باب القول في زيادة الإيمان ونقصانه
قال الله ﷿: ﴿ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾. وقال: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾، وفال: ﴿وإذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا﴾. وقال: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾.
فثبت بهذه الآيات أن الإيمان قابل للزيادة.
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن زيادة الإيمان زيادة العلم والمعرفة، فإن للعلم منازل. أولها غالب الظن ثم اليقين ثم الضرورة.
فالجواب: أن يقال له: أخبرنا عن اليقين الواقع للمؤمن، أهو إيمان؟ فإذا قال: نعم! قيل له: فزيادة اليقين الواقعة له إيمان. فإن قال: لا! قل له: فكيف يزداد الأيمان بما ليس بإيمان؟ وإن قال: هي إيمان! قيل: فقد زاد الإيمان بكل حال، ووجب إذا كان الناس متفاضلين في يقينهم، فكان منهم من هو كالمضطر إلى العلم في أنه لا يتهيأ تشكيله في الدين بشدة سكون قلبه إلى معتقدة، ومنهم من يكون دونه حتى لا يؤمن عليه التشكيل إن دخلت عليه شبهة، وجب أن يكونوا متفاضلين في إيمانهم وبطل أن يكونوا في الأيمان سواء، فضلا في أن يكونوا والملائكة والنبيين- صلوات الله عليهم- وغيرهم فيه سواء. ويقال: أرأيت زيادة اليقين؟ هل يقع إلا عن دلالة تقوم وتظهر فيسلم لها ويوثق بمدلولها؟ فإذا قال: بلى! قيل له: فالاستسلام لها والتصديق بمدلولها طاعة زائدة بعد حصول حقيقة الإيمان، فما جاز أن يزيد الإيمان بها. فما أنكرت أنه يزيد بكل طاعة؟
[ ١ / ٥٥ ]
فإن قال: إنما زاد الإيمان بقبول الدلالة الزائدة في اليقين لأن قيامها إنما كان على نفس ما سبق اعتقاده من الإيمان، فكان قبولها قبول الإيمان، وليس كذلك الصلاة مثلا وإن كانت طاعة. ولا الصيام، ولا الصدقة، لأنه غير الإيمان الذي تقدم اعتقاده، والإقرار به.
قيل له: إن الدلالة الثانية، إن كانت قائمة على نفس المعتقد الأول، فليس المعتقد هو الإيمان. إنما الاعتقاد الذي هو فعل العبد، هو الإيمان. فأما المعتقد لثبوت البارئ من أنه البارئ، ووحدانيته، ونبوة النبي ﷺ، فذاك مؤمن به وهو نفسه موجود ثابت صدق به أو كذب. فإذا كان كذلك، فالدلالة الثانية إذا أدت من قامت له إلى الاعتقاد مثل الأول- حتى لو لم يكن الأول لكان بالثاني مؤمنا، فازداد بالمعتقد بصيرة وسكون قلب إليه وثقة به- كان إيمانه زائدا بزيادة اعتقاد حادث. وذلك الاعتقاد ليس إلا التصديق. فكذلك إذا صلى بعد إيمانه أو صام فقد زاد تصديقا لأن من لا يصدق بالله لا يصوم ولا يصلي "كما أن من لا يصدق بالله لا يشهد له بالوجود والوحدانية والخلق والأمر، فقد صار اتباع الصلاة والصيام الإيمان كاتباع الاعتقاد الاعتقاد. فإذا كان كذلك زيادة إيمان وجب أن تكون الصلاة زيادة إيمان.
وقال قائل: معنى زيادة الإيمان المذكورة في هذه الآيات إعادة لفظ الإيمان وتكرره، ويسمى الازدياد من ألفاظ الإيمان ازدياد مجازا، ويدل على ذلك أنه لم يقل ليزيد إيمانهم وإنما قال: ﴿ليزدادوا إيمانا﴾ ليستكثروا منه بأن يعيدوه ويكبروه.
فالجواب: بأنه لا فرق بين قول القائل: ازددت إيمانا وبين قوله: زاد إيماني، كما لا فرق بين قوله: ازددت مالا، وبين قوله: زاد مالي، ولا بين قوله، ازددت أولادا، وبين قوله: زاد أولادي، فإذا كان كذلك، لم يحصل هذا السائل من فرقة بين العبادتين على عوض صحيح. ثم الذي قال حجة عليه، لأنا نسأله عن تكرير الإيمان: إيمان هو أم لا؟.
فإن قال: ليس بإيمان! قيل له: فكيف يزداد المكرر إيمانا بأن تلفظ بما ليس بإيمان! أرأيت لو روى خبر أو أنشد شعر أكان يكون مرداد إيمان، فكيف صار يتكرر لفظ الإيمان مردادا إيمان، إن لم يكن ما لفظ به إيمانا؟.
[ ١ / ٥٦ ]
فإن قال: هو إيمان. قيل له: أرأيت لو حكاه عن غيره، أو قرأه من كتاب يريد أن يبثه لغيره، كان يكون مرداد إيمان. فإذا قال: لا! قيل له: فهلا علمت أنه أراد التقرب بتكريره، إنه إنما كان ذلك إيمانا منه، يكون به مرداد إيمان، لأنه قربة منه وبر، وكل بر وقربة فواجب أن يكون إيمانا، وفاعله مردادا من إيمان، ومما يدل على أن الإيمان قابل للزيادة، إجماعهم على أن المولود من المسلمين مؤمن، فإذا بلغ عاقلا فأحدث اعتقادا وإقرار كانا منه إيمانا، وهذا زيادة إيمان كانت منه. فثبت أن المؤمن قد يؤمن فيزداد إيمانه المتقدم بانضمام المتأخر إليه.
فإن قال: إنما كان هذا إيمانا منه لأنه لو لم يفعله لكان كافرا. وهل في سائر الطاعات مفقود، قيل: ليس كذلك! لأنه لو بلغ ولم يخطر بقلبه أنه يحتاج إلى تحديد الإيمان، أو كان بلوغه الستين فلم يعلم أنه قد بلغ، فأحدث اعتقادا للحق، ويشهد به للعادة لكان ذلك منه إيمانا، ولو لم يوجد ذلك منه ما كان كافرا، إنما يكفر إذا أبى وامتنع بعد البلوغ.
فأما إذا كان تركه تحديد الاعتقاد والشهادة، لأن ذلك لم يخطر بقلبه، وكان ذاهلا عنه، أو لأنه لم يعلم أنه قد بلغ فليس ذلك بكفر، ومع هذا لو شهد لكان مؤمنا، فعلمنا أن ذلك لم يكف إيمانا لأن تركه كفر، ولكن لأنه طاعة في نفسه، فوجب أن تكون كل طاعة إيمانا. وهكذا الأخرس من علة يؤمن باعتقاده وإشارته، فيكون مؤمنا فإذا برأ وزال عنه العلة وجب أن يتشهد فكان تشهده إيمانا على إيمان. وإذا ثبت ما قلناه، فقد ظهر إن المؤمن قد يؤمن فيكون بإيمانه الثاني مردادا من الإيمان، والله أعلم.
دليل آخر: وهو إجماعهم أن الناس لما آمنوا بالله تعالى وبالنبي ﷺ كانوا مؤمنين. فلما جاءهم بالصلاة فقبلوها كان ذلك إيمانا منهم، فلما جاءهم بالزكاة فقبلوها كان ذلك إيمانا منهم. وكلما جاءهم بطاعة فقبلوها كان ذلك إيمانا منهم، وهم في كل ذلك من قبله مؤمنون. فصح أن المؤمن قد يؤمن فيزداد ما تقدم من إيمانه بما تأخر.
فإن أعادوا سؤالهم وقالوا: إنما كان يكون قولهم كل ما جاء به إيمانا، لأنهم لو امتنعوا كانوا كفارا، ولسنا ننكر أن ما كان تركه كفرا كان فعله إيمانا، وإنما نخالفكم فيما لا يكون تركه كفرا.
[ ١ / ٥٧ ]
قيل لهم: إن قبولهم الشيء بعد الشيء، مما كان يشرع لهم إذا كان لا يحتاج إليه لرفع كفر واقع موجود، وإنما يخشى أن يعودوا كفارا إن لم يقتلوا، فهم فيما بين حدوث العلم لهم بما قد شرع وبين قبوله، وفي حال القبول مؤمنون ثم القبول زيادة إيمان منهم. فثبت بهذا جواز أن يكون للإيمان امداد إذا تلاحقت زاد الإيمان بها. وعلى أنهم إنما احتاجوا إلى القبول لئلا يكفروا بالرد، كان القبول منهم طاعة، كما لو ردوا فكفروا كان ذلك منهم معصية، فبأن أن قبولهم إنما كان إيمانا لأنه كان طاعة، فوجب أن تكون كل طاعة في إيمان إيمان.
وجواب آخر: وهو أن قبول ما يتجدد شرعه في زمان الشرع إذا كان إيمانا، لأن تركه كفر ورفع لما تقدم من عقد الإيمان بالقلب واللسان، فوجب أن يكون التعفف عن كل كبيرة وتركها لوجه الله تعالى إيمانا، لأن تركه إلى خلافه جرح للإيمان. والجرح في مناقضه المجروح كالفسخ في مناقضة المفسوخ.
ألا ترى أن محظورات الإحرام كلها مضادة للإحرام، وإن كان أحدهما مختصا بالإفساد لأنها إن كانت لا تفسده فلا يخلو من أن يجرحه. والجرح كالإفساد وإن اختلفا في أن الإفساد يرفع الإحرام كله، والجرح ينقضه ولا ينقضه فكان يرفع بعضه. فلذلك كل ما يجرح الإيمان فهو في مناقضه كالمفسد له. فإذا كان القبول لما تجدد شرعه إيمانا لأن خلافه رافع للإيمان، وجب أن تكون الصلاة في وقتها إيمانا، لأن تركها، حتى يخرج وقتها من غير عذر، خارج للإيمان. ألا ترى أن الإمساك في الإحرام إذا كان إحراما لأن الإقدام عليها رافع له كان الإمساك عن الحلق، وقيل الصيد وتقليم الظفر إحراما، لأن الإقدام عليها خارج للإحرام. والله أعلم.
فإن قيل: ومن سلم لكم أن ترك الفرض جارح للإيمان!
قيل: أجمعت الأمة على تسمية الفسق جرحا. ومعلوم أن ذلك ليس جرحا لبدنه، إنما هو جرح لدينه.
فإن قيل: أرادوا بذلك جرح عرضه. قيل: وليس تحت جرح العرض إلا لصاق شين وسبة به، ولو لم يكن ما ينسب إليه من الفسق ناقصا من دينه شيئا لم يكن شيئًا ولا
[ ١ / ٥٨ ]
سبه، فصح أن عرضه إنما يصير مجروحا بالفسق لئلا يلتصق عن ذلك به من نقصان الدين والله أعلم.
وجواب آخر: وهو أن يقال لمن سأل هذا السؤال: أخبرنا عن اليهودي المشبه الذي يزعم أن عزيرا ابن الله، والنصراني الذي زعم أن المسيح ابن الله. إذا قال اليهودي لم يكن المسيح نبيا، أيكون هذا كفرا منه. أو النصراني إذا قال مثل ذلك لنبينا ﷺ، أيكون كفرا منه؟ فإذا قال: نعم! قيل له: أرأيت لو قال اليهودي: كان المسيح ومحمد نبيين، ولكنه لم ينزع عن قوله عزير ابن الله، أو قال النصراني: محمد رسول الله ولم ينزع عن قوله "المسيح ابن الله" أيكونان مؤمنين؟ فإذا قال: لا! قيل له: فإذا جاز أن يكون كل واحد منهما مردادا من الكفر بشيء، لو تركاه لم يكن تركهما له إيمانا. فلم لا أجزت أن يكون المؤمن مردادا من الإيمان بشيء، لو تركه كفرا! وما الفرق؟
وجواب آخر وهو أن الرفض والنفل مجتمعان، في أن فعلهما طاعة وبر، ثم يختلفان، فيكون ترك الفرض معصية، ولا يكون تركا لنفل معصية، ولا يستدل بافتراقهما في ذلك على افتراقهما في أن يكون فعلوا طاعة فلذلك قبول الفرض بعد الفرض عن النبي ﷺ، وفعل الفرض بعد الفرض يجتمعان في أن يكونا إيمانا، ويفترقان في أن يكون ترك القبول كفرا، ولا يكون ترك الفعل كفرا. ولا يجب على افتراقهما في ذلك، افتراقهما في أن يكون فعلهما جميعا إيمانا.
وجواب آخر: وهو أن مفارقة الفعل القبول، في أن ترك القبول كفر، وترك الفعل ليس بكفر، لا يوجب الفرق بينهما في أن يكون كل واحد منهما إيمانا. فإن الله ﷿ قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ فألزم الصحيح المقيم أن يصوم، وألزم وجعل للمريض والمسافر أن يصوم مكان الشهر عدة من أيام أخر. فالصحيح المقيم إن لم يصم عصى وفسق، والمريض والمسافر إذا لم يصم، لم يعص ولم يفسق ولم يمنع افتراقهما- من هذا الوجه- أن يتفقا في أن كل واحد منهما إذا
[ ١ / ٥٩ ]
صام كان بارا مطيعا مؤديا فريضة الشهر. ولم يجز أن يقال: إن الصحيح المقيم إذا صام مطيع، لأنه لو لم يصم كان عاصيا. والمريض والمسافر إذا صاما فليسا بمطيعين، لأنهما لو لم يصوما لم يكونا عاصيين. فكذلك القابل للفرض والفاعل له، مطيعان مؤمنان، هذا بقبوله وذاك بفعله، ولو كان القابل لو لم يقبل "لم" يكفر، والفاعل لو لم يفعل لم يكفر.
فإن قيل: المريض إنما لم يعص بالفطر لأنه خير بين الصوم وبين الفطر. قيل: أليس التخيير غير حكم فطره ولم يغير حكم صومه، فلا تنكروا أن الدليل قد غير حكم ترك الطاعات ومنع من أن يكون ذلك كفرا، ولا يغير حكم فعلها، ولا يمنع من أن يكون إيمانا، وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: القبول لكل ما تجدد شرطه بمنزلة عادة الإيمان المتقدم، لأن الإيمان المتقدم اشتمل على القبول لما جاء به النبي ﷺ فسواء كان قد جاء بما بعث بع جملة، أو جاء به شيئا فشيئا.
فالجواب: أنه لو كان إعادة بالتقدم لم يحتج إليه، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه لما بعث معاذ إلى اليمن قيل له: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله، فإن هم أجابوك إلى ذلك، فأعلمهم أن عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم)، فلو كان الاعتراف بالله ورسوله قبولا لكل ما يؤديه الرسول عن الله تعالى. قال لهم: فإن هم أجابوك إلى رسول الله فأعملهم أن عليهم الصلاة والزكاة. ولما لم يقل ذلك بل علق كل أمر من ذلك بإجابة إليه جديدة، صح أن التصديق المتقدم على سبيل الأعمال لا يعني عن القبول عند التفصيل. وأكد هذا وأوضحه أن قبول الفرض إنما يجب ويصح بعد الفرض ويستحيل أن يقع القبول لما لم يفرض.
فثبت بهذا أن القابل للفرض عند الدخول في الإيمان، ليس قبول ما لم يفرض، لكنه التزام لقبوا ما يعرض، فإذا وقع الفرض وجب القبول والوفاء بما تقدم من التزامه، لا أنه يقع ملتزما مقبولا، ألا ترى أن الذين آمنوا بموسى وعيسى ﵉، وسمعوا منهما البشارة بالنبي ﷺ، والتزموا الإيمان به أن لحقوا أيامه وأدركوا بعثه، فلو بعث
[ ١ / ٦٠ ]
وهم أو بعضهم أحياء، لم يكونوا بمجرد تصديقهم المبشرين به بعينه، حتى يحدثوا إيمانا به وتصديقا له.
فكذلك المصدق بالنبي ﷺ، وإن التزم قبول ما يأتي به فذلك لا يجعله عندما يأتي به قابلا له ملتزما إياه. حتى يحدث له قبولا. فثبت أنه إذا قبل، كان ذلك القبول منه إيمانا حادثا وراء ما قدم من الإيمان، وانضمام الإيمان إلى الإيمان، فوجب ازدياد السابق باللاحق. فصح أن الإيمان قابل للزيادة، والله أعلم.
ودل الكتاب على ما وصفت "قال الله ﷿: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾
وقال ﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا﴾. فبأن أن رشح الصدر بالحكم الحادث والتسليم له محتاج إليه، وإن كان التزام الإيمان بكل من يبعثه الله تعالى وبرسله قد تقدم، والله أعلم.
وأيضا فإنه إذا ثبت إحداث القبول لما يحدث فرضه إيمانا، وكان القبول في هذا الوقت تنفيذ الملتزم منه الفرض، وجب أن يكون تنفيذ كل ملتزم إيمانا مثله، إذ لا فرق بين التزام قبول الصلاة إن شرعت، ثم قبولها عندما تشرع، وبين قولها إذا شرعت ثم فعلها إذا دخل وقتها، والله أعلم.
ومما يدل على زيادة الإيمان ونقصانه قول النبي ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا). فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وإن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم. فبعضهم أكمل إيمانا من بعض.
فإن قال قائل: هذا من أخبار الآحاد، وكتاب الله ﷿ أولى منه، والله ﷿ يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وليس بعد الكمال شيء! فثبت أن دين الله تعالى محدود ولا يحتمل زيادة عليه، ولا نقصانًا منه.
[ ١ / ٦١ ]
فالجواب: أن معنى قول الله ﷿: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أي أكملت لكم وضعه، فلا أفرض عليكم من بعد، ما لم أفرضه إلى اليوم. ولا أضع عنكم بعد اليوم ما قد فرضته قبل اليوم، ولا تغليظ من الآن ولا تخفيف، ولا نسخ ولا تبديل. وليس معناه أنه أكمل لنا ديننا من قبل العلم لنا، لأن ذلك لو كان كذلك لسقط عن المخاطبين بالآية الدوام على الإيمان. لأن الدين قد كمل وليس بعد الكمال شيء وإذا كان الدوام على الإيمان مستقبلا وهو إيمان، فكذلك الطاعات الباقية التي تجب شيئا فشيئا كلها إيمان. والكمال راجع إلى كمال الشرع والوضع لا إلى كمال أداء المؤدين له وقيام القائمين به والله أعلم.
ثم إن في الجواب ما يشتق منه العلم بزيادة الإيمان، لأن الإيمان فرض دائم. ولكنه لما لم يكن في الوضع استدامة عقده بالقلب والإعراب عنه باللسان، جعل ما يقع من ذلك على الصحو كالمكرر على الدوام في كل وقت ما لم يتعقب بالنقص والإفساد. وإذا كان الدوام على الإيمان بمعنى التحديد في كل زمان، صح أن للمؤمنين في كل وقت إيمانا وذلك يوجب أن يكون كل متقدم منه مردادا بما يحث بعده، كما أنه إذا كانت في كل وقت صلاة، وجب أن يكون ما تقدم من صلاته مردادا بما يعقبها والله أعلم.
وإن قال قائل: الزيادة على الإيمان لا تتحقق إلا وراء الإيمان، كما أن الزيادة على المكتوبات الخمس لا تكون إلا خارجة منها؛ والزيادة على الصيام لا تكون إلا وراء إيمانه والزيادة على الدين لا تكون إلا بعد إيفائه بتمامه فكذلك الزيادة على الإيمان، إن كانت فينبغي أن تكون بعد إيفاء الإيمان بتمامه وانتهائه إلى غايته، ثم الزيادة عليه. وإذا كان من قولكم أن إيمان المؤمن إنما ينتهي بتناهي عمره! فأنى يتوهم الزيادة عليه؟
فالجواب: أن الزيادة على الصلوات الخمس كما لا تكون إلا خارجة منها، والزيادة على الصيام المفروض لا تكون إلا خارجة منها، فكذلك الزيادة على الإيمان الذي هو بضع وسبعون شعبة، لو كانت، لم تكن إلا خارجة منها. ولكن الإيمان الذي يتشعب هذه (الشعب)، ينبغي أن تكون كل شعبة منها إيمانا. كما أن فرض الصلاة إذا انقسمت إلى خمس صلوات في خمسة أوقات، ثم انقسمت كل صلاة منها إلى ركعات، وجب أن تكون كل شعبة من هذه الشعب صلاة.
وكما أن فرض الصيام إذا انقسم إلى أيام الشهر، كان صوم كل يوم صوما بالحقيقة وركنا.
[ ١ / ٦٢ ]
كما أن الزيادة على الدين، وإن لم تكن إلا وراء الدين، فإن كل جزء من أجزاء الدين دين. فلذلك لما ثبت بالحديث: (إن الإيمان بضع وسبعون شعبة) وجب أن تكون كل شعبة منها إيمانا. وإذا وجب ذلك لزم أن تكون كل شعبة مما تقدمت تزداد بما يتبعها من شعبة مثلها. فيكون الآتي بجميع هذه الشعب كامل الإيمان، والآتي ببعضها ناقص الإيمان والله أعلم.
فإن قال قائل: لو كانت هذه الشعب كلها إيمانا لاستحال أن يكون من يعرفها مؤمنا!
فالجواب: إن هذه دعوى لا برهان عليها لأنه لا خلاف في أن الإيمان بأنبياء الله يصح على غير معرفة بعددهم وصفاتهم وأسمائهم. فكذلك الإيمان بكتب الله تعالى يصح من غير علم بما فيها، وقبول ما جاء به نبينا ﷺ يصح من غير علم بأركانها وشروطها. فكذلك الإيمان ممن لا يعلم في الحال شعبه وأبوابه والله أعلم.
