الأصل التاسع
عقيدة أهل السنة
في
الصحابة وآل البيت والخلافة
[ ١٦٥ ]
ومن أُصول عقيدة السلف الصالح؛ أَهل السنة والجماعة:
حُب أَصحاب رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وسلامة قلوبهم وأَلسنتهم تجاههم؛ لأَنهم كانوا أكمل الناس إِيمانا، وإحسانا، وأَعظمهم طاعة وجهادا، وقد اختارهم الله واصطفاهم لصحبة نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقد امتازوا بشيء لم يستطع أَن يدركه أَحد ممن بعدهم مهما بلغ من الرفعة؛ أَلا وهو التشرف برؤية النَّبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومعاشرته.
والصحابة الكرام كلهم عُدولٌ بتعديل الله ورسوله لهم، وهم أَولياءُ الله وأصفياؤه، وخيرته من خلقه، وهم أَفضل هذه الأُمة بعد نبيها- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (١) .
_________________
(١) سورة التوبة: الآية، ١٠٠.
[ ١٦٧ ]
والشهادة لهم بالإيمان والفضل أَصل قطعي معلوم من الدِّين بالضرورة، ومحبتهم دين وإيمان، وبغضهم كفرٌ ونفاق، وأَهلُ السنة والجماعة لا يذكرونهم إِلا بخير؛ لأَن رَسُول الله أَحبهم وأَوصى بحبهم، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللهَ اللهَ في أَصْحَابي لاَ تَتخذُوهُم غَرَضا بَعْدِي؛ فَمَنْ أَحبهُم فَبِحبي أَحَبهُم، ومَنْ أبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أبْغَضَهُم، وَمَنْ آذاهُم فَقَدْ آذَانِي، ومَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ، ومَنْ آذَى اللهَ يُوشِكُ أَنْ يَأخُذَه» (١) وكل مَن رأَى رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وآمن به ومات على ذلك؛ فهو من الصحابة، وإن كانت صحبته سنة، أَو شهرا، أَو يوما، أَو ساعة. ولا يدخل النَّار أَحد من الصحابة بايع تحت الشجرة؛ بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأَربعمائة.
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي: للألباني، قال عبد الله بن مسعود ﵁: (حُب أبي بكرٍ وعمرَ، ومعرفةُ فضلِهما من السنة) . وقال الإمام مالك ﵀: (كان السلف يُعلمون أولادهم حب أبي بكرٍ وعمر؛ كما يُعلمون السورة من القرآن) . أخرجهما اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة ".
[ ١٦٨ ]
قال النبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لاَ يَدْخُل النارَ أَحَد باَيع تَحْتَ الشجَرَة» (١) .
وأَهل السنة والجماعة: يكفون عما شجر بينهم من نزاع (٢) ويوكلون أَمرهم إِلى الله؛ فمن كان منهم مصيبا كان له أَجران، ومن كان منهم مخطئا فله أَجر واحد، وخطؤه مغفور له إِن شاء الله.
ولا يسبون أَحدا منهم؛ بل يذكرونهم بما يستحقون من الثناء الجميل، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
«لَا تَسبوا أَصْحَابِي لَا تَسبوا أَصْحَابِي؛ فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَن أَحَدَكُم أَنْفَقَ مِثْلَ أحُد ذَهَبا مَا أَدْرَكَ مُدّ أحَدِهِم، وَلا نَصِيفَه» (٣)
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) جمهور الصحابة لم يدخلوا في الفتنة، ولما هاجت الفتنة كان أصحاب النبي - ﷺ - عشرات الألوف فلم يحضرها منهم مائة؛ بل لم يبلغوا ثلاثين. كما رواه الإمام أحمد في: " مسنده " بسند صحيح عن ابن سيرين، وعبد الرزاق في: " المصنف "، وابن كثير في تاريخه: " البداية والنهاية ".
