجموع الفتاوى ج ١٧/ ٣٣٤، ٤٤٤، ٤٤٥ وج ١٨/ ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٦٢، وج ٧/ ١١٨. ومنهاج السنة ج ٢/ ١٠٩ ودرء تعارض العقل والنقل ج ٣/ ٧٦، وكتاب النبوات ص ١٦٤ وبيان تلبيس الجهمية ج ١/ ٢٥٣، ٥٢٣.
[ ٢ / ١٥٧ ]
رابعًا: من سمات مناهج أهل الباطل:
١ أنهم يلبسون الحق بالباطل.
٢ أنهم يقيمون الباطل بدلًا عن الحق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقوله ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) هما متلازمان فإن من لبّس الحق بالباطل فجعله ملبوسا به خفي من الحق بقدر ما ظهر من الباطل، فصار ملبوسًا ومن كتم الحق احتاج أن يقيم موضعه باطلا فيلبس الحق بالباطل، ولهذا كان كل من كتم من أهل الكتاب ما أنزل الله فلابد أن يظهر باطلا.
وهكذا أهل البدع لا تجد أحدًا ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئًا من السنة، كما جاء في الحديث «ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها» رواه الإمام أحمد (^١) وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (^٢).
فلما تركوا حظا مما ذكروا به اعتاضوا بغيره، فوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (^٣) (^٤).
فعلى المسلم أن يحذر من هاتين الصفتين الذميمتين فهي من سمات أهل الكتاب" (^٥)
خامسًا: من سمات مناهج أهل الباطل اتباع المتشابهات والألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة.
وقد قال النبي ﷺ في وصف أهل الأهواء والبدع: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه أولئك الذين سماهم الله فاحذروهم» (^٦)
_________________
(١) واللفظ عند أحمد: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة» ج ٤/ ١٠٥ ضعفه الألباني بهذا اللفظ في ضعيف الجامع رقم (٤٩٨٣) ورواه وفي المشكاة رقم (٤٨) ١٨٧. الدارمي في سننه ج ١/ ١٥٨ وعند عبد الرزاق في مصنفه: «ما ابتدع قوم بدعة قط إلا استحلوا بها السيف» ج ١٠/ ١٥١. وصحح الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام في المشكاة رقم (٤٩) ١٨٨.
(٢) المائدة آية (١٤).
(٣) الزخرف.
(٤) مجموع الفتاوى ج ٧/ ١٧٢، ١٧٣.
(٥) مجموع الفتاوى ج ١٥/ ١٥٥ - ١٥٦ وانظر أيضا: مجموع الفتاوى ج ١٩/ ١٩٤، ومنهاج السنة ج ٤/ ٥٤٨، والاستقامة ج ١/ ٣ و٢/ ٣٠٠
(٦) رواه البخاري (٤٥٤٧) ومسلم (٢٦٦٥)
[ ٢ / ١٥٨ ]
وقد تحدث علماء السلف عن سمات الفرق الهالكة وأسباب تفرقهم وما أحدثوه في الدين تحدثوا من باب النصيحة والتحذير.
فقد سأل عمرو بن قيس الحكم بن عتبة: «ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء أن يدخلوا فيها؟ قال الخصومات» (^١) وقال الفضيل بن عياض: «لا تجادلوا أهل الخصومات فإنهم يخوضون في آيات الله» (^٢) وفي مصنف عبد الرزاق أن رجلًا قال لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم. فقال: كل هوى ضلالة» (^٣).
وعن أبي قلابة قال: «ما ابتدع قوم بدعة إلا استحلوا السيف» (^٤).
فالله تعالى قد ذم في كتابه من يتتبع المتشابهات ورسوله ﷺ كما عاقب عمر ﵁ صبيغًا.