ومما يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قول النبي ﷺ للنساء (أنكن ناقصات عقل ودين، قفلن يا رسول الله: ما نقصان عقلنا وديننا؟ قال: أما نقصان دينكن، فهو أن الواحدة منكن تجلس نصف دهرها لا تصلي. وأما نقصان عقلكن فهو أن شهادة اثنتين منكن عدلت شهادة واحد).
فإذا كانت المرأة لنقصان صلاتها عن صلاة الرجال تكون أنقص دينا منهم، مع أنها غير جانية بترك ما تترك من الصلاة، أفلا يكون الجاني بترك الصلوات انقص دينا من المقيم بها المواظب؟؟ وفي هذا ما أبان خطأ من يقول (إيماني وإيمان الملائكة واحد) مع أخبار الله ﷿ بأنهم ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾. ومعنى التسابيح الصلاة لقوله ﷿: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ليوم يبعثون﴾. وبقوله ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾. وكقوله ﷿: ﴿سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾.
[ ١ / ٦٣ ]
فإذا كانت المرأة من أجل أنها انقص صلوات من الرجل انقص دينا منه، فينبغي أن يكون البشر الذيم يصلون كل يوم وليلة خمس صلوات انقص دينا من الملائكة الذين يصلون الليل والنهار لا يفترون. ثم وجب أن المستويين في مقدار الصلاة إذا كان أحدهما أكمل صلاة كان أكمل إيمانا. والملائكة أكمل صلاة من البشر لأن صلاتهم تخلص عن الإنكار التي لا يليق بها فربما أنسيت مرضا أو حدثت سهوا، وصلاة البشر لا تحلو من أمثالها فصح أنهم أكمل صلوات من البشر، فوجب أن يكونوا أكمل إيمانا.
ودليل آخر: وهو أن المعطل وإن كان كافرا بتعطيله، فإن نصرته للتعطيل ودعوته إليه وذبه عنه كفر، والمشبه وإن كان كافرا فإنه كلما أحدث تشبيها كان قد أحدث كفرت مثبت أن المسلم كلما وحد الله وذكره واثنى عليه وقدسه وسبحه كان بذلك المستحدث إيمانا، قياسا على التعطيل إذا كان في أصله كفرا كان الإثبات في أصله إيمانا، وإذا كان التشبه والتشبيه كفرا، كان التوحيد والتقديس إيمانا. وفي هذا ما أبان أن الزيادة في التوحيد والذكر زيادة إيمان. والله أعلم.
فصل
وإذا صبت أن الإيمان يزيد وينقص، فتبين أنه كيف يزيد وكيف ينقص وبالله التوفيق أن الإيمان ينقسم إلى أصل وفرع، فأصله: الاعتقاد والإقرار. والفروع هي الطاعات كلها. وإنما كانت إيمانا لأن الإيمان هو التصديق. والتصديق الواقع بالقلب واللسان هو الذي يحرك على سائر الطاعات ويدعو إليها. وإنما يقع من المؤمن قصدا إلى تحقيق القول بالفعل وتسوية الظاهر بالباطن، ولأن الطاعة لا تكون إلا لأمر، كما أن الاعتراف لا يكون إلا لذي حق واجب. فلما كان الاعتراف إيمانا لما فيه من إشارة التعرف له والتصديق به، وجب أن تكون الطاعات لأوامره إيمانا له فيها من إثباته والتصديق به. وإنما قصد بالطاعة المبايعة للاعتراف، فجعلها فروعا.
إن الاعتقاد والاعتراف باللسان يصح وجودهما في أنفسهما عاريين وراءهما، فإذا وجدا بعثا وحركا على غيرهما من العبادات، ولا يكون وجود الصلاة مثلا أو الصيام أو
[ ١ / ٦٤ ]
الحج من أحد مع جحد الباري جل ثناؤه، أو جحد الرسول الجائي لهذه الفرائض، حتى إذا وجدت حركت وبعثت بعد الاعتقاد والاعتراف. فعلمنا أن الاعتقاد والاعتراف هما الأصل إذ كانا يصحان بأنفسهما. ثم لا يصح أن يقال هذا لأن الموجود من المقر هو المعتقد، وإذا صحا استتبعا غيرهما وإن نما وراءهما. وفروع إذا كانت تحتاج إلى معنى آخر يثبت قبلها ويستتبعها، ولم يجب عليها أن يصح بأنفسها ثم تستتبع غيرها، والله أعلم.
فإن قيل: فالاعتقاد هو المحرك على الإقرار. فقل: إن الإقرار فرع وليس بأصل. قيل: لا يصح أن يقال هذا لأن الموجود من المقر هو المعتقد والموجود من المعتقد هو المقر به، وهما جميعا التوحيد الصريح. لأن الإقرار توحيد صريح، فلما كان أحدهما هو الآخر وإنما يختلفان في الآلة لا في أنفسهما، لأن أحد الفعلين باللسان والآخر بالقلب، لم يجز أن ينقسما إلى أصل وفرع. لأن الانقسام إنما يليق بعملين، وقد بينا أن الاعتقاد والإقرار عمل واحد. وأما سائر الطاعات فاتباع لهذين لأنهما اللذان يحركان عليها ويدعوان إليها كما تقدم وصفها، فلاق لها أن تكون فروعا لهما والله أعلم.
وإذا ثبت أن الطاعات إيمان، فإن أصل الإيمان إذا حصل إثم تبعته طاعة زاد الإيمان المتقدم بها، لأنه إيمان انضم إليه إيمان كما يقتضيه، ثم إذا تبعت تلك الطاعة طاعة أخرى ازداد الأصل المتقدم بها لأنه إيمان انضم إليه إيمان والطاعة التي تلته بها، لأن الأصل كان يقتضي هذه من طريق أنه كان تحرك عليها لما فيها من تحقيق القول بالعمل، وتعديل الباطن بالظاهر والطاعة بالأولى كانت تقضيها أيضا لاشتراكهما في أمر الآمر بهما، فلا جائز أن يفرق بينهما في الفعل بعدما جمعهما الأمر الذي لأجله كان ما وجد منهما، ثم على هذا إلى أن نكمل شعب الإيمان هذه إحدى العلتين، والعلة الأخرى أن الطاعات لما كانت لا تكون إلا لأمر كانت إذا وجدت إثباتا له وتصديقا به كالإقرار. فإذا كان الإيمان هو التصديق فكلما انضم تصديق إلى تصديق فواجب أن يزداد الأول بالثاني ويتكثر به، فيقال زاد الإيمان، والله أعلم.
وأما نقصان الإيمان فقد اختلف فيه، فقيل أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وقيل: بل ينقص كما يزيد! ومن قال هذا فللنقصان عنده تأويلان: أحدهما: أن نقصان
[ ١ / ٦٥ ]
الإيمان انفراد أصله عن فروعه، أو انفراد أصله وبعض فروعه عما نفي منها مما اشتمل عليه الخطاب والتكليف. لأن النقصان خلاف الزيادة، فكلما وصفت به الزيادة وجدت، وجب أن يكون خلافه هو النقصان. فإذا قيل لمن آمن وصلى زاد إيمانه، وجب أن يقال لمن آمن ووجبت عليه الصلاة فلم يصل أنه ناقص الإيمان!.
وإذا قلنا لمن آمن ووجبت عليه الصلاة فصلى، ولما وجبت عليه الزكاة منعها، أنه ناقص الإيمان! فمعنى ذلك أنه عدم منه فعل مأمور به، ولو وجد منه كان إيمانا في نفسه وزاد به متقدم إيمانه. فلما لم يكن أوجب ذلك انفراد إيمانه المتقدم عما كان من مقتضاه ومعناه في الحقيقة معناه كان ذلك ناقصا.
والتأويل الثاني: أن نقصان الإيمان قد يكون من هذا الوجه، وقد يكون نقصانا يلحقه بارتفاع شعبة شعبة، كانت موجودة فبطلت عليه وارتفعت، فنقص إيمانه. يعني أن الزيادة التي كانت لإيمانه لأجل تلك الشعبة، فلما عدمت فحل النقص محلها وأخذ مكانها. وذلك عند قائل هذا القول أن يأتي الرجل بفرع أو أكثر من فروع الإيمان، لم يرتكب معصية وذلك أن هذه المعصية تحبط ما تقدمها من الطاعات بقدرها، فيصير ذلك القدر من الطاعة كأن لم يكن منه، وذلك إيمان كان حاصلا له، فلما حبط كان جزءا من إيمانه نقص.
واحتج بصاحب هذه المقالة: أن المعاصي خلاف الطاعات، كما أن الكفر خلاف أصل الإيمان، فلما كانت الطاعات فروع الإيمان وجب أن تكون المعاصي فروع الكفر. ثم إذا وجب ذلك، وكان الكفر محبطا لأصل الإيمان إذا طرأ عليه، وجب أن تكون المعاصي التي هي فروعه محبطة بقدرها من الطاعات التي هي فروع الإيمان إذا طرأت عليها. فإذا قيل لهؤلاء إذا أجزتم أن تحبط المعصية قدرها من الطاعة، أتقولون أن المعاصي إذا تتابعت وكتبت، وقلت الطاعات فأحبطتها المعاصي، ولم يبق إلا أصل الإيمان، أن ما بقى من المعاصي يحبط من أصل الإيمان سببا؟.
وما تقولون في كافر أسلم. فكان أول عمل أستقبله بعد إسلامه معصية واقعها انتقص تلك المعصية! من قالوا: كلا، الفرع لا يعترض على الأصل، وإنما يعترض الفرع على فرع مثله، وعلى الأصل أصل مثله، فيكون حاصل قول هؤلاء في نقص المعصية الإيمان. وأنها تنقص ما زاد على الأصل. فأما الأصل فغير محتمل النقصان. والأصل محتمل الزيادة
[ ١ / ٦٦ ]
فجعلوا محل النقصان غير محل الزيادة، ودخلوا في معنى من يقول: الإيمان يزيد ولا ينقص وهم يشعرون. واحتج هؤلاء لقولهم بقول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾. وإنما أراد بذلك أن رفع الصوت فوق صوته يوقع معصية، فيخرج إيمان الرافع ويحبط عمله. وإنما قال: ﴿أعمالكم﴾ لأن الخطاب للجماعة، فإذا أحبط لكل واحد منهم بعض عمله فإنما هي أعمال حبطت، والله أعلم.
واحتجوا بقول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. قالوا: أبان الله تعالى بهذه أن العبادة قد تحبط مع بقاء الإيمان بجناية تكون من صاحبها. وقد روي عن سفيان بن عيينه أنه سئل عن الإيمان: هل يزيد؟ فقال: نعم. فقال: أينقص؟ قال: نعم، وقد أخاف أن ينقص حتى يذهب كله. وفي رواية أخرى أنه قال: ينقص حتى لا يبقى معك مثل هذا، وقلل أصابعه. وهذا ليس فيه الاحتراز الذي حكيته عن أصل القول الأول. وقد علم أن سفيان لم يكن ممن يكفر أهل القبلة بالذنوب، فإنما يخرج جوابه عن هذا: أن المعاصي تحبط الطاعات. بل يحترز عن هذه العبادة فلا يطلق أصلا، لأن عصاة المؤمنين يأملون من الله العفو إما ابتداء أو تفضلا أو بشفاعة النبي ﷺ. ومعلوم أن الله تعالى إذا عفا عنهم وضع السيئات وأثابهم على الحسنات، فلو كانت حبطت لم يكن للشفاعة ولا للعفو معنى! ألا ترى أن الكفر إذا أحبط الإيمان لم يكن فيما حبط منه شفاعة وكذلك لو حبط فروعه بالمعاصي لم يكن فيما حبط منها بشفاعة ثم بسنة، والله أعلم.
أن تكون العبادة عن رأي سفيان أن حسنات المؤمن تصير مرتهنة بتبعات سيئاته، فإن عفا الله ﵎ عنه وزادت حسناته على سيئاته، وضع من ثواب حسناته بقدر ما يوازن الحسنات منها قصاصا بها، واستحق بما وراءها النار، وأصل الإيمان وفروعه في ذلك سوى، فيكون نقصان الإيمان من قوله نقصان ثوابه، ولعل ذلك يرجع إلى أنه ينقص من ميزانه، فلا يثقل به. ويكون وجه هذا أن حسنات المؤمن إذا صارت وقاية له من النار، فأولاها بذلك أصل الإيمان لأنه أقوى، فهو بالوقاية أولى.
[ ١ / ٦٧ ]
وأيضا فإنه قد ثبت أن ثواب الإيمان قد ينقص سيئات المؤمن، وذلك أن الله جل وعز إذا لم يعف عن المؤمن المسيء فأدخله النار، وعذبه فيها مدة من المدد قد علم أن نقصا قد لحقه في ثواب إيمانه، لأن ثواب إيمانه- لولا سيئاته- كان يكون أن يدخل الجنة مع الداخلين ثم يبقى خالدا ولما وافى القيمة مسيئا تخلف عنهم، ففاته التنعم بالجنة مدة كونه في النار. وإذا كان هذا جائزا، لم يصح أن يجعل الأصل في الباب إلا التسوية بين أصل الإيمان وفروعه، في أن السيئة توجب ارتهان الحسنات بتبعاتها، إن كانت أحاطت بها أبطلت الثواب كله! وإن لم تحط بها من الثواب بقدر نفسها.
فإن قيل لقائل هذا القول: فبما تقول فيمن استوت حسناته وسيئاته، فلم يكن من ثواب أصلها وفروعه شيء يعبد بعدما أجرت أن يكون هذا، ولا دار إلا الجنة والنار! أين يكون مأواه؟ فإن قلت: النار! فقد أخلفت لأنه ليس بكافر. وإن قلت: الجنة! فقد أحلت، لأنه إن كان مؤمنا فالجنة جزاء الإيمان، فمن لا جزاء له عند الله فأنى يستحق الجنة! فقد يشبه أن يكون جوابه في هذا الموضع: أن من كان بهذه الصفة، فإن الله ﵎ إما يمن عليه بالعفو عن سيئاته كلها أو بعضها، أو يشفع له النبي ﷺ فيعفو الله عنه السيئات أو بعضها، فإن غفر لها كلها أدخله بالعفو كما كانت مرتهنة من سيئاته والله أعلم.
واحتج لهذا القول بأن النبي ﷺ قال: "من اقتنى كلبا ليس كلب صيد أو ماشية، نقص كل يوم من أجره قيراط". فقد أبان أن المعصية تعترض على أجر الحسنات، ولم يقل أنها تحبطها أو شيئا منها، ولم يفصل- مع ذلك- من أجر عمل وأجر عمل سواه، فكانت أجور الأعمال كلها في ذلك بمنزلة واحدة.
ومما يحتج به للقوانين جميعا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما تعدون المفلس منكم؟ فقالوا: من لا درهم له ولا دينار! فقال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة وقد ظلم هذا، وأخذ مال هذا، فيؤخذ من حسناته فيدفع إلى الآخر فإذا لم يبق له حسنات، أخذت سيئات
[ ١ / ٦٨ ]
هذا، فحملت عليه، ثم قذف في النار)، فأبان رسول الله ﷺ أن الظالم لا يقذف في النار ما لم يتبع بظلمه في حسناته لكن البداءة تقع بسلب الحسنات، فإذا نفذت عدل به إلى النار. فدل ذلك على أن كل عاص فهذا سبيله، ثم ذلك في القول الأول: أن تحبط سيئاته حسناته ما عدا أصل الإيمان. فإذا لم يبق له حسنة سوى أصل الإيمان تحبط سيئة عذب على سيئته بالنار والله أعلم، وفروعه سواء، فإذا لم يبق له ثواب وكانت له سيئة عذب عليها بالنار والله أعلم.
وفي القول الثاني أن تحريم ثواب حسناته وأصل الإيمان وفروعه سواء، فإذا لم يبق له ثواب وكانت له سيئة عذب عليها بالنار والله أعلم. ومن ذهب إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص فإنه يقول: أصل الإيمان يتكثر بفروعه، وفروعه تتكثر بعضها ببعض، والمعاصي لا تحبط الطاعات، وإذا لم تحبطها فلا نقصان يلحق الإيمان. والدليل على صحة ذلك أن فروع الإيمان متأبدة بأصلها، فما لا يحبط أصلها لا يحبطها، لأن الفروع لا تتميز عن أصلها، فإذا لم يجز وجود الكفر مع الإيمان، لم يجز وجود فروعه مع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن إنما كانت فروع الإيمان لوجودها في الإيمان المحرك عليها، ولأن طاعات المؤمن إنما كانت فروع الإيمان لوجودها في الإيمان المحرك عليها. كذلك معاصي الكافر فروع للكفر لأن كفره هو المحرك له عليها. وقد علمنا أن الأفعال الحسنة في أنفسها إذا وجدت من الكافر لم تكن فروع الإيمان، ولأن طاعات المؤمن لما كانت فروع الإيمان كانت إيمانا. فلو كانت سيئاته فروع الكفر فلتكن كفرا.
فإن قال: حسنات الكافر فروع الإيمان كما أن سيئات المؤمن فروع الكفر. قيل: ذلك محال! لأن الفرع يقتضي أصلا يصدر عنه، فإذا لم يكن في المؤمن كفرا استحال أن تكون منه فروع الكفر. وإذا لم يكن من الكافر إيمان استحال أن يكون منه فروع إيمان.
فإن قال: لو بطل أن تكون سيئات المؤمن من فروع الكفر لبطل أن تكون حسنات الكافر من فروع الإيمان، فبطل أن نكون سيئات المؤمن معاصي لبطلان أن تكون حسنات الكافر طاعات.
[ ١ / ٦٩ ]
قيل: من لا يلزم هذا لأن الطاعة والمعصية لا تكونا إلا لأمر. ولأن الطاعة موافقة للأمر وامتثاله، فمن لا يثبت الأمر لا يمكن أن تؤخذ منه طاعة. والعصيان مفارقة الأمر، فمن أثبت الأمر أمكن وجود مفارقته منه، والمؤمن يثبت له فيصح وجود العصيان منه وبالله التوفيق.
فإن قيل: فإن لم تكن معاصي المؤمن من فروع الكفر، فما هي؟
قبل: ليس بواجب أن تكون المعصية إلا فرع للكفر، لأن العصيان كما ذكرنا مفارقة الأمر، وليس الداعي إلى مفارقة الأمر الكفر وحده، ولو كان كذلك لاستحال وجود معصية من المؤمن. ولكن الهوى وحب الشهوات داع إلى المعصية، كما أن الكفر داع إليها. وإنما توجد المعصية من المؤمن إجابة منه للهوى، ومثلا منه إلى قضاء شهوته، وليست تقع منه قصدا إلى خلاف الباري جل ثناؤه. ولو وقعت لهذا لكانت كفرا. فأما الطاعة فلا داعي إليها إلا تعظيم الأمر وابتغاء مرضاته ولهذا لم يصح وجودهما من الكافر، فلهذا كانت طاعة المؤمن كلها فروعا لإيمانه، ولم تكن معاصيه كفرا ولا من فروع الكفر، وبالله التوفيق.
وإذا كان الأمر على ما وصفت كان الجواب عن قول القائل: إن لم تكن معصية المؤمن من فروع الكفر: فما هي؟ أن يقال: هي من فروع هواه ووقوع شهواته. والكفر أيضا من فروع هواه وشهواته، والكفر والمعاصي من ينبوع واحد. فأما أن تكون معاصي المؤمن فروعا لكفر غير موجود منه، فذلك محال! وإذا استحال هذا لم يجز أن يقال: أنها تحبط حسناته وطاعاته. لأن الإيمان كما لا يبطل إلا بالكفر، فكذلك فروعه لا تبطل إلا بالكفر، إذ الطاعات إيمان ولا ضد للإيمان إلا الكفر والله أعلم.
ومما يدل على فساد هذا القول أيضا أنه يؤدي إلى المحال، لأن قائله يقول: أن السيئات تحبط الحسنات ما وجدتها، فيتخلص المسيء بما يخطر من حسناته من عذاب النار، حتى إذا لم يبق أصل الإيمان فعمل سيئة هلك وحقت عليه النار، وهذا محال. لأن الحسنة إنما كانت تقي صاحبها النار، فأولى بذلك حسنة الإيمان نفسه، لأنه أصل، ولا أصل أقوى. فينبغي أن يكون أحصن وأوفى. فأما أن يكون ما دونه يكمل لدفع النار عن صاحبه، والأصل لا يكمل لذلك فهذا لا يبين له وجه. وبالله التوفيق.
[ ١ / ٧٠ ]
فإن قال صاحب هذا القول: إني لا أقول ما يؤدي إلى المحال الذي ذكرت، ولكني أقول: أن كل معصية فهي تهبط من الطاعة المتقدمة بقدرها، فإذا أحاطت المعاصي بالطاعات التي دون الإيمان أحبطتها، والعذاب مع ذلك واجب على صاحبها إلا أن يعفو الله تعالى عنه، فلا أقول أن بطلان الطاعة عذاب المعصية دون النار، بل هو كما أجمع المسلمون عليه من أن المسلم إذا ارتد حبط ما مضى من إيمانه، ثم لا يكون ما يبطل من ثواب إيمانه جزاء كفره حتى لا يدخل النار، بل النار جزاؤه لإحباطه إيمانه. فكذلك معصية المؤمن إذا أحبطت طاعاته إلى دون الإيمان، كان جزاء إحباطه إياها النار. وإذا كان هذا هكذا: وكانت الطاعة إيمانا، فحبطت بالمعصية، فقد تحقق نقصان الإيمان بالمعصية.
قيل له: إن الذي ظننته لا يصح لأن ثواب الطاعة إذا بطل لأجل المعصية فقد سلب فائدة الطاعة. فوجب أن يسقط بذلك ضرر المعصية. ولو جاز أن يحرم ثواب الطاعة- ومع ذلك يعذب بالنار على المعصية- جاز أن يعذب مرتين. فأما المرتد فليس له عند الله ثواب. فمن وافاها كافرا فلا وعد له منه.
