فهذه الوجوه وغيرها توجبُ القطعَ بأن هذا التأويل فاسِد لا يجوز حمل الحديث عليه، فإن على من تأوَّل شيئًا أن يبيِّن إرادة ذلك المعنى الذي حمل عليه الكلام، ثم بيان الدليل الصارف، فإذا مُنِعَ جوازُ إرادة ذلك، امتنعَ حملُ الحديث عليه. هذا مقامٌ.
وأما المقامُ الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسنٍ وقبيح، فهذا القَدْر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالًّا على قُبح الجميع، لكن أكثر ما يُقال: إنه إذا ثبت أن هذا حَسَن يكون مستثنىً من العموم، وإلا فالأصل أن كلَّ بدعةٍ ضلالة. فقد تبيَّن أن الجواب عن كلِّ ما يُعَارض [به] من أنه حَسَن، وهو بدعة بإما: أنه ليس ببدعة، وإما: أنه مخصوص، وقد سَلِمت دلالةُ الحديث.
هذا إذا ثبتَ حُسْنُه، أما ما يُظَنُّ أنه حسنٌ وليس بحسنٍ، أو أمور يجوز أن تكون حسنةً وأن تكون قبيحة، فلا تصلح المعارضةُ بها، بل يُجَابُ عنها بالجوابِ المركَّب وهو: إن ثبتَ أن هذا حَسَن فلا يكون بدعة أو يكون مخصوصًا، وإن لم يثبت أنه حَسَنٌ فهو داخلٌ في العموم، فقد تبيَّن أنه لا يحلُّ لأحدٍ أن يُقابل هذه الكلمةَ الجامعةَ من رسول الله الكليةَ، وهي قوله: "كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ" بِسَلْبِ عمومِها، ويقال: ليست كلُّ بدعةٍ ضلالة، فإن هذا إلى مُشاقَّةِ الرسول أقرب منه إلى التأويل.
مع أن الجواب الأول أَجْوَد، فإنَّ قَصْد التعميم المحيط ظاهرٌ من رسول الله -ﷺ- بهذه الكلمة الجامعة، فلا يُعْدَلُ عن مقصودِه -بأبي هو وأُمي -ﷺ- وزاده شَرَفًا وكرَّم-.
وأما صلاةُ التراويح؛ فليست بدعة في الشريعة؛ بل سُنة بقول
[ ١٣٦ ]
رسول الله -ﷺ- وفِعْله فإنه قال: "إنَّ الله فَرَضَ عَلَيكم صِيَامَ رَمَضَانَ وسَنَنْتُ لكم قِيَامَه" (^١) .
ولا صلاتها جماعة بدعة، بل قد صلَّاها رسول الله -ﷺ- في الجماعة في أول شهر رمضان، ليلتين بل ثلاثًا، وصلَّاها -أيضًا- في العشر الأواخر في جماعةٍ مرات، وقال: "إنَّ الرجلَ إذا صلَّى مع الإمام حتَّى يَنْصَرف كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ" لما قام بهم حتى خشوا الفلاح. رواه أهل السنن (^٢) .
وبه احتجَّ أحمدُ على أن فعلها جماعة أفْضَل، وكان الناسُ يصلونها جماعة في عهده ويقرهم على ذلك.
وأما قول عمر: "نعمت البدعة هذه" فأكثر المحتجِّين بهذا، لو أرَدْنا أن نُثْبِت حكمًا بقول عمر الذي لم يُخالف فيه، لقالوا: قولُ الصاحب ليس بحجَّة، فكيف يكون حجةً لهم في خلاف قول رسول الله -ﷺ-!؟ ومن اعتقدَ قولَ الصاحبِ حجَّة فلا يعتقده إذا خالف الحديثَ، فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب، نعم يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يُخَالَف على إحدى الروايتين.
_________________
(١) أخرجه أحمد: (٣/ ١٩٨ رقم ١٦٦٠)، والنسائي: (٤/ ١٥٨)، وابن ماجه رقم (١٣٢٨) وغيرهم من طريق القاسم بن الفضل، حدثنا النضر بن شيبان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه به. وفيه النضر ضعيف الحديث، وأبو سلمة لم يسمع من أبيه شيئًا. وضعَّف الحديث جمع من الأئمة، كالبخاري والنسائي وابن خزيمة.
(٢) أخرجه الترمذي رقم (٨٠٦)، والنسائي: (٣/ ٨٣)، وابن ماجه رقم (١٣٢٧) من حديث أبي ذر -﵁-. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن خزيمة.
[ ١٣٧ ]