وقد صارت هذه العادة سمة وشعارا لأهل البدع والأهواء ومنهجا ينتهجونه في التلبيس، وسلَّما للوصول إلى بغيتهم وطريقًا في تحقيق نواياهم السيئة، ومِعْولًا يهدمون بها أصول الدين، ويعارضون بها الحق بعد ما تبين للناس، ويلبسون به على عقول العوام ويفسدون به دينهم بإلقاء الشبهات تارة وباستخدام الألفاظ المجملة والمعاني مشتبهة تارة أخرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا قال الإمام أحمد في أول ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، مما كتبه في حبسه قال في أوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلي الهدى ويبصرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمي، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضالٍّ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون علي الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم
_________________
(١) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/ ٨٢
(٢) رواه الدارمي برقم ٤٠٦
(٣) المصنف لابن أبي شيبة ١١/ ١٢٦
(٤) الشريعة للأجري ١/ ٤٦
[ ٢ / ١٥٩ ]
فنعوذ بالله من فتن المضلين" (^١)
وقال شيخ الإسلام في تعليقه على كلام الإمام أحمد ﵀: "المبتدعة يستعملون ألفاظ الكتاب والسنة واللغة ولكن يقصدون بها معاني أخر.
والمقصود هنا قوله: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم" (^٢) وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة، التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعانً أُخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال"
سادسًا: من سمات أهل الباطل طعنهم في الصحابة.
فها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعنا صريحا (^٣):
أما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان بن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم، وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم. فنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق.
ثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة (^٤).
وأيضا - كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه. ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين.
_________________
(١) الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد ص ١/ ٦. ومجموع الفتاوى ج ١/ ٣ وج ٤/ ٢١٧ وج ١١/ ٤٣٥، وج ١٥/ ٢٨٤ وج ١٧/ ٣٠٠ ومنهاج السنة ج ٥/ ٢٧٣.
(٢) من كلام الإمام أحمد ﵀.
(٣) الفرق بين الفرق للبغدادي ٣١٨ وما بعدها
(٤) فضل الإجماع ص ١٤٠
[ ٢ / ١٦٠ ]
وأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهور معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة.
أما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة - عدا آل البيت - وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية.
والإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ.
والأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، يلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين وهو طعن فيهم من هذا الوجه. ولهذا قال ابن تيمية ﵀ بعد أن حكى عنهم هذا الكلام -: "ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض" (^١). (^٢)
فالخوارج طعنوا في أصحابِ النبي ﷺ، طعنوا ما طعنوا وكفَّروا ما كفَّروا.
وكذلك جاء من بعدهم المعتزلة حتى يقول العمرو بن عبيد: "لو جاءَ كلا الفريقين عليّ ومَن معه، ومعاوية ومَن معه، يشهدون عندي على حزمة بَقْل ما قبلت شهادةَ أحدٍ منهم" فطعنوا بها في هذه المرجعية، وأطلق عمرو بن عبيد على ابنِ عمر أنه من الحشوية.
سابعًا: من سمات أهل الباطل انتقاصهم لعلوم السلف وقولهم: بأن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
قال ابن تيمية: " ولا يجوز أن يكون الخالفون أَعْلَمَ مِنْ السَّالِفِينَ كَمَا قَدْ يَقُولُهُ بَعْضُ الْأَغْبِيَاءِ مِمَّنْ لَمْ يُقَدِّرْ قَدْرَ السَّلَفِ؛ بَلْ وَلَا عَرَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ حَقِيقَةَ الْمَعْرِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا: مِنْ أَنَّ "طَرِيقَةَ السَّلَفِ أَسْلَمُ "وَطَرِيقَةَ الْخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ " فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ: إنَّمَا أَتَوْا مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا: أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ هِيَ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ لِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ﴾ وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ هِيَ اسْتِخْرَاجُ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧
(٢) المصدر موقع الدرر السنية الموسوعة العقدية
[ ٢ / ١٦١ ]
مَعَانِي النُّصُوصِ الْمَصْرُوفَةِ عَنْ حَقَائِقِهَا بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ وَغَرَائِبِ اللُّغَاتِ. فَهَذَا الظَّنُّ الْفَاسِدُ أَوْجَبَ " تِلْكَ الْمَقَالَةَ " الَّتِي مَضْمُونُهَا نَبْذُ الْإِسْلَامِ وَرَاءَ الظَّهْرِ وَقَدْ كَذَبُوا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ وَضَلُّوا فِي تَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ؛ فَجَمَعُوا بَيْنَ الْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ. وَبَيْنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ بِتَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ. " (^١)
ثامنا: من سمات أهل الباطل أنهم جمعوا بين الجهل والظلم
قال ابن تيمية: "وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ أَصْلٌ فَاسِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى جَهْلٍ وَظُلْمٍ، وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي ظُلْمِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي ظُلْمِ النَّاسِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُسْلِمَ الْعَالِمَ الْعَادِلَ أَعْدَلُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَالْخَوَارِجُ تُكَفِّرُ أَهْلَ الْجَمَاعَةِ، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الرَّافِضَةِ وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ فُسِّقَ. وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَبْتَدِعُونَ رَأْيًا، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ. " (^٢)
تاسعًا: ومن سمات مناهج أهل الباطل أن استدلالاتهم لا تخرج أن الأمور الآتية.
