ليس الأمر كذلك؛ فإن الله تعالى هو أرحم الراحمين، وهو سبحانه أحكم الحاكمين؛ حيث شرع بغض الكفار وعداوتهم) أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ (، ويقول ابن القيم ﵀ (بل إن المشركين، وأهل الكتاب إذا رأوا المسلم القائم بالإسلام عظموه وأكرموه انتهى).
ويقول ابن تيمية: ( مثل الآصار والأغلال التي على أهل الكتاب وإذلال المسلمين لهم، وأخذ الجزية منهم، فهذا قد يكون داعيًا له أن ينظر في اعتقاده هل هو حق أو باطل؟ حتى يتبين له الحق، وقد يكون مرغبًا له في اعتقاد يخرج به من هذا البلاء، وكذلك قهر المسلمين عدوهم بالأسر يدعوهم للنظر في محاسن الإسلام انتهى).
فلا يُتوهَم أن تحقيق شعيرة البراءة من الكافرين وعداوتهم يؤول إلى مجانبة الإسلام، بل إن الالتزام بهذه الشعيرة وسائر شرائع الإسلام سبب في ظهور الإسلام وقبوله، كما وقع في القرون المفضلة، ومن ذلك أن اليهود خافت وذلت من يوم قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد محمد بن مسلمة ﵁. ويقول ابن تيمية): وكان عدد من المشركين يكفُّون عن أشياء مما يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان بن ثابت؛ حتى إن كعب بن الأشرف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل بيت هجاهم حسان بقصيدة، فيخرجونه من عندهم، حتى لم يبق بمكة من يؤويه انتهى (. وجاء في سيرة ابن هشام " إن
[ ٤٠ ]
رسول الله ﷺ قال:
"من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه "، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سُنَيْنَة
رجل من تجار اليهود يبايعهم فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يُسلم، وكان أسنّ من محيصة، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله! أقتلته؟ أما والله لربّ شحم في بطنك من ماله، قال محيصة: والله! لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، قال: فو الله إن كان لأول إسلام حويصة، قال: آلله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم! والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها، قال: والله إن دينًا بلغ بك هذا لعجب. فأسلم حويصة).