فإن قال قائل: إنما وعد ثواب الطاعة من يوافي بها يوم القيامة، ولم يواف بها من أحبطت معاصيه طاعته.
قيل: لو لم يواف بها لم تنفعه الشفاعة كما لا تنفع المرتد، ولما نفعته صح أن قد وافى بها. وأيضا فإن من الفروق بينهما أن المرتد ناقص الإسلام بالكفر، والنقض حرام عليه. فإذا وجد منه حبط إسلامه بنقضه إياه، واستحق العذاب على النقض. وأما المحسن بإقام الصلوات وإيتاء الزكوات، إذا زنا أو سرق أو شرب، فليس ينقض شيئا من ذلك ما قدم من طاعاته، لأن الزنا ليس ضد الصلاة، فيصير ناقضا له بها. ألا ترى أن هذا هكذا يكون في أحكام الدنيا. فإن المرتد يكلف إعادة عقد الإيمان، والزاني بعد صلاته لا يكلف إعادة الصلاة، والسارق بعد صيامه وزكاته لا يكلف إعادة صومه وزكاة ماله. وإذا كان هذا هكذا، صح أن الزنا إن أحبط الصلاة أو شيئا منها، فليس يمكن أن يكون ذلك إلا على وجه معاقبة الزاني على الزنا بحرمان ثواب الصلاة عنه. فإن كان كذلك واقعا فلا ينبغي أن يعذب مع ذلك بالنار، فيكون كمن عذب مرتين، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٧١ ]
وأما قول الله ﷿: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾. قد يخرج على غير ما قاله المحتج به، وهو أن يكون المعنى: لا تحملنكم أيها المهاجرون هجرتكم معه، ولا أيها الأنصار إيواؤكم إياه على أن تضيعوا حرمته وترفعوا أصواتكم فوق صوته. فتكونوا بذلك صارفين ما تقدم منكم من الهجرة أو الإيواء أو النصرة، فمن ابتغاء وجه الله به إلى عرض غيره ووجه سواء، فلا تستوجبوا مع ذلك أجرا.
ويخرج على وجه آخر وهو أن يقال: لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، فإن ذلك قد يبلغ حد الإزراء به والاستخفاف له، فتكفروا وتحبط أعمالكم، إلا أن تتوبوا أو تسلموا. وكذلك قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. فليس على: أن المن يحبط الصدقة. فيجب على قياس ذلك: أن ضرب المتصدق عليه- ظالما له- حبطت صدقته، وإنما وجهه: أن الصدقة ينبغي بها وجه الله، وهو المأمول منه ثوابها. فإذا من المتصدق على السائل وأذاه بالتعبير، فقد صرفها عن ابتغاء وجه الله بها إلى ما يؤذي به السائل، فحبط أجره عند الله تعالى، لهذا وصل عند المتصدق عليه مع ذلك لأنه إن كان حباه فقد آذاه، وإن أعطاه لقد أجزاه. ولو كان ذلك على معنى إفساد الطاعة بالمعصية، لم تختص بالبطلان صدقته ويحبط من جملة طاعاته جزء غير معلوم للعباد، فإن الرجل لو أعتق عبدا ثم قتله، أو قطع من أطرافه طرفا، لم يحبط- عند قائل هذا القول- عتقه بعينه، وإنما يزعم أنه من يحبط من طاعاته شيء غير معلوم عندنا. وهكذا لو تصدق على محتاج بصدقة، ثم ضربه أو جرحه، لم يقل أن صدقته بعينها هي التي تحبط فلما أحبط الله ﷿ الصدقة الماضية بالمن والأذى، علمنا أن وجه إبطالها ما ذكرنا، والله أعلم. فهذا ما يدخل هذا، وأما الوجه الآخر: وهو أن الحسنات يرتهن بتبعة السيئات فيخرج المخرج من ثواب إحسانه ما يوازي تبعة سيئته، وقد يمكن أن تحبط السيئات بالحسنات أصلها وفرعها فلا يبقى للمؤمن عند الله ثواب. فإن من الطعن على هذا القول ما يشمله والذي يقدمه وهو أن سيئات المؤمن متناهية الجزاء، وحسناته ليست بمتناهية، لأن مع ثوابها الخلود في الجنة، وما دام خالدًا فيها فلا
[ ١ / ٧٢ ]
يخلو من التنعم بها والتقلب في نعيمها، وإنما يكون الجزاء بالحسنة عشرا أو أكثر، من طريق أنه يكون له في نفسه مقدار مقدر، إلا أن ذلك المقدار يكون دائما لا يسلم إليه جملة وقتا واحدا، ثم لا يعاد له، كضيف تقدر له في اليوم والليلة أشياء معلومة إلا أنه تكون له جارية ما دام نازلا من أضيافه، وإذا كان كذلك لم تبلغ السيئات- وإن كثرت- أن تحبط بثواب حسنة واحدة من حسنات المؤمن، فضلا عن أن تحبط بجميعها، لأن الخلود لا غاية له، فلا يتوهم أن تكون البيعة المتناهية التي يستحقها المؤمن بسيئته تأتي على ثواب حسنة لا نهاية له، فيصح أن هذا من القولين، في أنفسهما باطلان، فلا إحباط حسنة فضلا عن حسنات جائز بسيئة أو بسيئات، ولا أخذ ثوابها كله عن بيعه سيئة أو سيئات يقبل أو يستقيم. فصح أن الإيمان لا ينقص من طريق إحباط الحسنة بالسيئة، ولا ينقص من ميزان المؤمن أصلا بذهاب جميع ثوابها منه. والله أعلم.
فأما قول النبي ﷺ: (من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان)، لأن المعنى لو كان غير هذا لم يظهر مقدار المنقوص ولو يعلم أن القيراطين كم ينقصان، وإذا كان المعنى ما ذكرت، فإنما هو محرم لأجل هذه السيئة بعض ثواب عمله.
ولسنا ننكر جواز أن يحرم الله تعالى المؤمن بعض أجزاء عمله، ويقلل ثوابه لأجل سيئة أو سيئات تكون منه، وإنما أنكرنا قول من يقول: أن السيئة تحبط الطاعة أو توجب إبطال ثوابها أصلا، وذلك لم يأت به من الله تعالى ولا من رسوله ﷺ خير ولا يمكن أن تكون ماء شرب الخلود للمؤمنين في الجنة والله أعلم.
فإن قال قائل: فما تقول في المؤمن إذا خلط عملا صالحا وآخر سيئا!
قيل: أمره إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء أدخله النار وعذبه بسيئته، ثم أخرجه إلى الجنة فأثابه بإيمانه والصالح من عمله، وإن شاء حرمه من جملة ثواب الصالح من عمله، ما يكون كفء للعقاب الذي استحقه، فكان ذلك جزاءه، ووقاه به عذاب النار، وليس يمكن أن يقطع من هذه الوجوه بشيء، وبالله التوفيق.
وبان ما ذكرناه أن الإيمان لا ينقص بالإطلاق من هذين الوجهين، وإن نقصان الإيمان أن
[ ١ / ٧٣ ]
يتجرد عن الأعمال التي يقتضيها وفيها تحقيقة، ولو وجدت لكان زائدا متكثرا لها، فهو نقصان إضافة تجرده عن فروعه إلى حال إيصال فروعه به، وهو نقصان بإضافة الإيمان، من كان هذا صفاته إلى الإيمان من اتصلت فروع إيمانه به، وقد أخبر النبي ﷺ: (أن المرأة تكون ناقصة من أنها تجلس نصف دهرها لا تصلي) وذلك على معنى أن صلاتها تنقص في العدد عن صلاة الرجل، فعلمنا أن نقصان الدين ونقصان الإيمان إنما يكون بتكامل عدد شعبها وتناقصه، إذا كانت سيئاته الكثيرة لا توازي تبعاتها ثواب حسنة واحدة من حسناته، لم يكن ميزانه إلا ثقيلا، ولم تكن حسناته إلا أكثر بكثرة ثوابها وأربابه على تبعات سيئاته، فلا معنى للوزن إذا!
فالجواب: أن الميزان الثقيل الذي وصفه الله ﵎ هو ميزان المؤمن الذي يوافي القيمة بلا كبائر، أو تائبا من الكبائر إن كانت له، فهذا الذي قابل الله ﵎ بينه وبين الكافر، فميزان الكافر يخف، لأنه إذا وضع كفره وفروع كفره في كفه، لم توجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى، فيقع الارتفاع. وميزان المؤمن الذي وصفناه يثقل لأنه إذا وضع إيمانه وفروع إيمانه في كفة، لو توجد كبيرة توضع في الكفة الأخرى، فيثقل بالخير ميزانه. كما خلا من الخير للكافر ميزانه.
ألا ترى أنه جل وعز لما وصف المؤمن بهذه الصفة كيف قطع بأنه يفلح، وأنه في عيشة راضية، فبان بذلك أنه أراد بالمؤمن المطلق الذي لم يواف القيمة مع إيمانه بكبيرة، وذلك لا يرفع أن يكون في المؤمنين من يكون حاله غير هذا، إلا أنه لم يذكر، لأن الموازنة كانت بين الكافر وبين المؤمن. فاقضى ذلك أن يكون من المؤمنين من يخالف الكافر بالإطلاق، وإنما توازن أعمال المؤمن الذي ذكرنا لإظهار فضله، كما توزن أعمال الكافر لخزيه وذله، فإن أعماله توزن بمكياله على فراغه، وخلوه من كل خير، وكذلك توزن أعمال المؤمن التقي تحسنا لحاله وإشادة بخلوه من كل شر، وتبريئا لأمره على رؤوس الإشهاد.
وأما المؤمن الذي يوافي القيامة بكبيرة أو كبائر، فإن لميزانه حالا أخرى- سوى حال المؤمن التقي، وحال الكافر المخزي- وهو أن تكون كفتا ميزانه ثقيلتين، لأن في كل واحد منها ما يحتمل الوزن، غير أن كفة الحسنات تكون أثقل لأن مع الحسنات أصلها
[ ١ / ٧٤ ]
وهو الإيمان، وليس مع السيئات أصلها وهو الكفر، ولأن الحسنات أريد بها وجه الله تعالى، والسيئات لم يرد بها مخالفة الله تعالى، فإذا ظهر بالوزن قدر السيئات صارت بذلك المقدار معارضة للحسنات إن كان ثقلها كنصف ثقل الحسنات أو كثلثه، أو كربعه جرى من أمره على ما ذكرنا قبل هذا، وهو أن الله تعالى إما أن يعفو عن سيئاته، وإما أن يعذبه عليه بالنار، وإما أن ينقص عن ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات، فيفوته بعض ثواب طاعاته ويبقى له بعضه، والله أعلم.
فأما قول السائل: لو كانت سيئات المؤمن لا توازي تبعاتها ثواب حسنة من حسناته، فلم توزن أعماله؟
فجوابه: أن ثواب الحسنة وإن كان دائما لا ينقطع، فإن الأعمال هي الموزونة لا جزاؤها، إلا أن الأمر إذا آلت إلى الجزاء فغير ممكن أن تحبط سيئته أو سيئات حسنة، لأن جزاء السيئة مثلها إلى وقت معلوم. وجزاء الحسنة أمثالها دائما لا إلى وقت مخصوص. فلئن أبطل ثواب الحسنة كله لأجل السيئة، فإنما يبطل إلى مثل الوقت الذي كان يمتد إليه عذابه بالسيئة لو عذب، أو إلى وقت ما في الجملة، ولا بد من أن يكون الثواب فيما بعد ذلك واصلا إليه. فلا يصح مع هذا إحباط الحسنة بالسيئة ولا بالسيئات ولا الاشتغال بتفريغ أن السيئات إذا أحبطت الحسنات كلها فلم يبق إلا الإيمان. فهل يمكن أن يخلص الإحباط أو لا يمكن؟، ولا الحاجة تدعو إلى الاحتراز من اسم الإحباط بالعدول إلى اسم ارتهان الحسنات بتبعة السيئات والله أعلم.
فصل
وهذا الذي ذهبنا إليه في الإيمان هو المروي عن النبي ﷺ.
روى علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي ﵈ عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان معرفة بالقلب وإقرار
[ ١ / ٧٥ ]
باللسان وعمل بالأركان)، ومن قبل هذا فقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله صلوات الله عليه أنه قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى! قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾.
ومعلوم أن طمأنينة القلب بصدق وعد الله، أو بقدرته على ما خبر أنه فاعله، إيمان فإنما يسأل الله تعالى ما يزيده إيمانا على إيمان، فثبت بذلك أن الإيمان قابل للزيادة،
فإن قيل: إنما سأل الله تعالى أن يضطره إلى العلم بإجابة الموتى والتصديق بما وقع العلم به ضرورة، ولا يكون عبادة.
قيل: لم يسأل الله تعالى أن يضطره إلى العلم بإحيائه الموتى للقيمة، ولا الله تعالى فعل ذلك به، وإنما سأله أن يريه كيف يحيي الأجساد بعد موتها وتقطعها، فأراه ذلك عيانا في أربعة من الطير، وليس ذلك باضطرار إلى أن الناس يحيون بعد موتهم، لكنه أكد لليقين المتقدم بأن الله تعالى قادرا على إحياء ما أمات وجمع ما يفرق، ثم ما ينشأ عن المشاهدة من ذلك في الطير. من العلم بأن الذي قدر على ذلك لا يعجزه مثله في الناس استدلال لا ضرورة، وهو فصل الإيمان في المؤمن يعرض للزيادة والله أعلم.
ومما جاء عن النبي ﷺ في هذا الباب قوله: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
فبان بهذا الحديث أن الطاعات إيمان، ولولا ذلك لم يكن الإنكار بالقلب إيمانا أضعف من الإنكار باللسان واليد، والله أعلم. وفي الباب مما جاء عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين. فما جاء عن الصحابة ما يروى عن عمر ﵁ أنه قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم. وعنه: أنه كان يخرج إلى الخلق فيقول: تعالوا نزدد إيمانا!
ومنه ما جاء عن علي ﵁، أن رجلا سأله عن الإيمان فقال: الإيمان على
[ ١ / ٧٦ ]
أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد. وعنه أنه قال: الإيمان يبدو لمظة في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة. وقيل ما حده في اللمظة التي هي الذوقة وهو أن يلمظ الإنسان بلسانه أو الدابة شيئا يسيرا، أي يذوقه. فكذلك القلب يدخله من الإيمان شيء يسير، ثم يشيع فيه فيكثر. وعنه أنه قال: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، وعنه: لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وهو محق، وحتى يدع الكذب في الممازحة. وعنه أنه قال: الطهور نصف الإيمان. وعنه: من لم يصل فهو كافر، وعنه: من ترك صلاة واحدة متعمدا فقد برئ من الله، وبرئ الله منه.
وعن عبد الله بن عمر ﵁: لن يصيب رجل حقيقة الإيمان حتى يترك المراء، وهو يعلم أنه صادق، ويترك المزاحة في الكذب.
وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال لأصحابه: اجسلوا بنا نؤمن ساعة.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: من لم يصل فلا دين له. وعنه: الصبر نصف الإيمان. وعنه: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة، وسيصلي قوم ولا دين لهم، وعنه: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا بما وافق السنة.
وعنه: ثلاث من كن فيه فهو منافق: كذوب إذا حدث، مخلاف إذا وعد، خائن إذا اؤتمن، فمن كانت منهن فيه خصلة من النفاق حتى يدعها. وعنه: ينتهي الإيمان إلى الورع، ومن أفضل الدين أن لا تنال مالا، فكل من ذكر الله.
وعنه: لا يجد الرجل حلاوة الإيمان حتى يحل بذروته، حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى، وحتى يكون التواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامه سواء. وفسره أصحاب عبد الله: حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام، وحتى يكون التواضع في طاعة أحب إليه من الشرف في معصية الله، وحتى يكون حامده وذامه عنده في الحق سواء.
[ ١ / ٧٧ ]
وعنه أنه كان يقول: اللهم زدني إيمانا ويقينا، وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: ثلاثة من كن فيه فقد استكمل الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل السلام للعالم. وعنه قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنفاق من الإقتار، أن تنفق وأنت مقل، تعلم أن الله سيخلف لك، والإنصاف من نفسك إذا كان بينك وبين أحد شيء فلا تمش به إلى سلطان، فإنك إذا مشيت به إلى السلطان فلم تترك، وبذل السلام للعالم.
وعن حذيفة بن اليمان ﵁: الإسلام ثمانية أسهم: فالإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وصوم رمضان سهم، وحج البيت سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له.
وسئل حذيفة ﵁: من المنافق؟ فقال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به؟ وعنه أنه قال: إني لأعرف أهل دينين في النار: قوما يقولون أن الإيمان كلام وإن قتل الرجل أباه وأنه وعمل المعاصي، وقوما يقولون: ما بال أولاء يقولون خمس صلوات وإنما أمرنا أن نصلي أول النهار وآخره!. وعنه قال: يخرج من النار من كان في قلبه دون شعيرة من الإيمان، ومن كان في قلبه حبة من خردل من إيمان. وعنه: قال: أول ما تفقدون من دينكم التخشع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة.
وعن عبد الله بن رواحة ﵁ أنه كان يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: تعالوا فلنؤمن ساعة، فلنذكر الله ونزداد إيمانا. تعالوا لنذكر الله بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته، فهش القوم للذكر واشتاقوا، فقالوا: اللهم لو نعلم الذي هو أحب إلينا لفعلنا. فأنزل الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾. وقال أبو الدرداء: كان عبد الله بن رواحة إذا لقيني مقبلا ضرب بين يدي، وإذا لقيني مدبرا ضرب بين كتفي. ثم يقول: عويمر اجلس بي نؤمن ساعة. فنجلس نذكر الله، ثم يقول: عويمر هذه مجالس الإيمان.
[ ١ / ٧٨ ]
وعن أبي الدرداء وابن عباس وأبي هريرة ﵃ أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص، ولا يخرج هذا إلا على أن يكون قولا وعملا.
وعن ابن عباس في قول الله ﷿: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه". قال: والعمل الصالح يرفع الكلام الطيب.
وعن عمرو بن حبيب، وكان بائع رسول الله ﷺ قال: إن الإيمان زيادة ونقصان. قيل: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وخشيناه فذلك زيادة، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه.
وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا غلمانا جزاوره مع رسول الله ﷺ، فيعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم يعلمنا القرآن. فازددنا به إيمانا. وأنكم اليوم تعلمون القرآن قبل الإيمان).
وأما التابعون ومن دونهم فإنه جاء عن عروة بن الزهري ﵁ أنه قال: ما نقصت أمانة عبد إلا نقص إيمانه. وأما عطاء بن أبي رباح، فإن معقل بن عبد الله قال: قلت لعطاء بن أبي رباح أن ناسا يقولون: إنه ليست في الإيمان زيادة. فقال: أرأيت حين يقول الله ﷿: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾. فما هذا الذي زادهم لعمري أن في الإيمان لزيادة. قال: قلت أنهم يقولون أن الصلاة والزكاة عمل وليسا من الإيمان. قال: أفرأيت حين يقول الله: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين لع الدين، حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ فما هذا إذا؟ قال: قلت قد يحلل هذا إثنا عشر شبخا، قال: يحيى بن سعيد: عمر بن در وأصحابه. قال: لا، والله الذي لا إله إلا هو ما كان من هذا قط. قال: فذكرته للزهري. فقال: سبحان الله، قال رسول الله ﷺ: "لا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن، ولا ينهب نهبه والناس يرمونه بالحدق وهو مؤمن". قلت: فأين المنتهب؟ قال بيده، الغزو.
[ ١ / ٧٩ ]
وقال عبد الله بن معقل: سألت الزهري وعطاء بن أبي رباح وميمون بن مهران عمن يزعم أن الصلاة والزكاة ليستا من الإيمان. فكلهم قال: هما من الإيمان.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: ست خصال من فعلهن فقد استكمل الإيمان. قتل أعداء الله بالصف، والصيام في شدة أيام الصيف، وتعجيل الصلاة يوم الغيم، وإكمال الوضوء في اليوم الشاتي، والصبر على المعصية، وترك الجدال وأنت تعلم أنك صادقا.
وعن الحسن بن أبي الحسين قال: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ قال: الكلام الطيب يرفعه العمل الصالح. يعرض القول على العمل، فإن وافق القول العمل وإلا رد. وعنه ﵀ قال: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتجلي ولكنه ما وقر في القلب وصدقة العمل. وعنه قال: الإيمان قول وعمل. وعنه قال: لو شاء الله لجعل هذا الدين قولا لا عمل فيه، ولكن جعل دينه قولا وعملا، وعملا وقولا، فمن قال قولا حسنا وعمل سيئا رد قوله عليه عمله، ومن عمل صالحا رفع قوله عمله.
وعن الأوزاعي ﵁ قال: أدركت الناس وهم يقولون: الإيمان كلام ولا يفرقون بين الإيمان والعمل. وعنه قال: لا يستقيم القول إلا بالعمل، ولا يستقيم العمل إلا بنية موافقة للسنة، وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما تجمع هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل. فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق ذلك بعمله، فتلك العروة الوثقى لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين.
وعنه قال في كلام ذكره: ويقولون أن فرائض الله على عباده ليست من الإيمان، وأن الناس لا يتفاضلون في إيمانهم، وأن برهم وفاجرهم في الإيمان سواء. وما هكذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ، بلغنا أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون بابا أولها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان). وقال:
[ ١ / ٨٠ ]
وقال الله جل ثناؤه: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك. وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ والدين هو التصديق وهو الإيمان.