ما يحتج به أهل البدع فشبههم لا تخرج عن أحد الأمور التالية:
١ - إما آيات وأحاديث صحيحة يتأولونها ويتعسفون في تفسيرها حتى توافق ما جاءوا به من الباطل مع أنه ليس فيها دلالة على ما يزعمون ويدعون.
٢ - وإما أحاديث واهية أو موضوعة لا يحتج بها ولا يعتمد عليها بل هي مخالفة لأهم قواعد هذا الدين المبنية على الآيات والأحاديث الثابتة الصحيحة.
وهذا الصنف هو أغلب بضاعتهم، بل وأكثر ما يستدلون به عند عرض بدعهم، إما جهلا منهم بحكم هذه الأحاديث، أو لعلمهم بأن هذا النوع من الأدلة هو مما يسهل ترويج باطلهم عند العوام الذين لا يستطيعون أن يميزوا بين الصحيح والضعيف من الأحاديث.
٣ - وإما بحكايات مكذوبة منسوبة لبعض أئمة هذا الدين الذين لهم في نفوس الناس منزلة ومكانة. وتلك الحكايات مروية بأسانيد مظلمة عن رجال مجهولين وهي مردودة بما اشتهر عن أولئك الأئمة من أقوال ذكرت في كتبهم أو رويت عن طريق تلاميذهم بأسانيد صحيحة تؤكد زيف تلك، الحكايات المنسوبة إليهم وتبرهن على بطلانها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٥/ ٨ - ٩
(٢) منهاج السنة النبوية ٥/ ١٥٧
[ ٢ / ١٦٢ ]
٤ - أو بمنامات لا تخلو من أحد أمرين إما كذب صاحبها أو تلبيس الشياطين عليه، ويشهد لهذا ويؤكده مخالفتها لقواعد هذا الدين وأصوله.
ويا سبحان الله كيف يتصور أن يترك ا، وسلم شرع الله من أجل أحلام ومنامات.
٥ - أو أقوال من تكلم في الدين بلا علم، وليس معه فيما يقول ويدعى دليل شرعي، ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
٦ - أو بحجج هي من جهة الرأي والذوق هي أوهن من بيوت العنكبوت ولا يخفى ضعفها وفسادها ومخالفتها لقواعد هذا الدين وأصوله إلا على الجهلة وأصحاب الهوى أتباع كل ناعق الذين لم يستضيئوا بنور العلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أولئك الضلال أشباه المشركين والنصارى فعمدتهم: إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو منقولات عمن لا يحتج بقوله إما أن يكون كذبا عليه وإما أن يكون غلطا منه إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه كما يفعل النصارى" (^١)
والمقام هنا لا يتسع لعرض تلك الشبه والرد عليها، فمن أراد الاستزادة في هذا الشأن فعليه بمظان ذلك في كتب علماء السلف (^٢)
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول "الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (^٣)
_________________
(١) الرد على البكري (ص ٣٥٢)
(٢) انظر: أ-قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية. ب-الرد على الأخنائي لشيخ الإسلام ابن تيمية. ج-الرد على البكري لشيخ الإسلام ابن تيمية. د-صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان للشيخ محمد بشير السهسواني. هـ-الصواعق المرسلة الشهابية للشبح سليمان بن سحمان. وغاية الأماني في الرد على النبهاني للشيخ محمود شكري الألوسي.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (١/ ٥٠، ٥١)
[ ٢ / ١٦٣ ]
عاشرًا: من سمات أهل الباطل زعمهم أن أهل السنة أَهْلُ تَقْلِيدٍ لَيْسُوا أَهْلَ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ.