(٣) رواه مسلم. وقد وقعَ بين عُبيد الله بن عمر، وبين المقداد كلام؛ فشتمَ عُبيد الله المقداد، فقال عمر بن الخطاب ﵁: (علي بالَحداد أقطع لسانَه لا يجترئُ أحد بعدَه فيشتم أحدا من أصحاب رسول الله ﵌) . أخرجه اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة ".
[ ١٦٩ ]
وأَهل السنة والجماعة: يعتقدون بأن الصحابة معصومون في جماعتهم من الخطأ، وأما أَفرادهم فغير معصومين، والعصمة عند أَهل السُّنة من الله تعالى لمن يصطفي من رسله في التبليغ، وأَن الله تعالى حفظ مجموع الأمة عن الخطأ؛ لا الأَفراد.
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَ الله لَا يَجْمَعُ أمَّتِي عَلَى ضَلاَلة وَيَدُ اللهِ مع الجماعَة» (١) .
وأَهل السنة والجماعة: يعتقدون بأن الصحابة الأَربعة: أَبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا - ﵃- هم خير هذه الأمة بعد نبيِّها- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهم الخلفاء الراشدون المهديّون على الترتيب، وهم مبشرون بالجنة، وفيهم كانت خلافة النبوة ثلاثين عاما مع خلافة الحسن بن علي ﵃، لقول النبيﷺ -: «الخلاَفة في أمتِي ثَلاثُونَ سنة؛ ثُمَ مُلك بَعْدَ ذَلِكَ» (٢) .
ويفضلون بقية العشرة المبشرين بالجنة الذين سماهم رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهم: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأَبو عبيدة بن الجراح أَمين هذه الأُمَّة رضي الله
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي: للألباني.
(٢) رواه البخاري ومسلم.
[ ١٧٠ ]
عنهم أَجمعين، ثم أَهل بدر، ثمَّ أَهل الشجرة أَهل بيعة الرضوان، ثمَّ سائر الصحابة ﵃؛ فمن أَحبهم ودعا لهم ورعى حقهم وعرف فضلهم كان من الفائزين، ومن أَبغضهم وسبهم فهو من الهالكين.
وأَهل السنة والجماعة: يحبونَ أَهلَ بيتِ النبي؛ عملا بقوله ﵌: «أذَكِّرُكُمُ اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أذَكِّرُكُم اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي» (١) وقوله: «إِن اللهَ اصْطَفى بَنِي إِسمَاعِيل، وَاصْطَفى مِنْ بَني إِسْماعيل كنانَةَ وَاصطَفى مِنْ كنانَةَ قُريْشا، وَاصْطَفى منْ قُريْشٍ بني هَاشِم وَاصْطَفاني مِنْ بَني هاشم» (٢) .
ومن أَهل بيته أَزواجه﵅- وهن أُمهات المؤمنين بنص القرآن، كما قال الله ﵎:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا - وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٣] (٣) .
_________________
(١) رواهما مسلم.
(٢) رواهما مسلم. وكيف لا نحبهم ونحن نصلي ونسلم عليهم بعد رسولنا - ﷺ - في كل صلاة! .
(٣) سورة الأحزاب: الآيتان، ٣٢ - ٣٣.
[ ١٧١ ]
فمنهن: خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أَبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأُم حبيبة بنت أَبي سفيان، وأُم سلمة بنت أَبي أُمية بن المغيرة، وسودة بنت زمعة بن قيس، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث بن أَبي ضرار، وصفية بنت حيي بن أَخطب.
ويعتقدون أَنهنَّ مطهرات مبرآت من كلِّ سوء، وهن زوجاته في الدنيا والآخرة؛ ﵅ أَجمعين.
ويرون أَن أَفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق التي بَرأها الله في كتابه العزيز؛ فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر، قال النبي صلى عليه وعلى آله وسلم: «فَضْلُ عائِشَةَ عَلَى النساءِ كَفَضْلِ الثَّريدِ عَلَى سَائِر الطعام» (١) .
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ١٧٢ ]