وصف الله تعالى الدين قولا وعملا فقال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾. فالتوبة من الشرك هي الإيمان والصلاة والزكاة عمل.
وعن عبيد الله بن عمر قال: ليس الإيمان بالتجلي ولا بالتمني، ولكن الإيمان قول يعقل، وعمل يعمل. وعنه قال: من صدق الإيمان وبره أن يخلو الرجل بالمرأة الجميلة فيدعها، لا يدعها إلا لله، ومن صدق الإيمان وبره إسباغ الوضوء في المكاره وعد أمورا سواه.
وعن مجاهد قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كتب إلى عدي بن عدي: أن للإيمان سننا وفرائض وشرائع وحدودا، من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، وإن أعش بنتها لكم. وإن أمت فوالله ما أنا على صحبتكم بمريض.
وعن وهب بن منبه ﵁ قال: الإيمان يشبه الماء، البحر ماء، والغدير ماء، والماء في القدح ماء، والماء في المحارة، فتفاضل الإيمان مثل البحر والمحارة. وعنه أن رجلا قال له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى! وليس مفتاح إلا وله أسنان. فمن أتى الباب بأسنانه فتح له، ومن لم يأته بأسنانه لم يفتح له.
وعنه قال: الإيمان قائد والعمل سائق والنفس حرون بينهما. فإذا قاد القائد ولم يسق السائق لم يغن شيئا، فإذا ساق السائق ولم يقد القائد لم يغن شيئا وإذا قاد القائد وساق السائق تبعتها النفس طوعا أو كرها.
وعن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله مفعم بالرجال، قيل لي: أي هؤلاء خير؟ قلت لسائلي: أتعرف أنصحهم لهم، فإن عرفه عرف أنه خيرهم، ولو انتهيت إلى هذا المسجد وهو غاص بأهله مفعم من الرجال. فقيل لي: أي هؤلاء شرهم. فقلت لسائلي: أتعرف أغشهم لهم، فإن عرفه عرفت أنه شرهم، أنه منافق برئ من الإيمان، لو شهد عليه بذلك لشهدت أنه في النار، ولكني أخاف على
[ ١ / ٨١ ]
خيرهم وأرجو لشرهم، فإذا خفت على خيرهم فكيف خوفي على شرهم، وإذا رجوت لشرهم، فكيف رجائي لخيرهم، هكذا السنة.
وعنه قال: فقد الحواريون نبيهم، فخرجوا يطلبونه فوجدوه يمشي على الماء. فقال له رجل منهم: يا نبي الله! قال: تعال. فذهب يضع رجله، فإذا هو قد نغمر. فقال: هات يدك يا فقير الإيمان.
وعن ابطأه بن المنكور قال: الإيمان قول وعمل لا يفرق بينهما، وأما الضحاك بن مزاحم فإن له في هذا الباب رسالة بليغة وهي.
أن أحق ما بدأ به العبد من الكلام أن يحمد الله ويثني عليه. والحمد لله نحمده ونثني عليه بما اصطنع عندنا إذ هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن، ومن علينا بنبينا محمد ﷺ، وأن دين الله الذي بعث به نبيه ﷺ هو الإيمان، والإيمان هو الإسلام، وبه أرسل المرسلين قبله فقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾. وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، والتصديق والإقرار بما جاء به من عند الله. والتسليم لقضاء الله، والرضى بقدره. من كان مؤمنا يحرم دمه وماله. ووجب له ما يجب للمسلمين من الحقوق، ووجب عليه ما يجب على المسلمين من الأحكام، ولكن لا يستوجب ثوابه، ولا ينال الكرامة إلا بالعمل به، والعمل به إتباع طاعة لله، وإتباع طاعة الله أداء الفرائض واجتناب المحارم والاقتداء بالصالحين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، والمحافظة على إتيان الجمعة، والجهاد في سبيل الله، والاغتسال من الجنابة، وإسباغ الطهر، وحسن الوضوء للصلاة، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وصلة ما أمر الله به أن يوصل، وحسن الخلق إلى الخلطاء، ومعرفة حق كل ذي حق من والد ووالده، ومن قرابة ويتيم ومسكين وابن السبيل وسائل وغارم ومكاتب وجار وما ملكت اليمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحب في الله والبغض فيه، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله، والحكم بما أنزل الله، وطاعة أولي الأمر في الكره والرضى، والوفاء بالعهد، والصدق في الحديث، وإنجاز الوعود، والوفاء بالنذر، وحفظ الأمانة من كتمان السر
[ ١ / ٨٢ ]
والمال، وأداء الأمانة إلى أهلها، وكتاب الدين المؤجل بشهادة ذوي العدل، والإشهاد على المبايعة، وإجابة الداعي للشهادة على الدين وكتابه بالعدل كما علمه الله، وإقامة الشهادة على وجهها بالقسط، ولو على النفس أو الوالدين والأقربين، وإيفاء الكيل والميزان بالقسط، وذكر الله عند عزائم الأمور، وذكر الله على كل حال، وحفظ النفس، وغض البصر، وحفظ الفرج، وحفظ الأركان كلها، وكظم الغيظ، ودفع السيئة بالحسنة، والصبر على المصيبات، والقصد في الرضا والغضب، والاقتصاد في الشيء، بالقول والعمل، والتوبة إلى الله من قريب، والاستغفار للذنوب، ومعرفة الحق لأهله، ومعرفة العدل إذا رأى عامله، ومعرفة الجوز إذا رأى عامله، والمحافظة على حدود الله، ورد ما اختلف فيه من حكم، وغيره إلى الله، ورد ما يتنازع فيع من شيء إلى أولي الأمر الذين يستنبطونه، وترك ما يريب. والاستئذان في البيوت، فلا يدخل البيوت حتى يستأذن ويسلم على أهلها من قبل أن ينظر في البيت أو يستمع فيه، فإن لم يجد أحدا فلا يدخل بغير إذن أهلها، فإن قيل ارجعوا، فالرجوع أولى، فإن أذنوا فقد حل الدخول، وأما البيوت التي ليس فيها سكان وفيها منافع لعابري السبيل أو غيرهم يسكن فيها أو يتمتع بها، فليس فيها استئذان. والاستئذان لما ملكت اليمين من صغير وكبير، ومن لم يبلغ الحلم من خدمة أهل البيت، ثلاثة أحيان من الليل والنهار: من آخر الليل قبل صلاة الفجر، وعند القيلولة إذا خلا رب البيت بأهله، ومن بعد صلاة العشاء إذا آوى رب البيت وأهله إلى مضاجعهم. فإذا بلغ الأطفال من خدمة أهل البيت الحلم فقد وجب عليهم الاستئذان كل الأحيان. واجتناب قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، واجتناب أكل أموال الناس بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، واجتناب أكل مال اليتيم ظلما، واجتناب شرب الخمر، واجتناب الحرام من الأشربة والطعام. واجتناب كسب المال بغير الحق، واجتناب التبذير في غير حق، واجتناب التطفيف في الكيل والوزن. واجتناب نكث لبيعة وخلع الأئمة، واجتناب الغدر والمعصية، واجتناب اليمين الآثمة، واجتناب بر اليمين بالمعصية، واجتناب الكذب والتزيد في الحديث. واجتناب الشهادة بالزور، واجتناب قول البهتان، واجتناب قذف المحصن والمحصنة، واجتناب الهمز واللمز والتنابز بالألقاب، واجتناب النميمة والاغتياب، واجتناب التجسس وسوء الظن بالصالحين والصالحات، واتقاء الإصرار
[ ١ / ٨٣ ]
على الذنب، والتهاون به، واتقاء منع الماعون، والإمساك عن الحق، والتمادي في الغي، والتقصير عن الرشد، والكبر والفخر والخيلاء والفجور، والمبادرة بالشر، والإعجاب بالنفس والفرح والمزح، والتنزه من لفظ السوء، والفحش والخناء وسوء الخلق والنول والقذر، كل هذا صفة دين الله وهذا الإيمان وما شرع فيه من الإقرار بما جاء من عنده، وبين فيه من حلاله وحرامه، وسننه وفرائضه، وقد سمى لكم ما ينتفع به ذوو الألباب، وفوق كل ذي علم عليم. ويجمع ذلك كله التقوى، فاتقوا الله واعتصموا بحبله ولا قوة إلا بالله، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يبلغ به رضوان الله والجنة، والحمد لله وصلى الله على محمد كلما ذكر.
وقال مالك بن أنس وسفيان الثوري ابن عيينة وهشام الدستواني ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وابن جريج ومحمد بن مسلم الطائفي وفضيل بن عياض ومعمر وشريك وأبو بكر بن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد وعبد الكريم الجزري وأيوب وحفص ويحيى بن سليم ووكيع وجرير والغزاري الكبير وعبد الله بن المبارك: الإيمان قول وعمل، وقال مسعر: يزيد وينقص. وقال سفيان الثوري: لا يستقيم قول إلا بعمل ولا عمل إلا بقول، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافق السنة.
وقال إبراهيم بن شماس: سألت رجل سفيان بن عيينة وأنا عنده عن الإيمان فقال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى معك إلا مثل هذا، وقلل أصابعه. قال: فكيف يصنع بقوم يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال: يا ابن أخي، إن الله تعالى بعث محمدا إلى الخلق كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها ففعلوا، ثم أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا! فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم ولا هجرتهم إلى المدينة. ولما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يردهم إلى مكة يقاتلون آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا قولهم ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم، ففعلوا، حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يا رسول الله هذا رأس الشيخ الكافر! فلو لم يفعلوا ما
[ ١ / ٨٤ ]
نفعهم الإقرار ولا صلاتهم ولا هجرتهم إلى المدينة. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا هجرتهم ولا قتلهم آباءهم. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمرهم أن يطوفوا بالبيت العتيق تذللا ويحلقوا رؤوسهم تبعدا، فأمرهم ففعلوا. فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. هكذا السنة يا ابن أخي فأبلغها عني من سألك من الناس.
وقال فضيل بن عياض أصل الإيمان وفروعه بعد أداء الشهادة بالتوحيد، والشهادة للنبي ﷺ بالبلاغ، وأداء الفرائض صدق الحديث وحفظ الأمانة، وترك الخيانة، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، والنصيحة لجميع المسلمين والرحمة للعامة أو للناس. فقيل له: هذا من رأيك أو سمعته؟ فقال: بل سمعناه وتعلمناه، ولو لم آخذه من أهل الفقه والفضل لم أتكلم به.
فصل
وقد دعا قوما قولهم إن الإيمان هو المعرفة والإقرار وليست الأعمال من الإيمان، إلى أن قالوا: كل مؤمن وإن عمل ما عمل من المعاصي فإيمانه كإيمان أكثر الناس طاعة وأشدهم اجتهادا في العبادة. ومنهم من اجترأ ولم يأب أن يقول: إيماني وإيمان جبريل وميكائيل على السواء. واستعظم السلف هذا القول. فروي عن عائشة ﵂ قالت: ما كان رسول الله ﷺ يبوح به، إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل.
وذكر لابن أبي مليكة إيمان، فقال: أترون إيمانا مثل إيمان جبريل وميكائيل، وبهذا كان رجلا صاحب شراب.
[ ١ / ٨٥ ]
وقال جويبر: كان الضحاك بن مزاحم يعجب ممن يقول: إيمانه كإيمان جبريل. وأنكر ذلك عطاء بن أبي رباح وميمون بن مهران أشد، وقد كان ينبغي لمن يترك زيادة الإيمان بانضمام فروعه إليه ولا ينكر زيادته من قبل زيادة اليقين وفروعه أن لا يقول: إيماني كإيمان الملائكة والنبيين صلوات الله عليهم لأنه أعلم بالله تعالى، ومن كان أعلم به كان يقينه فوق يقين من يقصر علمه من علمهم وبالله التوفيق.
وقد يبرأ أحد الذين ينسب هذا القول منه، فقال: لا نقول هذا، ولكنا نقول دين الله واحد وعباده فيما شرع لهم منه سواء. فيقال لم نتكلم عنه، ومن قال لكم: إن الله تعالى أديانا وعبادة منها أوزاع؟ إنما نقول: دين الله واحد، وهو الإسلام الذي وصفه فقال: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ وقال: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾. وسمى الدائنين بهذا الدين مسلمين ومؤمنين. وسمى النبي ﷺ هذا الدين الإسلام مرة، ودعاه باسم الإيمان مرة أخرى. فهما اسمان لدين واحد. إلا أن هذا الدين له شعب فمن استكملها كان مستكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يكن مستكمل الإيمان وهذا لا يوجب أن يكون دين الله أكثر من واحد، وإن يكون لقوم دين، وآخر دين. ولو وجب إذا قلنا: إن الطاعات كلها إيمان، أن نكون أثبتنا لله تعالى أديانا، لوجب على الجميع إذا قالوا: الإقرار والاعتقاد معا إيمان، وهما خصلتان، أن يكونوا أثبتوا لله تعالى دينين، وإن كان وصفهم عملين، فإنهما إيمان لا يوجب أن يكون دين الله اثنين. فكذلك وصفنا أعمالا كثيرة بأنها إيمان لا يوجب أن يكون لله تعالى أديان كثيرة.
وأيضا فإن الصلاة عبادة واحدة لكنها تنقسم إلى خمس صلوات في كل يوم وليلة، فمن أقامها جميعا كان مستكملا لها، وإن أقام بعضا وترك بعضا، لم يكن مستكملا لها ذلك لا يخرج فرض الصلاة من أن يكون متفقا في نفسه، وإن يكون شرعة للناس واحدا فإن الناس إنما يوفون في التخالف من قيل أفعالهم التي يباشرونها، وإلا فالذي أمروا به غير مختلف في نفسه. والقول في كل صلاة وما ينقسم إليه من قول أو فعال هكذا أيضا. وكذلك صيام رمضان فرض واحد، ولكنه ينقسم إلى أيام، فمن صامها جميعًا كان
[ ١ / ٨٦ ]
مستكملا فرض الشهر، ومن ترك بعضها لم يكن مستكملا له، وذلك لا يجعل الفرض مختلفا في نفسه لكنه متفق، وإنما الاختلاف في أفعال الناس دونه.
كذلك دين الله تعالى واحد. ولكن إقامة ذلك الدين من الناس مختلف، فمنهم أقل أفعالا، ومنهم أكثر أفعالا، وذلك لا يجعل الدين أديانا، والله أعلم.
وقال القائل: دعا الله تعالى عباده إلى الإقرار به، وتوحيده، وتصديق نبيه. فكان من أجاب إلى ذلك مؤمنا، ومن لم يجب إليه كافرا. ثم شرع الشرائع من بعد فرض الفرائض وحد الحدود، فثبت بذلك أنها ليست من الإيمان، إذا كان ثبوت الإيمان للناس سابقا لها.
فيقال له: أرأيت نبينا محمدا ﷺ قبل أن أوحى الله إليه إذا كان يمضي التعبد إلى حراء فلا يهتدي إلى شيء سوى متابعة السجود لله تعالى، أكان مؤمنا بالله؟ وخليل الله إبراهيم صلوات الله عليه حين قال لقومه: ﴿إني برئ مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾، أكان مؤمنا بالله تعالى؟ فلابد من نعم! فيقال له: أكان ذلك التصديق والإقرار منه إيمانا؟ فلابد من نعم! فيقال: كيف وقد جرى عليه حكم الإيمان قبل ذلك؟ وإذا اخترت أن يكون منه إيمان على إيمان. فما أنكرت أن الإيمان وأن تقدم على ما وصفته شرعت الشرائع، فإن عامة هذه الشرائع إيمان، وفعلها فعل إيمان.
فإن قال: إنما كان المتقدم إيمان لله تعالى، والحادث إيمان بالنبوة!
قيل: وكذلك ما تقدم وسبق شرع الشرائع إيمان بالله تعالى وبالنبي، والحادث صلاة وزكاة وصيام وحج وجهاد، فما بين الأمرين من فرق؟ ويقال له: أرأيت إذا فرض الله الصلاة ركعتين ثم زاد في الحصر، أكانت الزيادة زيادة الصلاة في الظهر والعصر والعشاء أولا؟ فإذا كانت زيادة صلاة فيها، قيل له: أليس قد صحت للناس هذه الصلوات من قبل أن تكون هذه الزيادة، فلم لا علمت بذلك، أن هذه الزيادة لا ظهر ولا عصر ولا عشاء كما قلت أن الشرائع لما شرعت، وقد صح للناس إيمانهم، دل ذلك على أنها ليست إيمان.
ويقال له: أرأيت الإيمان إذا تقدم كما وصفت ثم شرعت الشرائع لم يلزم قبولها إذا شرعت؟
[ ١ / ٨٧ ]
فإن قال: لأن الإيمان بالله والنبي وصول لأمرهما.
قيل له: أو يسبق القبول الأمر، فإن قال: نعم! قيل له: أرأيت رجلا اعتقد في زمان النبي ﷺ قبل أن تأتيه الرسالة، أنه إن نبئ سمع له فنبي وأطاع. استغنى بالعقد الذي تقدم منه على الإيمان به بعد أن جاءته الرسالة. فلابد من لا، فيقال له؟ ما أنكرت أن تصديق النبي ﷺ بعد ما نبي، والإقرار به لا يغني عن قبول ما يشرع على لسانه إذا شرع.
ثم يقال له: فإذا احتاج إلى القبول! فقيل: أما أن يكون ذلك إيمانا منه، فإذا قال ذلك، يكون إيمانا منه. قيل له: كيف وقد سبق الإيمان قبل أن يكون هذا الشرع، وإذا أجزت أن يكون الإيمان بائنا موجودا ثم يشرع ما يكون قبوله إيمانا، فيكون ذلك إيمانا على إيمان، فلم لا أجزت أن يشرع ما يكون العمل به إيمانا، فيكون إيمانا على إيمان، وبالله التوفيق.
قال هذا القائل: وإنما ميز الله تعالى بين الإيمان والعمل، ليتقدم الإيمان متجردا عن كل عمل إلى أن شرعت الأعمال وأنزلت الفرائض والحدود، فقال ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ففرق بين الإيمان والأعمال الصالحة! فيقال له: أرأيت إن لم تكن الأعمال الصالحة إيمانا! أتقول: إن الأيمان من الأعمال الصالحة؟ فلابد من نعم؟ فيقال له: فقد ميز الله بينهما، فإن أجاز مع هذا التمييز أن يكون الإيمان من الأعمال الصالحة، فلم لا جاز أن تكون الأعمال الصالحة من الإيمان؟
ويقال له: ما أنكرت أن معنى الآية: أن الذين آمنوا بألسنتهم، وعملوا سائر الطاعات بعامة جوارحهم فكانوا مؤمنين مستكملي الإيمان، وإنما أفرد الإيمان من الصالحات لأنه أراه الإيمان باللسان بعد رسوخه في القلب ولو أراد الإيمان المطلق لكان في ذكر الإيمان كفاية عن ذكر الصالحات، وإذا كان هذا مما تحتمله الآية وجب حملها عليه للدليل الذي سبق ذكره والله أعلم.
قال هذا القائل: ويدل على اختلاف الإيمان والأعمال، أنك تجد الناس متفاضلين في الأعمال، ولا تجدهم متقاربين في الإيمان، وتفاضل في الدين، وقد بين النبي ﷺ ذلك نصا،
[ ١ / ٨٨ ]
حيث أخبر أن جلوس المرأة نصف دهرها لا تصلي نقصان، فكيف يجوز مع هذا أن يقال: الناس يتفاضلون في العمل، ليسوا بمتفاضلين في الدين؟
قال القائل: فإن الله ﷿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا: ﴿والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. فكان الدين يستوي فيه المتقدمون والمتأخرون والملائكة والنبيون والأنس والجان، وهو التوحيد. ثم كانت شرائع الأنبياء ﵈ من الاختلاف بحيث لا يخفي، فدل ذلك على أنها شرائع الدين. وأما الدين فهو ما لم يختلفوا فيه.
فيقال له: أخبرنا عن قبول الشرائع إذا شرعت أهو إيمان؟ فإذا قال: نعم!. قيل له: فهل كان على الأنبياء أن يقبل بعضهم شرع بعض مع تفرق أزمانهم وتباعد أعصارهم فلابد من لا، فيقال له: فإن جاز أن يتباينوا وأممهم، فما يلزمهم من قبول الشرائع، ولا يلزم كل واحد أن لا يقبل على نفسه إلا ما شرع له إذا كان نبيا، أو ما شرع لنبيه أن كان من إحدى الأمم، ثم يكون القبول إيمانا ودينا، لم لا جاز أن يتباينوا وأممهم في الإيمان التي هي الشرائع، وتكون الشرائع إيمانا ودينا. فإن قال: إن شرائعهم- وإن اختلفت- فقبول الشريعة معنى واحد، وليست بمعان في الكثرة والاختلاف. فإن كانا ففي المقبول لا في القبول!
قيل له: فما أنكرت أن العمل بالشريعة معنى واحد وليس بمعان، فالكثرة والاختلاف إن كانا ففي المعمول لا في العمل! ويقال له: أخبرنا عن تصديق الأنبياء، إيمان أو غير إيمان؟ فإذا قال ذلك قيل له: أليس على كل متأخر من الأنبياء أن يؤمن بالأنبياء الذين تقدموه، فأما المتقدمون فليس عليهم من المتأخرين فرض إيمان إلا أن يكون أحدهم أخبر أن نبيان كان بعده، فيكون عليه الإيمان بأنه نبي، فأما الإيمان بأنه نبي فأنكر إذا كان هذا هكذا، فقد اختلف حالهم في ذلك فكان على بعضهم من الفرض فيه ما لم يكن على غيره وذلك لا يدل على أن الشرائع ليست من الإيمان والدين.