قال ابن تيمية: "وَمِنْ الْعَجَبِ: أَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ أَهْلُ تَقْلِيدٍ لَيْسُوا أَهْلَ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وَأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ حُجَّةَ الْعَقْلِ. وَرُبَّمَا حُكِيَ إنْكَارُ النَّظَرِ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَهَذَا مِمَّا يُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِمْ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَيْسَ هَذَا بِحَقِّ. فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ لَا يُنْكِرُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ هَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ. وَاَللَّهُ قَدْ أَمَرَ بِالنَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ فِي غَيْرِ آيَةٍ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَعُلَمَائِهَا أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَلْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْأَمْرِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنْ النَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ وَالتَّدَبُّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَكِنْ وَقَعَ اشْتِرَاكٌ فِي لَفْظِ " النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ " وَلَفْظِ " الْكَلَامِ " فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا مَا ابْتَدَعَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ بَاطِلِ نَظَرِهِمْ وَكَلَامِهِمْ وَاسْتِدْلَالِهِمْ فَاعْتَقَدُوا أَنَّ إنْكَارَ هَذَا مُسْتَلْزِمٌ لِإِنْكَارِ جِنْسِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يُسَمِّي مَا وَضَعَهُ " أُصُولَ الدِّينِ " وَهَذَا اسْمٌ عَظِيمٌ وَالْمُسَمَّى بِهِ فِيهِ مِنْ فَسَادِ الدِّينِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. فَإِذَا أَنْكَرَ أَهْلُ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ ذَلِكَ قَالَ الْمُبْطِلُ: قَدْ أَنْكَرُوا أُصُولَ الدِّينِ. وَهُمْ لَمْ يُنْكِرُوا مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى أُصُولَ الدِّينِ وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا مَا سَمَّاهُ هَذَا أُصُولَ الدِّينِ وَهِيَ أَسْمَاءٌ سَمَّوْهَا هُمْ وَآبَاؤُهُمْ بِأَسْمَاءِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَدْ بَيَّنَ أُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ قَدْ بَيَّنَ فُرُوعَ الدِّينِ دُونَ أُصُولِهِ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَهَكَذَا لَفْظُ النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ ". وَعَامَّةُ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ إنَّمَا تَطَرُّقُ مَنْ لَمْ يَعْتَصِمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا كَانَ" (^١)
الحادي عشر: ومن سمات أهل الباطل تكفيرهم لخصومهم
قال ابن تيمية: "وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَحَدٌ إلَّا وَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ مَقَالَةٌ يُكَفِّرُ قَائِلُهَا عُمُومَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَصْحَابَهُ وَفِي التَّعْمِيمِ مَا يُغْنِي عَنْ التَّعْيِينِ فَأَيُّ فَرِيقٍ أَحَقُّ بِالْحَشْوِ وَالضَّلَالِ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ الرِّدَّةِ فِيهِمْ كَمَا يُوجَدُ النِّفَاقُ فِيهِمْ كَثِيرًا. وَهَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَقَالَاتِ الْخَفِيَّةِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ فِيهَا مُخْطِئٌ ضَالٌّ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ صَاحِبُهَا؛ لَكِنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي طَوَائِفَ مِنْهُمْ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٥ - ٥٦
[ ٢ / ١٦٤ ]
فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَعْلَمُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ؛ " (^١)
الثاني عشر: من سمات أهل الباطل اضطراب أقوالهم وتنقلهم من قول إلى قول.
قال ابن تيمية ﵀: (إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين، فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي ﷺ: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له، بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. ولهذا قال بعض السلف - عمر بن عبد العزيز أو غيره -: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل (^٢) " (^٣)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٣
(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١١٦
(٣) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٠
[ ٢ / ١٦٥ ]
«ثم ذكر: المأثور عن ابن عباس، وجوابه لِنَجدة الحروري». (^١)،
نجدة الحروري: هو نجدة بن عامر الحنفي، الخارجي، الحروري، رأس من رءوس الخوارج، وزعيم فرقة النجدات، انشق عليه أصحابه وقتلوه سنة تسع وستين.
والأثر المذكور نصه عن عكرمة أنَّ نجدة قال لابن عباس: «كيف معرفتك بربِّك؛ لأن مَنْ قبلنا اختلفوا علينا؛ فقال: إنَّ مَنْ ينصب دينه للقياس لا يزال الدهر في التباس، مائلًا عن المنهاج، ظاعنًا في الاعوجاج، أعرفه بما عرف به نفسه من غير رؤية، أصفه بما وصف به نفسه» (^٢).
