مسك الختام هذه هي عقيدةُ الرعيلِ الأَول من هذه الأُمة، وهي عقيدة صافية سليمة، وطريقة صحيحة مستقيمة على نهج الكتاب والسنَّة وأَقوال سلف الأُمة وأَئمتها، وهي الطريقُ التي أَحيت قلوب الأَوائل من هذه الأمَّة.
فهي عقيدةُ السلف الصالح، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة وأَهل الحديث، وأَهل السنة والجماعة؛ وهي عقيدة الأَئمة الأَربعة أَصحاب المذاهب المتبعة، وعقيدةُ جمهورِ الفقهاءِ، والمحَدثين، والعلماء العاملين، ومن سارَ على نهجهم إِلى يومنا هذا، والأمرُ باق إِلى يوم الدِّين.
فعلينا أَن نعود بالعقيدة إِلى منبعها الصافي الذي نهل منه الأَخيارُ من سلفنا الصالح ونأخذ بما أَخذوا به، ونسكُتَ عما سكتوا عنه، ونؤدِّي العبادة كما أَدوْها، ونلتزم بالكتاب والسُّنَّة، وإجماع سلفِ الأُمةِ وأَئمتها، وبالقياس الصحيح في الأمور المتجددة وعلى ضوء فهمهم.
[ ٢ / ٢٣١ ]
قال أَمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁:
(قَدْ عَلمْتُ مَتى صَلاحُ الناس ومَتى فَسادهم! إِذا جاءَ الفقهُ من قبلِ الصغيرِ؛ اسْتَعصى عليه الكبيرُ، وإِذا جاءَ الفقهُ من قبلِ الكبير تابعهُ الصغيرُ؛ فاهتديا) (١) .
وقال أَمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁:
(انْظُروا عمنْ تأخُذونَ هذا العلم؛ فإنما هو الدين) (٢) .
وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁:
(لا يَزالُ النَّاسُ بخيرٍ ما أَخذوا العلمَ عن أَكابِرهِم؛ فإِذا أَخذوهُ من أَصاغِرِهم وشرارهم هَلكوا) (٣) .
واعلم أَخي المسلم: هدانا الله وإياك للحق؛ أنَّ مَن طلب الهدى من غير الكتابِ والسنَّةِ وفهم السلف الصالح، أَو أَتى بأمرٍ زائد على ما شرعهُ الله؛ فهو بلا شك منغمس في الضلال المبين، متباعد عن الصراط المستقيم، ومتبع لغير سبيل المؤمنين.
فإِننا نوقن بأننا سنموت قبل أَنْ نوفي السنن كلها على أكملِ وجهها؛ فلماذا البدعة في الدِّين.
_________________
(١) رواه ابن عبد البر، في: (جامع بيان العلم " ص: ٢٤٧.
(٢) رواه الخطيب، في: " الكفاية في علم الرواية " ص: ١٩٦.
(٣) رواه ابن عبد البر، في: " جامع بيان العلم " ص: ٢٤٨.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
ورحم الله الإِمام مالكا؛ فقد كان كثيرا ما ينشد:
(
وخَيْرُ أمور الدينِ مَا كَانَ سُنة وشَرّ الأمور المُحْدَثاتُ البَدائِعُ (١)
)
وأَفضل المتعبدينَ بالاتفاق هو رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فكل عبادة خالفت عبادته؛ فهي بدعة لا تُقرِّب صاحبها إِلى الله بل لا تزيده منه إِلَّا بُعدا، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] (٢) وقال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] (٣) وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] (٤) .
ومما لا شك فيه أَنَّ سبيل وحدة المسلمين هو في وحدة العقيدة، العقيدة الصافية، التي اعتقدها الرعيل الأَول من سلف هذهِ الأُمةِ، وبها حكموا الدنيا بالقصد والعدل.
_________________
(١) انظر: " الاعتصام للإمام الشاطبي.
(٢) سورة الجاثية: الآية، ١٨.
(٣) سورة البقرة: الآية، ١٣٠.
(٤) سورة النساء: الآية، ١٢٥.
[ ٢ / ٢٣٣ ]