ويقال له: ما أنكرت أن الدين هو الطاعة، ومعنى الآية: شرع لكم من إلزامكم الطاعة
[ ١ / ٨٩ ]
ما شرع لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبيكم ﷺ وعليهم، أي أنه لم يرض من أحد من عباده أن يعصيه في أوامره ونواهيه، بل أخذ الأنبياء عامة وأممهم بطاعته وإتباع أوامره، فلذلك ألزمهم طاعته، لم يرخص لهم في خلافها، وليس بقابل منكم غيرها، فأقيموا الطلق أي الطاعة فلا تتفرقوا، وليس في هذا ما يوجب اختلافا بين المتقدمين والمتأخرين في اللين، لأن وجوب الطاعة بشملهم، وإن كان ما تجب الطاعة فيه متفرقا، والأعمال لم تكن إيمانا عندنا لأعيانها، حتى إذا كانت مختلفة أوجب ذلك اختلاف الإيمان وتفرق الدين وإنما كانت إيمانا لأنها طاعات، فإذا كان معنى الطاعة تجمعها، فقد وجد الاتفاق في دين الجميع والله أعلم.
ثم أن قوله ﷿: ﴿ولا تتفرقوا فيه﴾ يدخل في جملته أن لا تتفرقوا في الدين، فيكون من بعضهم الطاعة ومن بعضهم خلافها. فأما إقامة الطاعة ممن يقيمها لا ينفع إلا نفسه دون من وجد منهم خلافا، ويدخل فيه أن لا تختلفوا فيه. فيقول بعضهم لشيء من الطاعات هذا خارج من الدين الذي تعبدنا به، فإن الدين هو الطاعة، فإذا شرع والله أعلم.
قال القائل: وقد يكون في الناس من لا علم له بالفرائض وهو مع ذلك يسمى مؤمنا، ولو لم يعلم ما يلزمه الإقرار به لم يكن مؤمنا، وإنما في هذا ما يبين اختلاف الإقرار والعمل. فيقال له: وفي الناس من لا علم له بالتوحيد، وأنت تسميه مؤمنا مثل الصبي المولود بين المسلمين، والمجنون- صغيرا كان أو كبيرا- إذا كان مولودا بين المسلمين، ولا يدل ذلك على أن التوحيد ليس بإيمان، فكذلك الصغير المؤمن إذا بلغ ولم يعلم بلوغ نفسه أو لم يخطر وجود التوحيد في قلبه فهو مؤمن، ولا يدل على أن التوحيد ليس بإيمان.
ويقال: كل من كان عليه فرض يؤاخذه الله بتركه، فلم يطلب علمه مع إمكان طلبه، وأخل بفعله لجهله، فليس بمؤمن مطلق إيمان، كلنه ناقص الإيمان من وجهين: أحدهما ترك طلب العلم والآخر الإخلال بالعمل، فكلامك غير لازم.
ويقال له: أخبرنا عن تعظيم النبي ﷺ في حياته، أكان إيمانا؟ فإذا قال نعم! قيل له: فمن آمن به ولم يره أليس كان يصح إيمانه؟ فإذا قال: بلى! قيل له فإذا لم يكن رآه لم يعلمه بعينه فيعظمه، أيدل هذا على أن تعظيمه إياه ليس بإيمان؟ فإذا قال: لا!
[ ١ / ٩٠ ]
قيل له: فما أنكرت أن ما يعلم الفرائض بأعيانها فيعمل بها، يكون مؤمنا فلا يدل ذلك على أنه إذا علمها فعمل بها لم يكن عمله بها إيمانا، وبالله التوفيق.
وقال القائل: ولو كان العمل من الإيمان لكان المنافقون مؤمنين، لأنهم يعملون ما يعمله غيرهم. فيقال له: أرأيت أن قال لك قائل: أن الإقرار ليس بإيمان لأن المنافقين كانوا يقرون، فلو كان الإقرار إيمانا لكان المنافقون مؤمنين، فإن قال كان إقرارهم فاسدا لأنهم كانوا يبطنون خلاف ما يظهرون. قيل: فكذلك أعمالهم فاسدة، لأنهم كانوا يبطنون خلاف ما يظهرون، وشرط الأعمال الإخلاص. فمن لا إخلاص له لا عمل له والله أعلم وبالله التوفيق.
وهذه مسألة وجدتها في هذا الباب لبعض المغرورين، فنقصها عليه وإن كنت لم أعرفه، وزعم: أن الإيمان هو التصديق والاعتقاد دون سائر العبادات، لأن الله تعالى سمى من صدق بما جاء به مؤمنا بقوله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾، وهذه عبارة عن الاعتقاد دون غيره من الأفعال.
فيقال له: ليس في هذه الآية إلا أن الله ﵎ شهد لرسوله وللمؤمنين الذين كانوا معه، بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله. ولسنا ننكر بأنهم فعلوا ذلك واستوجبوا هذا الوصف، وليس من مدحهم والثناء عليهم بأنهم آمنوا ما يبين حد الإيمان وحقيقته، لأن وصف الواحد بالإيمان مطلقا لا ينبي عما كان منه من عقد أو قول أو فعل، فكان به ولأجله مؤمنا.
ألا ترى أن الله ﷿ قال فيما مدح به قوما: ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾.
فلم يتسع ذلك لإيمانه حد الصبر أو الصدق أو القنوت والاستغفار، ولا حقيقته، ولم يكن فيه إلا أن فاعلي هذه الأفعال مستحقون للثناء والمدح، وكان علم حقائقهما وحدودها مطلوبا من غير هذه الآية.
وهكذا لما قال: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون
[ ١ / ٩١ ]
الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله﴾ علم به أن المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم هم الذين يجاهدون في سبيله فيقتلون ويقتلون. وهم بهذه الصفات، ثم لا يعلم بهذا حد واحدة من هذه الخصال ولا حقيقتها.
وهكذا كل من سماه الله ﷿ في كتابه باسم مشتق من فعل أو حكي عنه فعلا بالاسم الموضوع لتعريفه، فإن ذلك يدل على وجود ذلك الفعل منه، ولكنه إذا احتج إلى علم حقيقة ذلك الفعل وحده، لم يستفد من قبل تلك القسمة، ولا من جهة تلك الحكاية.
ولذلك إذا أخبرنا الله ﷿ أو الرسول أن المؤمنين كلهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، علم بخبره أن الإيمان حقا قد كان منهم، ولكن ذلك لا يكشف عن حقيقة الإيمان وحده، ولا ينبي عن أنهم ماذا قالوا له فعلوا، فأصرف أخبار الله تعالى عنهم بالإيمان إليه، وإذا آل الأمر إلى التحديد، فإنما يحده بما قام الدليل عليه عنده، ثم لا يضاف من ذلك إلى هذه الآية شيء. فقد بان لك أنك الفراء من هذه الآية.
ويقال له: ما أنكرت أن هذه الآية إلى أن تكون حجة عليك أقرب منها إلى أن تكون حجة لك! لأن الله ﷿ كما نعت المؤمنين بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فكذلك نعتهم بأنهم قالوا: سمعنا وأطعنا ولم يكن يمدحهم بكذب قالوه، فصح أنهم لم يقولوا، وأطعنا، إلا أن الطاعة لما سمعوا قد وجدت منهم. وهم لم يكونوا سمعوا فرض الاعتراف في هذه الآية دون الشرائع من الأوامر والنواهي، فعلمنا أن الطاعة لما سمعوا قد وجدت منهم، وثم لم يكونوا في عامة هذه المسموعات، كانت قد وجدت منهم. فغنما أخبر الله تعالى عنهم بالإيمان، وسماهم مؤمنين بهذه الخصال، فهذه الخصال كلها لا لشيء منها دون شيء، بأن بذلك أن الطاعات كلها إيمان والله أعلم.
ويقال: أليس قد أخبر الله ﷿ عن الرسول وعن المؤمنين أنهم قالوا: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. ربنا لا تؤآخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ كما أخبر عنهم أنهم آمنوا به وبملائكته وكتبه ورسله، فما أنكرت أن هذه الأقوال والدعوات كلها إيمان منهم إذ كان إنما سماهم مؤمنين لما أخبر عنهم بأنه كان منهم، وقد أخبر عن
[ ١ / ٩٢ ]
كون هذه الدعوات منهم كما أخبر عنهم عن كون الاعتراف بالله وبملائكته وكتبه ورسله منهم. فثبت أن كل ذلك إيمان، لأنه لو لم يكن إيمانا لم يكن الذي وجد منهم لأجله مؤمنين. وقد أجبت الآية أنهم كانوا مؤمنين لوجود ذلك كله منهم، وبالله التوفيق.
ويقال له: زعمت أن هذه الآية عبارة عن الاعتقاد، وذلك يلزمك أن يخرج الإقرار من جملة الإيمان، لأن الله جل وعز جعلهم بزعمك مؤمنين بالاعتقاد، فإن جاز مع ذلك أن يضم الإقرار إلى الاعتقاد- وليس ذلك بزعمك في الآية- لم لا جاز لغيرك أن تضم العبارات إلى الاعتقاد، وإن لم يكن في الآية على أن معنى الآية: والمؤمنون كلهم قالوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله. والدليل على ذلك أنه وصل بهذا قوله ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾. وهذا لا يليق إلا أن يكون كلام المؤمنين ولو لم يكن تقدير قوله جل وعز: ﴿كل آمن بالله وملائكته ورسله﴾. ولم يفرقوا بين أحد من رسله. فلما قيل: ﴿لا نفرق﴾ ذلك على أن تقدير الحكاية ما وضعت، وفي ذلك ما يوجب أن يكون اختصاص الإقرار بالآية أشبه من اختصاص الاعتقاد، وبالله التوفيق.
قال الرجل: وأمرهم بعد صحة الاعتقاد أن يشهدوا لأنفسهم بالإيمان والإسلام، لقوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ إلى قوله: ﴿ونحن له مسلمون﴾ فمدح من شهد بذلك لنفسه، فقال ﵎: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾. فأخبر بأنهم يصيرون بهذا مؤمنين، لقوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾.
وهذا كله راجع إلى التصديق دون غيره من الأفعال، فثبت أنه الإيمان لا غير، فقال له في قوله "أمرهم بعد صحة الاعتقاد أن يشهدوا لأنفسهم بالإيمان" من أين قلت هذا؟ فإن ادعى أنه قاله، إن هذه الآية مرتبة على الآية التي بدأ بذكرها، وأن تلك في الاعتقاد، وهذه في الإقرار، طولب بالحجة في ما تدعيه من ذلك، ولن تحد إليه سبيلا، وإن لح في إثبات أن الإقرار يترتب على الاعتقاد، بدليل آخر، قبل في ذلك منه.
[ ١ / ٩٣ ]
وقيل لهم: أن الله تعالى يأمرهم أن يشهدوا لأنفسهم بالإيمان، فإن الإيمان فرض لله تعالى على عباده، فإذا التزموه فإنما يشهدون به على أنفسهم، كما قال جل وعز: ﴿كونوا قوامين بالقسط، شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ ولا يشهدون به لأنفسهم، بل لله تعالى ينبغي أن يشهد به لهم، ليعلموا أنه قد يقبل منهم. وإذا بطل هذا، فالجواب:- وبالله التوفيق- أنه أمرهم أن يصفوا إيمانهم لخصومهم، وهم اليهود والنصارى، ويعلموهم أن إيمانهم: محمد ﷺ قصد إلى شقاقهم وخلافهم، لكن لأنه نبي، والتفريق بين أنبياء الله ورسله في الإيمان بهم غير جائز، فإنهم قد آمنوا بعيسى وموسى ولم يمنعهم من الإيمان بهما، إنهم لا يؤمنون بنبيهم، فلو كان القصد إلى الشقاق دون التدوين لم يكن منهم هذا.
ثم قال: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتك به فقد اهتدوا﴾ أي فإن آمنوا بنبيكم وبعامة الأنبياء ولم يفرقوا بينهم كما لم يفرقوا، فقد اهتدوا، وإن أبوا إلا التفريق فهم الناكبون عن التدبر إلى الشقاق، فسيكفيهم الله وهو السميع العليم. فهذا معنى الآية، وليس فيها بيان أن الإيمان الذي أمروا به أن يصفوا به أنفسهم، فإذا كان وما حده؟ وما حقيقته؟ وإذا كانت هذه الآية خطابا لقوم قد اعتقوا الحق وأقروا به، وصلوا وصاموا وعبدوا الله تعالى بضروب من العبادات، وقابلوا أوامره ونواهيه بالطاعة، فهم إذا قالوا آمنا بالله وما أنزل إلينا اشتمل ذلك عندنا على كل طاعة وجدت منهم إلى ذلك الوقت.
فإن خالفنا الرجل في ذلك وقال: أنه لا يشتمل على الإقرار والاعتقاد، فلهم على قوله دليل، فإنا له فيما قال مخالفون، وله بالدلالة عليه مطالبون.
فإن قال القائل على ذلك، لمنه جل وعز قال: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾. ومعلوم أنهم لو شهدوا شهادتي الحق لكانوا مؤمنين مهتدين، فظهر بذلك أنه لم يدخل في قوله ﷿: ﴿قولوا آمنا بالله﴾ إلا شهادة الحق.
قيل لهم: إنما يكونوا مهتدين إذا أدوا ما عليهم، إلا أنهم إن شهدوا شهادتي الحق، لم يتراكم عليهم في ذلك الفوز الفرائض كلها، وإنما تجب شيئا فشيئا. فإذا أدوا في أول
[ ١ / ٩٤ ]
أوقات دخولهم في زمن الحق ما عليهم في ذلك الفوز، فقد اهتدوا، كما أن المؤمنين الذين أمروا أن يقولوا آمنا لما كانوا مؤدين ما عليهم كانوا مهتدين، وصح منهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا، والله أعلم.
وجواب آخر: وهو أنا لو سلمنا له أن قول الله جل وعز: ﴿قولوا آمنا﴾ إشارة إلى اعتقادهم وإقرارهم، فليس في ذلك ما يقيم له حجة، لأنا لم ننكر أن يكون ذلك إيمانا، فنكلف إقامة الدليل عليه. وإنما أنكرنا أن لا يكون ما عداه إيمانا، فإنما ينبغي أن يقيم الدليل على ما تنفيه ونثبته، لا على ما نثبته جميعا ولا ننكره، وكل ما قلنا في هذه الآية فهو في قوله ﷿: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾ مثله. لأن فيه مدحا للذين يقولون بهذا القول، وليس فيه تحديد الإيمان الذي أخبروا أنهم سمعوا مناديا ينادي إلى عبادة الله التي تنقسم أقساما ووجوها كثيرة. غير أن أعلاها وأثبتها التوحيد، فدخلت العبادات كلها في الإيمان الذي نادى به، ودخل في قول المحبين، فآمنا، ووصفهم أنفسهم بذلك إقامتهم كل ما دعاهم إليه المنادي.
فإن قال الرجل: لم يكن ذلك كذلك، وإنما المراد من النداء الإجابة إلى التوحيد، فإنما كان إلى الإيمان، والإجابة إن كانت إليه فإنما كانت إلى الإيمان، ولسنا ننكر ذلك الإيمان. وإنما الخلاف في الطاعات سواه، وليس إذا كان التوحيد إيمانا، أو امتنع أن تكون سائر الطاعات إيمانا، فما دليله على أنها ليست إيمان. فإن المختلف فيه أحق بإقامة الدليل عليه من المتفق عليه والله أعلم وبه التوفيق.
ويقال له: أرأيت لو قال لك قائل أن تصديق النبي ﷺ ليس بإيمان، فإنما الإيمان هو التصديق بالله تعالى. لأن الله تعالى أثنى على ذلك: ﴿قالوا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا﴾، ولم يذكر الإيمان بالرسول، فإذا كنت تقول له: فإن فرغ إلى أن ذلك لما قام الدليل عليه لا في هذه الآية. قيل له: وكذلك الطاعات كلها، قد قام الدليل على أنها إيمان، لا في هذه الآية، فما أنكرت أن الرجوع إليها أولى من الرجوع إلى ما لا دلالة له فيه على موضع الخلاف وبالله التوفيق.
[ ١ / ٩٥ ]
قال الرجل: وقد فرق الله تعالى بين الإيمان وبين سائر الخيرات بقوله: ﴿لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾.
فيقال له: ما في هذه الآية ما يدل على أن اكتساب الخير في الإيمان ليس بإيمان.
فإن قال: لأن ذلك لو كان كذلك، لكان كأنه قال: أو كسبت في إيمانها إيمانا.
قيل: وما الذي يمنع أن يقال ذلك وما فيه من المعاني التي يفسد بمثلها الكلام فأقم الدلالة على صحة ما تدعيه إن كانت عندك، فأنا لما تقولوه رادون، ولك بحجة مؤاخذون.
فإن قال: أنه لما قال: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ دل ذلك على أن المكسوب غير المكسوب فيه، بلى كذلك لا تكون دوائر الإيمان المبتدأ غير ما يقام فيه من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، وإن كان كل ذلك إيمانا، كما أن دوام عقد الصلاة وحرمتها غير ما يؤتى به فيها من ركوع وسجود وغيرها، وإن كان كل ذلك صلاة. فلم قلت: إن الخير المكسوب في الإيمان لا يكون إيمانا؟
ويقال له: ما أنكرت أن تقدير قول الله ﷿: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ أو كسبت لإيمانها، كما لا تفعل الخيرات التي هي إيمان، والاستكثار منها، ونظيره قول الناس: أفاد فلان علي في علمه تقدما، أو في صناعته نفادا، أي استفاد كمالا في علمه وكمالا في صناعته. لأن التقدم في العلم علم، والنفد في الصناعة صناعة.
قال الرجل: وقال ﷿: ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا﴾ وقال: ﴿فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن﴾، فلا يجوز أن تكون الأعمال الصالحة هي الإيمان، فيكون شرط صحة الشيء وسبب قيامه هو الشيء نفسه. فدل ذلك على أن الإيمان غيرها.
فيقال له: ما أنكرت أن معنى قول الله ﷿: ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا﴾ أي فيكون إيمانه بالله تاما كاملا إذ العمل الصالح إيمان. وهو كقول القائل: من صلى وأحسن الركوع والسجود فله كذا، فيكون المعنى. من صلى وأحسن الركوع والسجود
[ ١ / ٩٦ ]
فكانت صلاته بذلك تامة لا نقص فيها ولا خلل، إذ الركوع والسجود صلاة، وإحسانهما إحسان صلاة، وقال ﷿: ﴿ومن تقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا﴾ لا يدل على أن العمل الصالح ليس من جملة القنوت لله ورسوله. فكذلك قوله ﷿: ﴿ومن يؤمن بالله ورسوله﴾ لا يدل على أن العمل الصالح ليس من الإيمان. وأما قوله ﷿. ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن﴾ يعملها لأنه قد يعمل العمل الصالح في نفسه من لا يكون بفعله إياه مؤمنا، وأن إعتاق العبد والصدقة على الفقير عملان صالحان بأنفسهما، لأن الكافر إذا عملها لم يكن بفعله إياها مؤمنا. وهذا كما يقال: من يركع ويسجد وهو مصل فله كذا، فيراد به أن يكون ركوعه وسجوده صلاة، ويكون المعنى: وهو مصلي بفعلهما، فكذلك هذا والله أعلم.
فأما قوله: لا يجوز أن يكون شرط صحة الشيء هو الشيء نفسه! فجوابه أن يقال له: إن كان كذلك، لا يجوز! فأنت القائل بما لا يجوز والداخل في معناه، كان الإيمان شرط لصحة الصالحات. ولا خلاف في أنه بنفسه من الصالحات فقد صار شرط صحة الشيء نفسه باتفاق!
فإن قال: لا! قيل له: فقل: إن الإيمان ليس من الأعمال الصالحة كما قلت أن الأعمال الصالحات ليست من الإيمان. وإن جاز ذلك أن يقول: إن الإيمان من الصالحات، وإن كانت الآية واردة بلفظ يوجب ظاهرها، أن يكون الإيمان شرط الصالحات، فيكون ما شرط من الإيمان لصحة الصالحات من الإيمان. فتجعل الصالحات وما شرط لصحتها من الإيمان شيئا واحدا، ولا فصل بين القولين.
ويقال له على كلامه في هذه الآيات كلها: أنكرت أن جميعها واردة في الإيمان بالله ورسوله. ولسنا ننكر أن الإيمان بالله ورسوله ما ذكرت. ولكن وراء ذلك إيمانا لله ورسوله، ووجوب أحد الإيمانيين لا يمنع وجوب الآخر. وكذلك استحقاق أحدهما اسم الإيمان لا يمنع استحقاق الآخر اسمه. فما أنكرت أن الطاعات كلها تستوجب اسم الإيمان لله ولرسوله، وإن كانت لا تستوجب اسم الإيمان بالله. فإن معنى قول الله ﷿: ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا﴾ أي ومن يؤمن بالله ويؤمن له. ومعنى ﴿فمن يعمل من الصالحات وهو
[ ١ / ٩٧ ]
مؤمن﴾. أي فهو مؤمن لله، وقد قدم الإيمان به. ومعنى: ﴿لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾. ذلك إيمانا لله ورسوله. ويكون الدليل على ذلك ما تقدم بحقيقة من هذا المعنى في الباب الأول والله أعلم.
ويقال له: هل يجوز أن يكتسب الكافر من كفره شرا يكون ذلك في زيادة كفر منه مثل: أن يكون كافرا بنبي فيجحد نبوة نبي آخر! ويكون جاحدا للنبوات فيحدث شبها لله بخلقه! فإذا قال: يجوز. قيل: لم لا جاز أن يكتسب المؤمن في إيمانه خيرا يكون ذلك إيمانا فيزداد بذلك إيمانه، وما الفرق؟
ويقال: أليس أصحابك قد حملوا ما جاء من القرآن في زيادة الإيمان على أحد معنيين: أما زيادة اليقين، وأما تكرير الإقرار. فبما تقول فيمن كان له في إيمانه فضل استدلال على صحة دينه، وقوى بذلك يقينه أو كرر الإقرار؟ ليس كل واحد من الأمرين خير كسبه في إيمانه، وهو في نفسه إيمان. فما أنكرت أن يكون ذلك الخير الذي أراده الله تعالى بقوله: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ إيمانا إذ قد ظهر أن تسمية الله تعالى الفعل الواقع في الإيمان خيرا مكتسبا في الإيمان، لا ينفي أن يكون ذلك الخير إيمانا، وهذا كقبول الشرع بعد الشرع في زمن النبي ﷺ بعد صحة الإيمان به كان كسب خير في الإيمان، وكان بنفسه إيمانا، فلا ينكر أن تكون كل عبادة وطاعة كذلك، والله أعلم.
قال الرجل: والأشياء تعرف بأضدادها، والكفر الذي هو ضد الاسم التصديق لا غير! فيقال له: أن هذه العبادة ليست من كلام أهل التحقيق وهي خطأ، لأن الأشياء تعرف إما ضرورة، وإما بالدلائل الدالة عليها. فإما أن يقال: إن كل شيء فإنما يعرف بضده، فهذا يوافق إلى أن لا يعرف شيء من المتضادات قط، لأن الإيمان إذا كان يعرف بالكفر، ويجب أن تسبق المعرفة بالكفر، وتتأخر المعرفة بالإيمان، إلى أن يقابل بالكفر فينظر ما الذي تنتجه تلك المقابلة، فيعتقد، وفي هذا ما أبان سقوط هذا الكلام، إذ كان ذلك يؤدي إلى أن لا يعرف إيمان ولا كفر أبدا وبالله التوفيق.
ويقال له: زعمت أن الكفر لما كان الجحود، ووجب أن يكون الإيمان الذي هو ضد
[ ١ / ٩٨ ]
الكفر التصديق، وهذا مسلم لك وزيادة، لأنا نقول: الإيمان كله التصديق، والطاعات كلها تصديق، لأن من لا يصدق بالباري ﷿ ولا يصدق برسوله، لا يظمأ نهاره بالصوم ولا يسهر ليله بالقيام، ولا يتعب جوارحه وأعضاءه بالصلاة، ولا ينقص ماله بالزكوات، ولا يجهد نفسه بالحج، ولا يتعرض للقتل بالجهاد، ولا يبكي من خوف الجحيم، وإذا كانت الطاعات كلها تصديقا، وجب أن تكون كلها إيمانا، وما كان منها ضدا للكفر وكان ضد الفسق فسواء، والله أعلم.
ويقال له: الكفر والإيمان في انقسامهما إلى الأصل والفرع سببان عندنا، لأن الجحود أصل الكفر، والمعاصي كلها فروعه. إذ الجروح صريح والمعاصي أمارات وكذلك الإقرار الذي ينشأ عن الاعتقاد صريح الإيمان، والطاعات أمارات، وأمارات الكفر في الكفر كفر، وأمارات الإيمان في الإيمان إيمان. والأمارة مقصر بها عن رتبة الصريح في الأمرين، فإذا كانت الأشياء تعرف بأضدادها، فما أنكرت أن هذا وجه معرفة الكفر والإيمان وبالله التوفيق.
قال الرجل: ويدل على أن سوى التصديق من العبادات ليس بإيمان، أن الكفار لم يفرعوا عند مبايعتهم بأس الله إلى غير التصديق، كفرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾، وقوله: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده﴾. وقوله: ﴿قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم﴾. وقوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾. فإنما فرعت الكفر عند الضرورة إلى ما عرفوه حقيقة الإيمان وهو التصديق دون شيء من العبادات، فثبت أن الإيمان غير التصديق.
فيقال له: إن الكفار يفرعون عند رؤية البأس إلى أصل الإيمان، وهو صريحه الذي يضاد صريح الكفر وأصله، وليس ذلك إلا الاعتقاد والإقرار ولا يفرعون إلى فروع الإيمان لأن مزايلة أصل الكفر لا يقع بها لكن ذلك لا يمنع من أن يكونوا بعد الدخول في دين الحق محتاجين إليها، لتكمل درجات الإيمان وشعبه، ولئلا يعصوا بترك الفرائض
[ ١ / ٩٩ ]
فيكونوا قد ضموا إلى أصل الإيمان المعاصي التي هي فروع الإيمان وإمارات التصديق، فيكمل بذلك إيمانهم.
وهذا كما أن من أراد الصلاة كفاه في الانتقال من الصلاة إلى الصلاة أن ينوي ويكبر وليس إذا صار بمجرد التكبير داخلا في الصلاة وجب أن لا تكون الصلاة كلها التكبير، وامتنع أن تكون بعضه فرائض يحتاج إلى الإيمان بها شيئا فشيئا لا لتتمة الانتقال، ولكن لتتمة ما وقع الانتقال به.
وهكذا من يريد الحج ولا يحتاج إلى الانتقال من الإحلال إلى الإحرام إلى أكثره من عقد الإحرام، وأراد به تقلبه ولا يدل ذلك على أن هذا هو الحج دون غيره، بل وراء ذلك أعمال يحتاج إلى الإتيان بها لا لتتمة الانتقال لكن لتتمة ما وقع الانتقال به، فإنه أمر بالإحرام ليقف بعرفه محرما، ويطوف ويسعى محرما.
فكذلك الكافر إذا عزم على الإيمان كفاه في الانتقال من الكفر إلى الإيمان الاعتقاد والإقرار وذلك لا يدل على أن هذا هو الإيمان، بل وراء ذلك فرائض تتابع، فكلما وجب منها احتاج منها إلى الإيمان به، إذ هو لم يؤمن بالانتقال وحده، وإنما أمر به، وبأن يصلي في إيمانه، ويزكي ويصوم ويحج ويجاهد، فلا يكمل إيمانه إلا بأداء واجباته كما لا يكمل حجه الذي صار داخلا فيه، إلا بأداء واجباته، ولا صلاته إذا صار داخلا فيها بتكبيرة إلا بأداء واجباته، والله أعلم.
ويقال له في قوله: إن الكفار لم يفرعوا عند معاينة البأس إلا إلى التصديق بدليل كذا وكذا، فثبت أن الإيمان غير التصديق، وهل سمعت أحدا من أصحابنا يقول: إن ما ليس بتصديق فهو إيمان؟ قلنا: ما عرفنا أحدا يقول ذلك. والإيمان عندنا هو التصديق، وما ليس بتصديق فليس بإيمان، إلا أن الطاعات عندنا كلها تصديق من الوجه الذي تقدم بيانه. وإذا كان تصديقا وكان الإيمان التصديق، لم يكن تصديق بأن يكون إيمانا أحق من تصديق، وبالله التوفيق.
قال الرجل: ويدل على ذلك أنه لا تخلوا كل عبادة من أن يكون إيمانا بنفسها على الانفراد، أو يكون الإيمان اسما لجميع الخيرات، فإن كانت كل عبادة إيمانا على الانفراد ودينا وإسلاما فهي إذا أديان، ويكون مع الواحد عشرة أديان أو عشرون دينًا، ومع
[ ١ / ١٠٠ ]
آخر أقل من ذلك، أو أكثر فيبطل أن يفهم من الأمر بالإيمان والإسلام مراد، ويكون من ترك عبادة من العبادات تارك من أديان الإسلام، ويجب وصفه بالانتقال من دين إلى دين وإيمان إنى إيمان، كما يقال ذلك في العبادات، ويجب إذا أفسد عبادة أن يقال: قد أفسد دينا وخرج منه.
ويبطل القول بزيادة الإيمان لأنه لا يعرف ما يوصف بزيادة الطاعة، لأن المقصود منهما مجهول، وكذلك القول بالكمال إلا أن يشار إلى عبادة بعينها، فثبت أنه لا يجوز أن تكون كل طاعة إيمانا على الانفراد، وإن كان الإيمان عندهم اسما لاجتماع جميع الطاعات وهو دين واحد، وإيمان واحد، فالقول بزيادة الإيمان لا معنى له لأنه لا احد يبلغ في فعل العبادات والطاعات نهايته، فهو أبدا في جمع الإيمان وتحصيله غير مستكمل له، ولا بالغ غايته، فبطل أيضا اعتبار هذا الوجه، فدل أن غير التصديق من الخيرات ليس بإيمان.
ويقال له: قولك أن غير التصديق من الخيرات ليس بإيمان كلام متناقض لأن فعل الخير كله تصديق كما مضى بيانه وتقديره، فإذا كان الإيمان التصديق، فكان فعل الخير تصديقا وجب أن يكون إيمانا. ويقال له: أن الطاعات كلها إيمان، وكل واحد منها إيمان إذا صحت وسلمت، ولا يلزم على ذلك أن يكون من جاء بعشرين طاعة جاء بعشرين إيمانا كما أن عندك أن الاعتقاد والإقرار إيمان، ثم لا يقول أن من جمعها كان جامعا بين دينيين، أو بين إيمانيين.
فإن قال: التصديق يجمعهما. قيل: والطاعة تجمعها، وما يتبع من الفرائض والنوافل عشرين كانت أو ثلاثين أو مائة، ولا يكون بذلك أديانا ولا عدة أديان. وأيضا كان الإيمان بالله وملائكته وكتب ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار والقدر واجب، والتصديق بكل ذلك إيمان. ثم لا يقال: إنها عدة أديان وإيمان، فكذلك الطاعات إذا عدت من الإيمان لم يلزم أن يكون الإيمان أعدادا كثيرة، والإسلام أديانا جمعه لا دينا واحدا، وهكذا يقبل كل ما كان بشرع، واحدا بعد واحد. ويقبل ما قد شرع إيمان ومعلوم أنه إذا كان لكل شريعة تقبل، كثير التقبل، ثم لا يصير الدين بذلك أديانا، ولا الإيمان يصير معدودا، فكذلك العمل وإن كثر، فكذلك لا يلحق الإيمان عددا، ولا يجعل الدين أديانا، والله أعلم.
[ ١ / ١٠١ ]
وأما جواز أن يقال لمن انتقل من صلاة إلى صلاة، أو من حج إلى عمرة، فلا يلزمنا أن نقوله. لأنا قد بينا أن الدين واحد وإن كثر. والطاعات لا تنحه علينا مع ذلك هذا الكلام.
وأيضا فإن الناس كانوا يقبلون فرض صيام الليل وفرض الصدقة عند التخوف وفرض النيات من الواحد للعشرة، فكان يقبل ذلك إيمانا منهم، فلما نسخ ووضع عنهم سقط ذلك الثقيل، وخرجوا منه إلى اعتقاد أن شيئا من ذلك لا يلزم، فكان هذا الاعتقاد هو الإيمان. وما كان يجوز أن يقال: أنهم خرجوا من دين إلى دين، لأنهم خرجوا من تقبل فرض إلى تقبل سقوطه، وإن كان ذلك الثقيل دينا فلا ينكر أن تكون الصلوات إيمانا ودينا، ومع ذلك لا يجوز أن يقال للخارج من صلاة إلى صلاة خارج من دين إلى دين، وأيضا فإن الإيمان عندك الاعتقاد والإقرار، فمن اعتقد واعترف فقد آمن.
ثم لا يقول: إذا تم اعتقاده واعترافه وانقطع كلامه فقد انقطع دينه وانقضى إيمانه، ولا إذا أمسك عن الاعتراف أنه يمسك عن الإيمان أو يمسك عن الدين، فكذلك لا يلزمني إذا قامت الصلاة دين، أن أقول لمن خرج من صلاة إلى صلاة، أنه خرج من دين إلى دين، وأما أن كل طاعة إذا كانت دينا لم يصح القول بزيادة الإيمان، لأنه لا يدري ما الذي يوصف بالزيادة، فإنه يعارض عليه بأن النبي ﷺ لما دعا الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلو أجابوه لكانوا مؤمنين! فإذا قال: نعم! قيل له؟ فإن أمرهم بعد ذلك بالصلاة فقبلوا لكان يكون منزلهم إياها زيادة إيمان. فلابد من نعم. فيقال له: فإذا كنت الشرائع لم تكمل! فعلى ماذا كانت الزيادة؟ وإن قال: كانت الزيادة على ما نص، قيل: فكذلك كل طاعة يستجدها العبد فهي زيادة إيمان على ما مضى من طاعته، لا على نهاية الطاعات التي لم توجد.
ويقال له: أرأيت لو بعث الله جل ثناؤه في زمن النبوة نبيا، فدعا الناس إلى الله تعالى، فآمنوا وصدقوا، ثم بعث نبيا آخر، فأخبرهم النبي ﷺ الأول، بأن الثاني نبي، أو جاء بمعجزة تدل على صدقة، كان يلزم أن يؤمنوا به، فلابد من نعم! فيقال له: صلي فإذا آمنوا به، أيكون ذلك زيادة إيمان منهم؟ فلابد من نعم! فيقال له: فعلى ماذا تكون الزيادة والنبوة لما بيناه، والأنبياء لم يتكاملوا؟ فإن قال: تكون زيادة إيمان على ما تقدم من الإيمان بالرسل المبعوثين. قيل: فقل في الطاعة بعد الطاعة مثل ذلك، وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٠٢ ]
وأما قوله: وكذلك الكمال. فجوابه: أن وصف الإيمان بالكمال يصح لأن له شعبا معلومة، فمن استكملها فهو كامل الإيمان في حق ما مضى من أيامه، وإنما يبقى أن يستقبل مثل ما قدم إن بقى، فإن فعل ذلك إلى آخره عمره ما يكامل الإيمان، وهو كما يقول فيمن صدق بقلبه ولسانه أنه كامل الإيمان، لكن في حق الحال وهو محتاج إلى الثبات عليه فيما يستقبل، ووقوع الحاجة إلى الاستدامة في المستقبل، لم يمنعك من وصف الوجود في الحال ما جلبته من الكمال. فقولي في الطاعات كقولك في الدوام والله أعلم.
وأما قوله: أن الإيمان، كان جميع الطاعات، والمؤمن إذا بدأ في جمع الإيمان وتحصيله، فمتى تثبت له الزيادة؟
فجوابه: إنما لا يثبت الزيادة من حيث قدر العبادة، وإنما تثبت الزيادة في فعل المؤمن على معنى أنه إذا عمل طاعة فكانت له إيمانا ثم عمل طاعة أخرى كانت له زيادة إيمان. ومعنى الزيادة أنها زيادة على ما مضى، لا أنها زيادة على كل ما يمكن أن يتقرب به إلى الله تعالى. لأن ما في قدر العباد من ذلك إنما ينقضي بانقضائهم. وهذا كما أن من صلى ثم صلى، كانت الثانية له زيادة صلاة. ولا يقال: كيف تكون زيادة وما في قدرة العبد من الصلاة غير محدود؟ فلذلك كل طاعة تحدث فهي زيادة إيمان، وإن لم تكن الطاعات التي قدر العبادة محدودة عندهم ولا معلومة لهم والله أعلم.
قال الرجل: والانتهاء عن الكفر لا يكون إلا بالإيمان. لقوله ﵎:
﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. ولو كان الإيمان اسما لجميع الطاعات لم يصر منتهيا عن الكفر حتى يأتي بها كلها، فلما كان التصديق انتهى عن الكفر وبه تجب المغفرة ثبت أن الإيمان سواه.
يقال له: لسنا ننكر أن الانتهاء عن الكفر لا يمكن إلا بالإيمان، وإنما ننكر أن لا يكون سوى ما ينتهي به عن أصل الكفر، ويقال: أن ما ينتهي به عن الكفر إيمان. وما يحتذر به من الفسق أو ينتهي به عنه إيمان. وكل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من
[ ١ / ١٠٣ ]
شرائعه، فهو إيمان. فينبغي أن يدل على أشياء من ذلك ليس بإيمان، لا على أن ما ينتهي به عن الكفر إيمان، وعلى أن جوابنا في الكافر إذا كان جمع بين أصل الكفر وفروعه من السيئات والمعاصي، أن أنهاه عن أصل الكفر يكون بأصل الإيمان، وعن فروعه بفروع الإيمان.
وقد جاء أن رجلا قال: (يا رسول الله! أيؤاخذ الله أحدا بما عمل في الجاهلية؟ فقال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر). وقد مضى شرح معنى هذا الحديث فيما تقدم وفي هذا بيان أن ما قدره من أن الإيمان إلا ما ينتهي به عن أصل الكفر غير ثابت له، والله أعلم.
ويقال له: أن الكافر إذا أسلم لم تزدحم عليه العبادات كلها فور إسلامه. فإن كان اعتقاد إقراره إيمانا كافيا في ذلك، فلأنه لا أمر متوجه عليه فيه. وقد يؤمن الأخرس بالاعتقاد وحده لأن فرض الإقرار لا يتوجه عليه، ثملا يدل ذلك على أن لسانه لو أطلق لم يلزمه الإقرار، ولم يكن منه إيمانا. فكذلك الجامع بين الاعتقاد والإقرار يكون مؤمنا بهما، وذلك لا يدل على أن وقت الصلاة إذا دخل فصلى لم يكن ذلك منه إيمانا والله أعلم.
قال الرجل: فإن احتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" قبل الاحتجاج بهذا الخبر. لأن في نفس الخبر ما يمنع من قبوله، وهو أنه قال: "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة" ولا يحتمل أن يشك رسول الله ﷺ في عدد شعب الإيمان. فهو في الراوي، ولا يجوز إثبات دين الإسلام بخبر شك الراوي في متنه، وإن صح الخبر لم يكن لهم فيه حجة من وجوه:
أحدهما: أن الخبر سمى كل شيء شعبة الإيمان، وهم يسمون كل شيء منها إيمانا، ويدعون على كتاب الله أنه جاء بتسمية الصلاة إيمانا بزعمهم، ورسوله صيرها شعبة إيمان،
[ ١ / ١٠٤ ]
فهو خلاف. والله تعالى يقول: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا من باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين﴾. فلا يجوز أن نخالف الرسول ولا نغير عليه. قال: والخبر جعل شهادة الإخلاص شعبة من الإيمان، وجعل غيرها أحوالها، وهم جعلوا هذه الشهادة وغيرها أغيارا لها. والخير جعل الإيمان اسما لبضع وسبعون، فلا يجوز تسمية الواحد من السبعين باسم الإيمان والصلاة واحدة من تلك الجملة، ولا يجوز أن يطلق عليها اسم الإيمان. فبطل الاحتجاج بالخبر.
فيقال له: أن النبي ﷺ لا يشك في شعب ولا يخفى عليه عددها، وما روي عنه ﷺ أحد أنه قال: "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة" وغنما هذا يشكل من بعض الرواة، ولئن كان أحدهم شك، فقد روي غيره قطعا من غير شك أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون بابا" وأكثر الروايات على هذا فلا يجوز تعطيلها والإعراض عنها لشك عرض لغيرهم وفيها، ولو أن رجلا أقام شهودا على رجل بمال. فقال أحدهم: له عليه ألفان أو ألف درهم، وقطع الآخرون بأخذ العددين لم ترد شهادة القاطعين لشك الذي شك من بينهم، فلم تقطع بما قطعوا به، فكذلك هذا.
وأما قوله: أن الخبر سمى الطاعات شعب الإيمان، وأنتم تزعمون أن كل شعبة منها إيمان.
فجوابه: أن شعبة الإيمان إيمان، كما أن شعبة العبادة عبادة، وشعبة الطاعة طاعة، ولو قال قائل: العبادة كذا وكذا شعبة، فعدد الصلاة والطهارة والزكاة والصيام والحج والجهاد وسائر ما يعبد الله به خلقه مائة مائة حتى أتى على آخرها. ثم قال هذه شعب العبادة لم يمنعه ذلك من أ، يقول لكل واحد منهما: أنها عبادة. ولو قال: هذه شعب الطاعة، لم يمنعه ذلك من أن يقول لكل واحدة منهما أنها طاعة. ولو قال: هذه شعب الشريعة لم يمنعه ذلك من أن يوق لكل واحدة منهما أنها شريعة. أو قال: هذه أحكام الله وأوامره ونواهيه، لم يمنعه ذلك من أن يقول لكل شيء بعينه أنه حكم الله، أو أمره، أو نهيه. فلذلك إذا قال: أنها شعب الإيمان لم يمنعه ذلك من أن يقول لكل واحدة أنها إيمان. وقد يقول القائل: الصلاة خمس، فعد الظهر والعصر والمغرب والعشاء
[ ١ / ١٠٥ ]
والفجر، ثم يسمي كل واحدة منها صلاة، فلا يناقض ذلك قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة".
وأما قوله: الخبر جعل شهادة الإخلاص من شعب الإيمان، وجعل غيرها أجزاء لها، وهم جعلوا هذه الشهادة إيمانا وغيرها أغيارا لها فبهتت، لأن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". فجعل شعب الإيمان المتشعب بضعا وسبعين شعبة لا لشهادة أن لا إله إلا الله.
ومن المحال أن يكون الصيام والصلاة والزكاة والحج أجزاء للشهادة، والنبي ﷺ لا يتكلم بالمحال. وأما نحن فلم يقل: أن الشهادة إيمان، بمعنى أنها جميع الإيمان، لكن على أنها أصل الإيمان. ولم يقل: أن سائر الشعب غير الإيمان، كما يقول: أنها غير الشهادة أو غير أصل الإيمان كمالا. يقول: أن كل واحد من الاعتقاد والإقرار غير الإيمان. وأن كنا نقول: أن الاعتقاد غير الإقرار، والإقرار غير الاعتقاد، والله أعلم.
وأما قوله: أن الخبر جعل الإيمان اسما لبضع وسبعين، فلا يجوز أن يسمي أحدهما إيمانا.
فجوابه: أن أحد هذه البضع والسبعين شهادة أن لا إله إلا الله وهي إيمان باتفاق، فكذلك كل واحدة من سائر الشعب إيمان، وإن كان الإيمان في الأصل اسما لبضع وسبعين شعبة، وبالله التوفيق.
قال الرجل: فإن احتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان". قيل لهم: إن صح هذا الخبر لم يجز حمله على الظاهر، لأنه لا يجوز أن يوزن توحيد الرب بمثقال ذرة من خردل، بل لوزن بالدنيا والآخرة لرجحها، وقد جعل الله عقوبة عدم الإيمان عذاب الأبد، فلا يجوز أن يكون كل شيء يزن مثقال حبة من خردل يجعل عقوبة عدمه الخلود في النار.
[ ١ / ١٠٦ ]
-وكان في النسخة بعد هذا الكلام غلط وقع فيه الناسخ فلو يوقف منه على غرض- ويقال له: إن الاحتجاج بهذا الحديث لا يكون لإثبات أن الطاعات كلها إيمان، فإن كنت أضفت إلينا لهذا، فقد غلطت، وإن كنت انتقلت عن الفصل الذي ابتدأت به إلى فصل آخر، وهو أن الإيمان هل يزيد وينقص، وأردت بما حكيته عنا: أنا إن احتججنا بهذا الحديث لإثبات أن الإيمان قد ينقص حتى لا يكون في قلب إلا وزن خردلة، ثم قد يكون في قلب آخر وزن شعيرة، وفي قلب ثالث وزن بره، كما وردت به الأخبار، وهذا يدل على تفاوت الناس في إيمانهم، ثم جعلت جوابنا عن هذا ما ذكرت، فلقد أسأت الجواب. لأنك زعمت أن التوحيد لا يجوز أن يكون خردلة، بل لو وزن السموات والأرض لرجحها، وأن التوحيد فعل المتوحد كما أن سائر العبادات فعل المتعبد، وما كان فعل العبد يجوز أن يقع هذا ناقصا خفيفا. وإن كان المقصود بذلك الفعل هو الله جل ئناؤه.
ألا ترى أن الصلاة عبادة الرجل لله جل ثناؤه، كما أن الإيمان توحيد، وقد يصلي الرجل صلاة يوفيها حقوقها فتكون ثقيلة في ميزانه، وقد يصليها مقتصرة على أقل ما تحوي، ويؤديها غافلا عنها تاركا الخشوع فيها مستعجلا بالفراغ منها، فلا يكون لها ذلك الوزن بل يكون يترك الأول بدرجات كثيرة، فكذلك لا ينكر أن يكون إيمان بعض المؤمنين كاملا بتكامل شعبه وحقوقه، ويضرب له المثل بالحسد وما يشبهه. وإيمان بعضهم خفيفا ناقصا، فيضرب له المثل بوزن الذرة ووزن الخردل، وليس في ذلك شيء يرجع إلى الله تعالى.
ألا ترى أن توحيد الرب قد يعدم في بعض العباد وهم المشركون، فلا يكون لهم ما يوزن أصلا. فمن أين استحال منه إذا وجد الناقض الخفيف الذي لا يوزن إلا الشيء اليسير، من نحو ما ضرب له مثلا، والله أعلم.
فإن قيل: فكيف يكون ذلك قبل أن يكون في قلب واحد توحيد ليس معه خوف غالب على القلب فيردع، ولا رجاء حاضر له فيطمع، بل يكون صاحبه ساهيا قد أذهلته الدنيا عن الآخرة فإنه إذا كان بهذه الصفة انفرد التوحيد بها إذا كانت كلها تصديقا،
[ ١ / ١٠٧ ]
والتصديق من وجه واحد أضعف من التصديق من وجوه كثيرة، فإذا كان كذلك خف وزنه، وإذا تتابعت شهادته ثقل وزنه.
وله وجه آخر: وهو أن يكون إيمانا واحدا عن أشياء باستدلال قوي ونظر كامل، وإيمانا آخر واقعا عن الخير والركون إلى المخبر به. فيكون الأول أثقل وزنا والثاني أخف وزنا. فأما قوله: أن شيئا يكون خردلة، فلا يجوز أن يستحق الخلود في النار بعدمه، فكلام فارغ لأنه وإن كان خفيف الوزن فهو إيمان إذا عدم وجد مكانه الكفر، وعليه يكون التعذيب بالنار، فلا ينظر مع هذا الإيمان المعدوم كان خفيف الوزن أو ثقيله. وإنما ينظر إلى أن الموجود بدلا منه وهذا الكفر، والكفر أغلظ الجنايات، فحقه أن يقابل بأغلظ العقوبات والله أعلم.
وأما من ولي من أصحابنا من أن الإيمان قد ينقص حتى لا يبقى منه شيء، بمعنى أن المعاصي تحبط ثواب الطاعة بعد الطاعة حتى يخلص الأمر إلى ثواب الإيمان، فلا يزال ينقص منه شيء بعد شيء حتى لا يبقى مما يحيط ثواب منه إلا قدر برة أو قدر شعيرة أو قدر خردلة أو قدر ذرة، فإنه يقول: فإنه يقول: المراد بالحديث (يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان). أو شيء لم تحبط المعاصي ثوابه، وإن كان ذلك بقدر ذرة أو خردلة، ولا يخلد في النار من كان بهذه الصفة. وفي هذا دلالة على أن الطاعات من الإيمان وأن المعاصي تحبط ثوابها إذ كان الحديث لا يخرج إلا على هذا المعنى.
فإن قيل: أرأيت إن كانت المعاصي أحبطت ثواب جميع إيمانه، أيخلد في النار، قيل: لا، وليس تخصيص الذي بقي في قلبه قدر ذرة وخردلة من الإيمان بالذكر، ما يمنع من أن يكون الذي لم يبق في قلبه إيمان إلا وقد أحبط المعاصي ثوابه غير مخلد في النار ولكن هذا إذا لم يخلد في النار أدخل الجنة بالشفاعة، فيكون ذلك إحسانا يبتدأ به لا ثوابا. والذي في قلبه شيء من إيمان لم يبطل ثوابه إذا لم يخلد في النار أدخل الجنة لثبات بإيمانه والشفاعة إن وقعت به قليلا، يعذب أو لينقص عذابه، فهو فرق ما بينهما والله أعلم.
[ ١ / ١٠٨ ]
قال الرجل: وقد يجوز أن يكون معنى الحديث أن من أتى بمثقال حبة من خردل من خير بعد الإيمان، ولم يكن خير غير ذلك أخرج من النار بالشفاعة، وإذا لم يكن له خير قط. فالله تعالى يتفضل عليه بالعفو ولا يجعل لأحد فه شفاعة. لأن التوحيد اعتقاد فيما بينه وبين ربه فهو الذي يتفضل عليه بالإخراج من النار. فيقال له: أنك قد أتيت الخير بعد التوحيد إيمانا، ولا تشعر لأن الحديث خائضا في مثقال ذرة من الإيمان. فقلت معناه: خير كسبه بعد التوحيد، فأوجبت بذلك أن يكون الخير بعد التوحيد إيمانا، ومع هذا فكلامك غير صحيح، لأن الحديث اقتضى الإيمان الذي يكون بالقلب فعلم أنها غير مرادة بالحديث وقوفك بين من يعفى عنه بلا شفاعة. وبين من لا يعفى عنه إلا بشفاعة، نادر غريب. لأنك جعلت أحوج الرجلين إلى الشفاعة وأبعدها من استحقاق الفضل خارجا من أن تكون له الشفاعة لاحقا بمن يبدأ بالفضل والإحسان بلا مسألة، وأدناها إلى الفضل أبعدها منه، وأولاها بأن لا ينال خيرا إلا بالشفاعة، وهكذا يكون حال من يبغي ما ليس له، والله أعلم.
قال الرجل: فإن احتجوا بما ذكر في القرآن من زيادات الإيمان، قيل لهم: لا حجة لكم فيها لأن الإيمان عندكم اسم لجميع الطاعات ولا سبيل إلى استجماعها. فالإيمان على قولكم ناقص أبدا غير كامل، فكيف يجوز أن يوصف بالزيادة عليه؟
فيقال له: إن الإيمان اسم لجميع الطاعات، ولكل واحدة منها. فمن أداها جميعا كان كامل الإيمان، وأما في حال الأداء، فإن من أدى منها شيئا واجب زاد به ما تقدم من أدائه، فإن وجب شيء آخر بعده فأداه، زاد به ما مضى قبله. ولا يكون ناقص الإيمان بأن لا يكون قد حل عليه واجب بفعله إلا بالإضافة له، إلى من حل ذلك عليه ففعله، إنما ينقص إيمانه حقا إذا وجب عليه شيء فلم يفعله فبطل. بهذا قولكم أن الإيمان عندكم ناقص أبدا، وقولك لا سبيل إلى استجماع الطاعات كلها بحال، لأنها قد اجتمعت في الشرع ولو لم يكن إلى الجمع بينهما في الفعل، ما جمع بينهما في الشرع ولا نظمت في التكليف والله أعلم.
قال الرجل: والآية سمت الزيادة إيمانا لقوله تعالى: ﴿زادتهم إيمانا﴾ وعندكم
[ ١ / ١٠٩ ]
أنها أجزاء الإيمان، وبعض جزء الشيء لا يستحق اسم الشيء نفسه، وفي هذه الآية تحقيق اسم الإيمان لكل جزء منها. فثبت أن القول يجعل كل طاعة جزءا من الإيمان، قول فاسد وبراعة أن هذا الرجل إما أن يكون في نهاية الغفلة أو في نهاية الإعجاب بنفسه لأنه يقول بالشيء ثم ينقضه في الحال نفسه ويحب بما فيه كثير قوله وهو لا يشعر قلبه بدأ كلامه لأن الآية سمت الزيادات إيمانا، فيقال له: ما هذه الزيادات أولا فإنك قد أثبتها، وفي جوابك الأول أحلتها، فهل هي إلا الطاعات التي يترادف، فكلما وجد منها شيء ازداد ما قبله، ثم قال: وعندكم أنها أجزاء الإيمان وبعض التي لا يستحق اسم الشيء ثم ينقص هذا على نفسه. فقال: وفي الآية تحقيق اسم الإيمان لكل جزء من أجزاء الإيمان. فما عذرك في رفع اسم الإيمان عن شيء حققته الآية؟ ثم رجع في هذا وقال: فثبت أن القول يجعل كل طاعة جزءا من الإيمان فاسد.
فيقال له: أليس زعمت أن الآية حققت اسم الإيمان لكل جزء من أجزائه، فأثبت تجزأ الإيمان، وأثبت اسم الإيمان لكل واحد من الأجزاء. فيكون القول بما حققته الآية فاسدا، وفي هذا ما أبان غفلته. ويقال له: إن بعض أجزاء الشيء قد يستحق اسم الشيء نفسه لأن كل القرآن قرآن، وكل سورة منها وكل كلمة وكل آية قرآن. فالطاعة طاعة وكل نوع منها طاعة، والعبادة عبادة وكل صنف منها عبادة. والسماء سماء وكل جزء منها سماء، والماء ماء وكل جزء منها ماء، والأرض أرض وكل جزء منها أرض. فمن أي استحال أن تكون شعب الإيمان إيمانا، وكل شعبة منها إيمانا، فتكون زيادة الطاعات زيادة إيمان.
قال الرجل: والإيمان عندهم اسم لاجتماع جميع الخيرات، وما جعل اسما للكل استحال وصفه بالزيادة، لأنه ليس وراء الكل شيء يتصل به، فيكون زيادة عليه.
فيقال: إن الإيمان اسم لجميع الخيرات: فرائضها ونوافلها وأنواعها منه. وليست بخارجة من الشعب البضع والسبعين ولا زيادة عليها، لأن المحدود في الشريعة لا سبيل لأحد إلى الزيادة عليه، ولكن هذا التوفيق يلحق هذه الشعب من قبل الوضع والشرع، فأما أفعالنا وأعمالنا وأداؤنا هذه الشعب فإنها قد تقل وتكثر، كما أنها قد توجد وقد تعدم، والشرع بحالة لا يتغير، فإذا جاز أن تكون هذه الشعب من حيث الشرع
[ ١ / ١١٠ ]
موجودة، ولا يوجد من بعض الناس فعل شيء منها جاز أن يكون من حيث الشرع محدودة ويوجد من الناس التفاوت فيها، فمن جامع بينهما وبين مفرق، فمن جمع فقد كمل إيمانه، ومن فرق نقص إيمانه. ألا ترى أن الصلاة المفروضة محدودة في الشريعة، ثم قد توجد في أفعال المؤدين لها بالزيادة والنقصان، فمن أقامها كان كامل الإيمان ومن أقام بعضها وترك بعضها كان ناقص الصلاة وأجزاؤه كالصلاة وأعدادها والله أعلم.
قال الرجل: فتأويل الآية يخرج على وجوه:
أحدها: أن يكون المراد بها الزيادة في فضل الإيمان ودرجته، وحسنه وجماله، لا في أجزائه وأبعاضه، كما سميت صلاة واحدة بمكة بألف صلاة، وأريد بذلك الزيادة في الفضل والدرجة لا في العدد. والآخر إن ما كان زيادة في نفس الشيء وأجزائه فإن ارتفاعه يوجب نقصانا فيه، وترك الطاعات لا يوجب نقصانا في نفس الإيمان. فدل ذلك على أنه ارتد به الفصل والدرجة، وهكذا يقول: إن الإيمان يزيد في الفضل والدرجة والحسن والجمال، ومن تعاطى المعاصي كأن إيمانه في الفضل والمنزلة، ومن الإيمان من يتعاطى أفعال الطاعات.
فيقال له: إن الآية لا تحتمل ما ذكرت لأن الله ﷿ قال: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾. ومعلوم أن نزول السورة لا يزيد المؤمنين فضل درجاتهم في إيمانهم، ولكنها قد تزيدهم إيمانا من حيث يعتقدونها ويعملون بها، فتكثر لذلك طاعاتهم. فصح أن المعنى هذا دون ما قاله.
فإن قال: وما يمنع من أن يقال أنها تزيدهم إيمانا من حيث يعتقدونها ويعملون بها فتكثر، فتزداد بذلك درجات إيمانهم. قيل: يمنع من هذا أن الإيمان عندك إنما هو الاعتقاد والإقرار فقط. ومجموع هذين لا ينبغي أن يزداد تفضلا في درجات الثواب بطاعة تقام وخير يكسب بعده إن لم يكن ذلك إيمانا، لأن ثواب الإيمان لا يزداد درجاته ولا تتضاعف بما ليس بإيمان.
[ ١ / ١١١ ]
ألا ترى أن درجات الصلاة عندك لا تزداد بالصيام ولا درجات الصيام بالحج، فكذلك يلزمك أن تقول: أن فضل شهادة الحق ودرجاته لا تزداد بخير، سواها يؤتى به بعدها إن لم يكن إيمانا مثلها. فإن قلت: بل يزداد، لزمك أن تقول: أن كل خير يكتسب بعدها من دوامها فهو إيمان، وإنما يزداد فضل الشهادة بها لانضمام اشتباهها، كما يزداد فضل الصيام واجتماع حقوقها وشرعها والله أعلم. وكل ما قلته في هذه الآية فهو في غير مثله وبالله التوفيق.
وأما استشهادك بالصلاة بمكة فغير صحيح. لأن تضعيفها لا يتعلق بزيادة فعل يكون من المصلي سوى ما يكون منه لا بمكة فمثلها أن المراد به تضعيف الثواب فقط، وأما زيادة الإيمان فلا تحدث إلا بفعل يحدثه المؤمن زائدا على ما تقدم منه، فإن لم يكن ذلك الفعل إيمانا، لم يجز أن يزيد في درجات الشهادة المقدمة، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يكون فعل المباحات يزيد في درجات، ولما لم يجز ذلك وزادت الطاعات عنده في درجات الشهادة صح أنها إيمان مثلها، فإذا انضمت إليه يثوب بها، فازداد بذلك ثوابها، والله أعلم.
وأما استدلاله على أن المراد بزيادة الإيمان زيادة درجاته ونقصان ثوابه، بل كل زيادة في نفس الشيء، فإن ارتفاعه يوجب نقصانا فيه، وترك الطاعات يوجب نقصانا في الإيمان، ومع ذلك يحتج عليه بقبول نفيه فلا يبالي وكأنه لا غرض له إلا أن يسود بياضا.
أو يقال: قد قال: وليس هذا من الآية بسبيل، فإن سئل عن نقصان الإيمان ترك الطاعات. قيل له: أقل ذلك إن صح يكن له طاعة، إلا شهادة الحق صار صريح إيمانه معارضا بأمارات الكفر، لا أن المعاصي كلها فروع الكفر، وهي إذا عارضته أو هنته كما لو صاحبته الطاعات التي هي أمارات التصديق لقوته. ولهذا سمي المسلمون الفسق جرحا وخلافه عدالة. فقلت: إن ترك الطاعات ناقص من الإيمان، وإن الأمر في ذلك بخلاف ما قدر والله أعلم.
وأما من قال: إن المعاصي تحبط الثواب، وقد تخلص إلى ثواب الشهادة إذا أحبطت ثواب ما دونها، فإنه يقول: أن المعاصي تنقص الشهادة لأنه يجعلها لا ثواب لها، وإذا جعلها كذلك فقد نقص قدرها وحط رتبتها.
[ ١ / ١١٢ ]
فإن قال الرجل: أرأيت من قال من أصحابك هذا، لم يقل أن زيادة الإيمان زيادة ثوابه، كما قال أن نقصان الإيمان نقصان ثوابه.
قيل: بل يلزمه عند هذا، وهو أن الإيمان إذا كان لا ينقص ثوابه إلا بفعل ضده وهي المعصية التي هي من فروع الكفر، لم يرد إلا بفعل مثله وهو الطاعة، التي هي من فروع التصديق، فتزداد الطاعة المتقدمة بالطاعة المتأخرة، ويتضاعف الثواب. فأما أن يزداد ثواب الإيمان لا بإيمان يحدث بعده، فذلك محال، كما أن نقصانه لا بخلاف إيمان يحدث بعده محال، والله أعلم وبالله التوفيق.
وأما من قال: إن نقصان الإيمان إنما يزداد به نقصانه عن حد الكمال المبين له أو نقصانه، بالإضافة إلى ما هو أكمل منه، وأنه لا يقول: المعاصي تنقص الشهادة. لأن معنى نقصان الإيمان عنده انقطاع أضداده عنه، فيقال: المعاصي نقصت إيمانه فعل ما تركه إلى ضده لكان ذلك إيمانا منه، ولكثرت به أجزاء إيمانه. فلما كان خلاف ذلك منه أنه وعالجوا الموجود من الإيمان، فكان إيمانه ناقصا بالإضافة إلى ما كان يكون لو لم ينفرد بالإضافة إلى إيمان غيره ممن لم يجن مثل جنايته، ونقصان الإيمان من هذا القول كنقصان المال، وزيادته كزيادة المال، أو نقصان كنقصان بعض الأعضاء وزيادته لتكامل الأعضاء، أو نقصانه كنقصان المال وزيادته كزيادة على مقداره.
قال الرجل أيضا: فإن الزيادة في الإيمان إنما ذكرت عند زيادة الإيمان والسور، فمعناها الثبات على الإيمان والقرار عليه والصلابة فيه، لأن الآيات تظهر الحجج، وتزيل الشبهة فيزداد المؤمن بذلك قوة وثباتا على الإيمان. والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا﴾.
فالذي وصفه بالزيادة في تلك الآيات وصفه بالتثبت قي هذه الآية، فدل أن معناها القرآن، والقرآن عليه وكذلك ضرب الله تعالى مثل الإيمان بشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء وصفه بالثبات والقرار عليه، ووصف الكفر بضد ذلك فقال: ﴿اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾. فيقال له: أن الإيمان الزائد للمؤمنين بنزول السور: هو أن
[ ١ / ١١٣ ]
يؤمنوا بالتأويل أولا، فيعتقدوا أنه من عند الله تعالى، ثم أن يعملوا إن كان فيه فرض سبيله أن ينفذ. فإن السورة التي قيل فيها: ﴿وإذا ما أنزلت فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾. هي التي قيل فيها: ﴿وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا: ذرنا نكن مع القاعدين﴾. فعلمنا أن قوله ﷿: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا) إنما أريد بها أنها إذا أنزلت بالجهاد مع رسول الله ﷺ جاهدوا ولم يتحققوا عنه مستأذنين ولا غير مستأذنين.
ألا ترى أنه قال: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا على رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾. إنما أراد به أهل الطول من المنافقين الذين لا يكون لهم عذر مقعدهم ومع ذلك يقولون للنبي ﷺ: ﴿ذرنا نكن مع القاعدين﴾ كل ذلك فعل يحدثونه فيحدث لهم به زيادة إيمان أو زيادة رجس، فصح أن المراد بالآية ما قلنا والله أعلم.
وأما قوله: أن المراد بالآية أن الآيات إذا أنزلت أظهرت الحجج وأزالت الشبهة، فيزاد المؤمن بذلك قوة في الإيمان!
فجوابه: أن تلك القوة ليست إلا فضل تصديق ما كان يحدث منه زيادة إيمان، فقد بينا أن كل طاعة تصديق، فليكن حدوثها زيادة إيمان، هذا ومن قوله: إن ما كان قبل نزول الآية فهو إيمان تام ولا معنى للزيادة على التمام ثم ينقصه على نفسه، ويزعم أن فضل التصديق الواقع بنزول آيات يتضمن على الحق دلالات زيادة حادثة على ما تقدم من الإيمان.
فيقال له: إما أن لا يكون الأول تاما بالإطلاق فيكون، تعوض الزيادة، أو إن كان تاما فقد يكون تمام فوق تمام. فلا ينكر أن يرد عليه من الطاعات ما يزيده تماما وبالله التوفيق.
وكذلك ما قاله في الثبات على الإيمان لأنه إن كان أراد أن السور إذا أنزلت أراد بها نفيهم حتى يصير ذلك سببا للثبات لولاه لكان لا يقع منهم، فهو تأويله الأول، وإذا
[ ١ / ١١٤ ]
كان كذلك، فكل طاعة تحدث فهو تصديق حادث، فوجب أن تكون زيادة إيمان وبالله التوفيق.
قال الرجل: ووجه آخر يحتمل أن يكون المراد بالإيمان نوره في القلوب، وضياؤه فيها، لا نفسه، لأن الله تعالى وصف الإيمان بالنور والضياء لقوله تعالى: ﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور﴾. وقوله: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم﴾. وقال: ﴿كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة﴾. وقد سمى هو الشمس شمسا، ونور القمر قمرا، فلذلك يجوز أن يسمي الإيمان نورا، فالنور لا نور له، وإنما النور البين وعندك أن الله ﷿ سمى الإيمان نورا، فإذا لم يكن للنور نور، لم يكن لك أن تحمل الوارد بزيادة إيمان على النور.
فإن زعم أن الإيمان نور وأن له نورا، لم يمكنه أن يرجع في إثبات ذلك إلى هذه الآيات، ويسأل عن نور الإيمان: الإيمان ما هو؟ فلا يمكنه أن يشير إلى معنى سوى أنه يدعو إلى الطاعات ويحول عليها، ويزجر عن المعاصي والميل إليها.
وذلك نفس قولنا، لأن كل ما حول عليه إيمان فهو إيمان، فإن بدء الإيمان الاعتقاد بالقلب فلما كان إيمانا كان ما يحول عليه من الإقرار إيمانا. ولما كان الإقرار إيمانا. كان ما يحول الإقرار عليه من قبول الشرائع إيمانا. كذلك قبول الطاعات إيمان. فوجب أن يكون ما يحول للقبول من الأفعال إيمانا قبول الإيمان هو أن اعتقاده يهدي إلى الإقرار ويقبل الأمر والنهي، والتقبل يهدي ولا يعقل له معنى سوى هذا وبالله التوفيق.
قال الرجل: وروي عن بعض السلف في تأويل الآيات، أن معناها: أنهم كانوا آمنوا بالله ورسله وبجميع ما يأتي من الله، فإذا أتى فرض بعد فرض ازداد إيمانهم بالتفسير مع إيمانه بالجملة. وقال أهل التفسير بأجمعهم في تأويلها: أنه التصديق أي زادهم تصديقا إلى تصديقهم، ويقينا إلى يقينهم، ولا أحد منعم صرف تأويلها إلى الصلاة والزكاة، ولا إلى شيء من القرب، فمن صرفه إليها فقد خالف أهل التفسير.
[ ١ / ١١٥ ]
فيقال له: أن الذي حكيته عن بعض السلف صحيح، ولكن ليس إذا كان ذلك زيادة إيمان امتنع أن يكون غيره وهو العمل بذلك المتقبل إيمانا، فقبول ما يحدث بعينه إيمان، لأنه طاعة، فكذلك ينبغي أن يكون العمل به إيمانا لأنه طاعة ويثبت بزيادة الإيمان بكل حال.
وأما المفسرون في إجماعهم على تأويل الآية: هو التصديق. فمرحبا بهم. ومن خالفهم فإنه لا يخالفهم، ويقول كما قالوا: إن زيادة الإيمان ليست إلا زيادة التصديق، لكن كل طاعة تصديق، فحدوثها كحدوث فضل اليقين أو الثبات وبالله التوفيق.
قال الرجل: واحتجوا بما روي عن بعض الصحابة: أن القبلة لما حولت خشي كثير من الصحابة على من مات منهم ضياع صلاتهم، فنزل: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾. يعني صلاتكم إلى بيت المقدس.
قيل لهم: أن هذا الخبر لا يصح عن الصحابة لأنه لا يجوز أن يسبق إلى فهم أحد أن الله ﵎ يضيع عملا عمل بأمر رسول الله ﷺ. ولأن ذلك يوجب شكا في خبر رسول الله ﷺ، ولو كان ذلك كما ذكروا، لكان خوف الصحابة على أنفسهم من ذلك أوجب من الخوف على من مات منهم، والسؤال عن إعادة تلك الصلوات ألزم لهم من غيرهم، ولم يرو عنهم في ذلك شيء. فدل أن هذا التأويل باطل، ولأن الآية جاءت بذكر من بقي من الصحابة دون من مات منهم لقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ ولم يقل إيمانهم. وإذا بطلت القصة التي هي دلالة تسميتهم الصلاة إيمانا بطل التأويل.
فيقال له: الذي ذكرت أنه لم يرو وقد روي، وجاء أن هذه الآية كما نزلت سألوا رسول الله ﷺ عن صلاتهم إلى بيت المقدس، ومعنى هذا أنهم سألوا: أهل عليهم إعادتها؟ وروي أنهم سألوا عن إخوانهم الذين قتلوا قبل تحويل القبلة. ومعنى هذا أنهم لما سألوا عن أنفسهم فأخبروا أن لا إعادة عليهم، ظنوا أن سقوط الإعادة عنهم إنما هو لأنهم أدركوا القبلة الجديدة. فلما صلوا إليها لم يتبعوا فيما صلوا قبلها إلى غيرها.
وأما إخوانهم الذين ماتوا من قبل فعسى أن تضيع صلواتهم فسألوا عنهم. وهذا كما روي: أنه لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف فمن مات وهو يشربها؟ فأنزل الله عز
[ ١ / ١١٦ ]
وجل: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾. وأخبروا أن الأحياء الذين شربوا قبل التحريم والذي سبق موتهم نزول التحريم سواء في سقوط التبعة عنهم في ذلك. فكذلك أخبروا بقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أن الأحياء من المصلين إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة والأموات سواء، في صلواتهم محتبسة.
وقد يجوز أن يكون السائلون عن هذا قوما سوى فقهاء الصحابة، فكان لا يحضرهم عند هذا السؤال قول الله ﷿: ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم﴾ ولأن العمل إذا أدى بأمر الله وأمر رسوله ﷺ يبطل على عامله وإن لحقه بعد ذلك نهي عنه وتبديل له. هذا وقد كان الزمان زمان الشرع، وقد كان يمكن أن ينوبهم فقهاؤهم إن كانوا هم السائلين.
إن العمل إذا نسخ بطل ووجبت إعادته على منهاجه المستأنف دون ما مضى، فإن هذا مما كان يجوز أن يشرع ثم كان يكون، فنزل الله ﷿: ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم﴾ محمولا على العمل إذا أسلم. وتكون إحدى شرائطه سلامته، أن لا يلحقه نسخ ولا تبديل. وإذا كان هذا جائزا ومتوهما مظنونا، لم ينكر أن يصير سببا للسؤال عن الصلوات المقدمة، فجابوا عنها بما أجيبوا به، ولم يجز أن يتسرع إلى إنكار رواية لا تعدلها في الشهرة والاستقاصة رواية، وما خلا منها كتاب مفسر ولا أحد تكلم في معاني القرآن، والله أعلم.
قال الرجل: تأويل الآية عندنا خرج على وجهين:
أحدهما: أن تكون الصلاة مضمرة عند الإيمان كأنه قال: وما كان الله ليضيع إيمانكم بالصلاة إلى بيت المقدس، وإنما سألوا عن الصلاة نفسها. فدل ذلك على أنها في الإيمان المذكور في الآية. ألا ترى أنه لما نزل تحريم الخمر لم يسألوا عن إيمان من شربها مستحلا لها، وإنما سألوا عن الشرب نفسه.
ويقال له: إن كانت الصلاة سميت إيمانا لأنه سببها، فهو سبب كل طاعة فليسم إيمانا، وهذا مما ذكرنا من نقصه في بعض الأوقات على نفسه.
[ ١ / ١١٧ ]
قال الرجل: احتجوا بقول الله ﷿: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ قيل لهم: لا يصح هذا التأويل، لأنه يوجب وصف الدين بالنقصان، ولا يجوز أن يقال أن الدين غير كامل في وقت من الأوقات. لأنه يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار والذين شهدوا بدرا وبايعوا رسول الله ﷺ البيعتين جميعا، وبذلوا أنفسهم لله مع عظيم ما حل بهمم من أنواع المحن. على دين ناقص، وكذلك كان رسول الله ﷺ في ذلك، وكان يدعو الناس إلى دين ناقص. ومعلوم أن النقص عيب دين الله فيتم. كما قال: ﴿دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا﴾ ولو كانت الآية على ما توهموا من أن الدين كان غير كامل لقوله ﷿: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ لوجب أن يكون قوله: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ يدل على أنه كان لا يرضى به بعد ذلك.
فيقال له: لم قلت أن كل نقصان فهو عيب؟ وما دليلك على هذا؟ فإنا لدعواك جاحدون. ثم يقال له: أرأيت نقصان الشهر! هل يكون عيبا له؟ ونقصان صلاة المسافر، أهو عيب لها؟ ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره﴾ أهو عيب له بكل حال؟ ونقصان أيام الحيض عن المعهود، ونقصان أيام الحمل أهو عيب؟ ونقصان المال بسرقة أو حريق أو غريق، إذا لم يفتقر به صاحبه أهو عيب له؟
فإذا كانت هذه الوجوه من النقصان وما يشبهها غير عيب! فما أنكرت أن نقصان أجزاء الدين في زمان الشرع قبل أن يلحق بها الأجزاء الباقية في علم الله تعالى ليس بشين ولا عيب. ولا أنكرت أن معنى قول الله ﷿: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ يخرج على وجهين:
أحدهما أن يكون المراد بلغته أقصى الحد الذي كان له عندي فيما قضيته وقدرته، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصا نقصان عيب، لكنه يوصف بنقصان مقيد. فيقال له: إنه كان ناقصا عما كان عند الله، أنه ملحقه به وضامه إليه، كالرجل يبلغه الله مائة سنة. فيقال: أكمل الله عمره، ولا يجب عن ذلك أن يكون عمره حين كان من
[ ١ / ١١٨ ]
سنين، كان ناقصًا نقص قصور وخلل. فإن النبي ﷺ قال: "من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر". ولكنه يجوز أن يوصف بنقصان مقيد، فيقال: كان ناقصا عما كان عند الله، أنه مبلغه إياه معمره إليه، وقد بلغ الله، فالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات. فلو قيل عند ذلك أكملها لكان الكلام صحيحا، ولا يجب عن ذلك أنها كانت- حين كانت ركعتين- ناقصة بعض قصور وخلل.
ولو قيل: كانت ناقصة عمل عبد الله انه ضامه إليها، وزائدة عليها لكان ذلك صحيحا، فهذا هكذا في شرائع الإسلام، وما كان شرع منها شيئا فشيئا إلى أنه أنهى الله تعالى: أن الدين منتهاه الذي كان له عنده، والله أعلم.
والوجه الآخر: أنه أراد بقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أنه وفقهم الحج الذي لم يكن بقي عليهم من أركان الدين غيره. فاستجمع لهم الدين أداء لأركانه، وقياما بفرائضه. فإنه ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت".
وقد كانوا شهدوا وصلوا وزكوا وصاموا وجاهدوا واعتمروا ولم يكونوا حجوا، فلما حجوا ذلك اليوم مع النبي ﷺ، أنزل الله تعالى وهم الموقف عشية عرفة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ فإنما أراد به أنه أكمل وضعه لهم، وفي ذلك دلالة على أن أعمال البر كلها دين وإيمان وإسلام. ومن قال بالوجه الأول ذهب إلى أنه أكمل الدين وصفا، واحتج بما روي من أن هذه الآية لما نزلت استقرت الفرائض فيما غير منها شيء إلى أن قبض رسول الله ﷺ، وفي ذلك دليل على أن الطاعات كلها دين كما الاعتقاد والإقرار دين والله أعلم.
وأما قول الله ﷿: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ فإنما معناه ورضيت إسلامكم الذي أنتم عليه اليوم دينا لكم إلى آخر الأبد. فلا أغير شيئا منه ولا أزيد
[ ١ / ١١٩ ]
ولا أنقص، فأما من قبل ذلك فإنه كان يرضى شيئا من دينهم لهم وقتا ثم لا يرضاه لهم بل رضي خلافه فلما أكمل الدين أخبر أنه قد رضي لهم جميع ما هم عليه لهم دينا فلا يغيره أبدا. فهذا معنى الآية وهو بعيد مما ظنه الرجل وبالله التوفيق.
قال الرجل: وعلى أنه لا سبيل إلى إكمال الدين على مذهبهم، لأن الدين عندهم اسم لا حد له من الخيرات، ولا يقدر أحد على القيام بإنفاقه، فلا تمام للدين على هذا المذهب ويبطل امتنان الله على العباد بإكمال الدين.
فيقال له: إن الخيرات لا حد لها من ناحية العباد وأفعالهم، وإلا فشعب الإيمان محدودة معلومة، فما دخل في جملتها فإيمان وجماعها جماع إيمان. وهذا كما أن الصلاة عبادة محدودة معلومة، ولكن لا حد لما يفعله الناس منها ولا مقدارا. والمأكول والمشروب بين معلوم، ولكن أكل الناس وشربهم لا حد لها ولا مقدار. فهكذا الإيمان محدود في حكم الله تعالى معلوم، ولكن فعل العباد له عودا على بدء لا حد لها، وإنما وصف الله تعالى بالإكمال وضعه وشرعه لا أفعالهم والله أعلم.
قال الرجل: ويحتمل أن يكون معنى الآية، أظهرت دينكم فقدرتم على إعلانه في كل موضع، ويئس عدوكم من أين يتركون دينكم لقوله ﷿: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ وكما قال: ﴿والله متم نوره﴾ ليس إن نوره كان غير تام حتى يتمه، وإنما أراد إظهاره الخلق. ألا ترى أنه قال: ﴿يريدون ليطفئوا نور الله﴾ فلو كان نوره ناقصا، فدل أنه كان تاما.
فيقال له: إن الإظهار لا يسمى إكمالا، وقد يكون الشيء كاملا غير ظاهر، وظاهرا غير كامل. ولا يجوز مع هذا أن يكون بالإكمال في الآية الإظهار، وأيضا فإنه لم يقع يوم نزلت هذه الآية للدين إظهار لم يكن من قبل، وعلى تأويلنا قد وقع له كمال لم يكن من قبل. فنحن إذا أجريناها على ظاهرها اعتدل لنا ظوارها.
وأنت إذا تأولتها امتنع عليك ما ينحلها فسيان ما القولان. وأيضا فكيف يجوز أن يكون المراد إظهار الدين الذي وعده بقوله ﷿: ﴿ليظهره على الدين كله﴾.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقد كان ما بقي من مشارق الأرض ومغاربها غير مفتوح أكثر من المفتوح، وفي ذلك ما يبين أن المراد بالآية ما قلنا وبه وردت الآثار فلا معك عنها إل الهواجس التي تشبه الوساوس.
وأما قوله ﷿: ﴿والله متم نوره﴾ فالمراد به دينه الذي هدى به عباده، وإنما أتمه شيئا فشيئا ثم أكمله، فقال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ ومن ظن أن لله ﷿ نورا سوى هدايته فهو إلى الإيمان أحوج منه إلى الكلام في الإيمان.
ويقال له: أحسبت أن الدين في كل وقت كان كاملا، فما الذي منع من أن يكون الكمال درجات، فيكون كامل أكمل من كامل. وقد قال الله ﷿: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ فقلت: هذا كمال، ووراءه ما هو أبلغ منه وهو ثلاثون شهرا. وقال النبي ﷺ: (من وقف بعرفة فقد تم حجه). وأجمعنا على أن وراءه تماما آخر. فلم أحلت أن يكون للدين في الكمال متأول، ثم يكون لها آخر إذا انتهى إليه قبل الإطلاق، وقد كمل الدين وبالله التوفيق.
قال الرجل: فإن احتجوا بقول الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا﴾. قيل لهم: أن المراد بالجهاد مجاهدة نفسه.
فيقال له: قد ثبت أن جهاد المسلم نفسه إيمانا، وأنت لا تقول ذلك، فسواء خالفت الآية بإنكار أن يكون هذا الجهاد إيمانا، وإنكار أن يكون جهاد المشركين إيمانا، وعلى أنه قيل في الآية: ﴿بأموالهم وأنفسهم﴾ فصح أن المراد بها جهاد الكفار والله أعلم.
قال الرجل: وإن كان المراد جهاد الكفرة، فالمراد هو القبول دون الفعل، لأن الفعل لو كان شرط الإيمان، لكان سائر ما ذكر من صفات المؤمنين، مثل قوله: ﴿يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ ومثل قوله: ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ ﴿وتواصوا بالحق﴾ شرطا في الإيمان. فبطل أن يون على وجه الأرض مؤمنا، فسقط الخطاب الذي جاء المؤمنين. فثبت أن المراد هو القبول، فيقال: أن الله ﷿ لما
[ ١ / ١٢١ ]
قال: ﴿وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ علمنا أن المراد هو الفعل لأن القبول لا يكون بالمال. فإنه من فرائض الإيمان.
ثم أكد ذلك بقوله: ﴿أولئك هم الصادقون﴾ أي المحققون قولهم بفعلهم، والصدق لا يظهر في القبول وإنما يظهر الفعل، والذي يقول ولا يفعل ليس بصادق، فبان أن الآية في الفعل، وكل ما عداه من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والتواصي بالصبر والمرحمة والحق فكله إيمان، والقول فيه وفي الجهاد واحد من الفعلة أن يتكلف الرجل هذه الفعول كلها لينفي أن تكون الطاعات إيمانا كما قلنا، ثم يذهب عليه أن هذه الأمور كلها طاعات والقول فيها كالقول في غيرها. وما أشبهه أن يكون معجبا فيغفله إعجابه، أو لم يجاوز في هذا الباب أحدا، وإنما تكلم على ما وجده في بعض الكتب والله حسبه.
وأما قوله: لو كان كذلك لم يكن على وجه الأرض مؤمن، فجوابه: إنه عن لم يكن على وجه الأرض من يستوفي شعب الإيمان، فلم يكن كذلك في الأرض مؤمن كامل الإيمان، لم يلزمنا لأجل ذلك أن ينقص من شعب الإيمان. أو يقول: أنها ليست شعب الإيمان، كما أنه لو لم يكن في الأرض من يزيد على التوحيد شيئا ويأبى الإقرار بالنبوة والرسالة والملائكة واليوم الآخر، لم يلزمنا أن نقول: إن مجرد التوحيد إيمان، لأنا إن لم نقل ذلك لم يكن في الأرض مؤمن. وأما بطلان الحساب الذي قصد به المؤمنون، فلا يكون وإن لم يكن في الأرض كامل الإيمان، لأن المقدار الحاصل من الإيمان الموجود من تعبدهم اسم المؤمنين ولاسيما إذا كان صريح الإيمان فقد وجد منهم، وإنما نقول ما يفوتهم من الإمارات والفروع وبالله التوفيق.
قال الرجل: وكذلك الجواب لمن يحتج، فمنهم بالخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الدين نصيحة! فسئل: لمن؟ فقال: لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين قالوا: فما لله؟ قال: التوحيد واتباع ما أمر. قالوا: وما لرسوله؟ قال: طاعته فيما جاء به. قالوا: وما لجماعة المؤمنين؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). فإن المراد بذلك
[ ١ / ١٢٢ ]
كله التصديق والقبول دون الفعل لما تقدم ذكره من الدليل، لأن الاعتقاد لو وجد ولم يدرك من أوقات الفعل شيئا كان مؤمنا.
فيقال له: إن هذه الأمور كلها مبنية على التوحيد. ومعلوم أن المراد به إقامته لا يقبله، فكذلك ما بعده ذكر من اتباع أمر الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمراد به الفعل التقبل. وأيضا فإنه لا خير للمسلمين ولا فائدة في أن يتقبل بعضهم أمر بعض بالمعروف، ونهيه عن المنكر، ولا ذلك إلى التقبل يصح، وإنما النصح فعل ذلك وإقامته، فصح أنه هو المراد بالحديث، هو الفعل لا القبول وحده والله أعلم.
وأما قوله: إن الاعتقاد لو وحد ولم يدرك من أوقات الفعل شيئا لكان مؤمنا. فجوابه: أن الاعتقاد لو وجد ولم يدرك من أوقات الفعل شيئا لم يكن فاسقا بل كان عدلا. أفيدل ذلك على أنه لو أدرك وقت الفعل المأمور به فلم يفعل كان عدلا ولم يكن به فاسقا؟ فإذا قال: لا! قيل له: وكذلك إذا لم يدرك من وقت الفعل شيئا كان من غير الفعل الذي لم يدرك وقته مؤمنا ولا يدل ذلك على أنه لو أدركه وهو مأمور به ففعله، ثم لم يكن ذلك إيمانا منه، ولم يكن به مؤمنا. فالقول في إيمانه عندي كالقول في عدالته عندك. ويقال له: الإيمان فعل الطاعة المأمور بها ومن لا يدرك وقت الطاعة فهو غير مأمور بها، فإن فاته فعلها فلم يفته إيمان، وإذا أمر بها وأردك وقتها، فإن فعلها كانت منه إيمانا وإن لم يفعلها فسق، وكان ذلك جرحا لإيمانه، فإنما المعول على الأمر، والأمر إلا على مجرد الفعل، ولا فعل، والله أعلم.
***
[ ١ / ١٢٣ ]