_________________
(١) نجدة الحروري: هو نجدة بن عامر الحنفي، الخارجي، الحروري، رأس من رءوس الخوارج، وزعيم فرقة النجدات، انشق عليه أصحابه وقتلوه سنة تسع وستين.
(٢) الأثر أخرجه الهروي في «ذم الكلام وأهله» (٧٢٣)
[ ٢ / ١٦٦ ]
«ثم حديث الصورة (^١)، وذكر أنه صنف فيه كتابًا مفردًا، واختلاف الناس في تأويله».
وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنَّ الله خلق آدم على صورته»، فمعناه: أن الله جل وعلا خلق آدم على صورة الرَّحمن ﷾؛ يعني: على صفاته سبحانه، فخصَّ آدم من بين المخلوقات بأنَّ له من الصفات مِنْ جنس صفات الله جل وعلا؛ فلله ﷾ وجه وجعل لآدم وجهًا، وله سمع وجعل لآدم سمعًا، وله بصر وجعل لآدم بصرًا، إلى آخر ذلك.
فهذا اشتراك في الصفة، والاشتراك في الصفة لا يعني الاشتراك في الكيفية، وكما جاء في الحديث: «خلق الله آدم على صورته»، ف (على) تقتضي الاشتراك في جنس الصفة وفي أصل معناها، ولا تقتضي المشابهة ولا المماثلة في الكيفية ولا في الصفة.
وهذا هو التحقيق في معنى الحديث، خلافًا لمن فهموا منه التمثيل أو التشبيه أو الذين ردوه أو الذين جعلوا معنى الصورة: الصورة الخاصة، وليست الصورة العامة التي هي بمعنى الصفات.
فالله سبحانه له صورة مثل ما جاء في أحاديث كثيرة غير حديث الصورة هذا، كما جاء مثلًا في الحديث: «قالَ أُنَاسٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقالَ: «هلْ تُضَارُّونَ في الشَّمْسِ ليسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟». قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ. قالَ: «هلْ تُضَارُّونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ليسَ دُونَهُ سَحَابٌ». قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: «فإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَومَ القِيَامَةِ كَذلكَ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ، فيَقولُ: مَنْ كانَ يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، ويَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، ويَتْبَعُ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ،
_________________
(١) وهو ما أخرجه البخاري ومسلم (٢٦١٢) من حديث أبي هريرة ﵁: «إذا قاتَلَ أحَدُكُمْ أخاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ، فإنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ علَى صُورَتِهِ».
[ ٢ / ١٦٧ ]
وتَبْقَى هذِه الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في غيرِ الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: نَعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ، هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ» (^١).
فجاء في هذا الحديث إثبات الصورة لله جل وعلا؛ فالله ﷾ له صورة تليق بجلاله وعظمته، ولا يجوز أن نجعل هذه الصورة كصورة الإنسان؛ لأن هذا تمثيل والقاعدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير في حديث النبي ﷺ: «إذا قاتَلَ أحَدُكُمْ أخاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ، فإنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ علَى صُورَتِهِ»، قال: «ليس معناه أن صورةَ آدمَ مماثلةٌ لصورةِ الرحمنِ ﷾، ولكن معناه: أن لآدمَ صورةً مشتمِلةً على صفاتٍ نظيرَ الصفاتِ التي أُثْبِتَتْ للرَّحمنِ، فآدمُ له وجهٌ يليق به، واللهُ له وجهٌ يليق به، وآدمُ له بصرٌ وسمعٌ ويدٌ ورِجْلٌ على ما يليق به، واللهُ له بصرٌ وسمعٌ ويدٌ ورِجْلٌ على ما يليق به ﷾، فكلٌّ له ما يَخُصُّه وإن اتَّحَدَ الاسمُ. ويشهد لذلك أن في الجنةِ رُمَّانًا وفي الدنيا رمانًا، ولا يلزم من ذلك التماثل؛ إذ ليس في الجنةِ مما في الدنيا إلا الأسماءُ، ومجردُ الاتفاقِ في الاسمِ لا يعني الاتفاقَ في المسمى من كلِّ وجهٍ، وجاءَ في الحديثِ الصحيحِ: «أولُ زُمْرةٍ تدخُلُ الجنةَ على صورةِ القمرِ» (^٢)، وليس معنى هذا أن هؤلاء يدخلون الجنَّةَ بهذا الشكلِ المُدوَّرِ الذي لا يَشتَمِلُ على عينٍ ولا أنفٍ ولا فمٍ ولا غيرها، لكِنْ لهم صورةٌ كما أن للقمرِ صورةً. وكذلك الحال في حديث: «خلق الله آدم على صورته»، فلا يعني أن الصورة مثل الصورة. والله أعلم».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ١٦٨ ]
«ثم قال: وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل الزيغ، وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المُثبتة إن شاء الله».
يشير هنا إلى أمرين:
الأمر الأول: ثبات قول أهل الحق واتفق قولهم.
ولذلك من مزايا أهل الحق الثبات، فقول أصحاب النبي ﷺ هو قولنا في هذا اليوم، لم يختلف ولم يتبدل، ليس لنا مصدر إلا من هذا الطريق.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة، أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة" (^١)
ولذلك أهلُ السنَّةِ قديمًا وحديثًا، شرقًا وغربًا، وعلى اختلاف أزمانهم وأماكنهم هم على قولٍ واحد في سائرِ أمورِ هذا الدين وبالتحديدِ في أصولِ هذا الدين، لا تجدُ اختلافًا ولا تجدُ اضطرابًا فقولهم في أسماء الله وصفاته واحد، وقولهم في بابِ الإيمان واحد، وقولهم في بابِ القدَرِ واحد. إلى غيرِ ذلك من مسائل الدين.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وربنا واحد، ورسولنا واحد، وكتابنا واحد، وديننا واحد، وأصل الدين ليس بين السلف وأئمة الإسلام فيها خلاف، ولا يحلّ الافتراق، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران ١٠٣] " (^٢)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرًا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة .. ومن صبر من أهل الأهواء على قوله، فذاك
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ٥١.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٠٥.
[ ٢ / ١٦٩ ]
لما فيه من الحق، إذ لابد في كل بدعة - عليها طائفة كبيرة - من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويوافق عليه أهل السنة والحديث: ما يوجب قبولها، إذ الباطل المحض لا يقبل بحال.
وبالجملة: فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة.) (^١)
ولذلك قام علماء الإسلام بحفظ آثارهم وأقوالهم، وحفظوها، ونقلوها بأسانيدها كما نقل كلام الله ﷿، وكلام نبيه ﷺ، فاستقاموا على هذا الأمر. فإذا لو سئل صاحب السنة: ما مصدر التلقي عندكم فالجواب: كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ على وفق فهم السلف الصالح. فإذًا الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر.
الأمر الثاني: تميز أهل السنة باتصال السند.
تميَّز قول أهل السنة باتصال السَنَد، فما كان عليه أصحابُ النبي ﷺ فأهل السنة-بحمد الله تعالى-يقولُون به إلى يومنا هذا ويعتقدونه ويدينُون الله ﷿ به، فسندهم متصل، بخلافِ أهلِ البدعِ والأهواء فنجد أن سندهم منقطع؛ ينقطعُ إلى فلانٍ من الناس ولا يمكنُ بأي حالٍ من الأحوال أن يتصلَ ذلك إلى أصحابِ النبي ﷺ فضلًا عن أن يتصلَ إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ.
ويصف الأصفهاني هذا الأمر فيقول: "ومما يدل علي أن أهل الحديث هم أهل الحق، أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار - وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافًا ولا تفرقًا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأن جاء على قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دين أبين من هذا؟ " (^٢)
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ٥٠.
(٢) الحجة في بيان المحجة ٢/ ٢٢٤.
[ ٢ / ١٧٠ ]
«ثم ذكر الخلاف في الإمامة واحتج عليها»
مسألة الإمامة الكبرى يذكرها علماء أهل السنة والجماعة في ضمن مسائل الاعتقاد وذلك تحت عنوان الخلافة والإمامة، ومعلوم أن الإمامة على نوعين: صغرى وكبرى، فالصغرى إمامة الصلاة، والعظمى أو الكبرى إمامة المسلمين.
فدونوا هذه القواعد في هذه المسائل في كتب عقائدهم لكي يعرف الإنسان ماذا يجب عليه تجاه ولي أمره، لما في ذلك من المصالح الكبرى والصغرى المتحققة من جراء ذلك
وهناك عدد من المسائل تحت هذا الباب: