النسخ من نص كتابهم وما تقتضيه أصولهم:
أقوال لهم: هل كان قبل نزول التوراة شرع أو لا؟ ١
_________________
(١) ١ صرحت التوراة التي في أيدي أهل الكتاب في عدة مواضع بأن النسخ لا يقع البتة، مع أن النسخ واقع ولازم في نصوص التوراة وشرح التلمود، والمؤلف -﵀- يلزمهم بذلك من عدة وجوه كما سنرى إن شاء الله. واليهود والنصارى يعترضون على المسلمين، ويعيبون عليهم وجود النسخ في شريعتهم، ويفهمون من ذلك أن الله سبحانه أعطى عن عمد حكمًا ناقصًا لا يوصل إلى المطلوب. ويرون أن هذا وصف لله بالجهل وعدم الحكمة. ويقولون: كيف يجوز أن ينسب إلى الله تعالى كتاب ينقض بعضه بعضًا؟ يريدون بذلك: ينسخ بعضه بعضا. وهذا الفهم إنما نشأ من كتمانهم للحق أولًا، ومن جهلهم بحقيقة النسخ ثانيا؛ لذا سأذكر نُبْذَة عن حقيقة النسخ وحكمته: تعريف النسخ: النسخ لغة: الإزالة. يقال: نسخت الشمس الظل: أي أزالته وحلت محله. ويقال له: التبديل أيضا، وهو جعل شيء مكان شيء آخر. =
[ ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = واصطلاحًا: "بيان انتهاء مدة حكم عملي جامع للشروط" أو "رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب آخر متراخ عنه". ومعناه: أن الله ﷾ كان يعلم في الأزل أن هذا الحكم سيكون معمولا به لدى المكلفين إلى وقت محدد في علمه، ثم ينسخ. فلما انتهى الوقت المحدد أنزل حكمًا آخر ظهر منه الزيادة أو النقصان -أي: النسخ الجزئي أو التخصيص- أو الرفع مطلقا -أي: النسخ الكلي- وهو العالم بما كان وما سيكون علمًا قديمًا أزليًّا أبديًّا. ففي الحقيقة هذا بيان انتهاء المدة المعينة للحكم الأول؛ لكن لما لم يكن الوقت المحدد له مذكورا معه، تقرر في أوهام الناس استمراره بطريق التراخي، فلما جاء ميعاد انتهائه وابتداء الحكم الثاني وظهر الأمر، صار بحسب الظاهر للناس نسخا وتبديلا. حكمته: النسخ جائز عقلا وواقع شرعا قديما وحديثا من لدن آدم -﵇- إلى أن ختم الله سبحانه الشرائع والكتب بشريعة محمد -ﷺ- والكتاب الذي أنزله عليه. ولا ريب أن في نسخ الأحكام حِكَمًا ومصالح نظرًا إلى حال المكلفين والزمان والمكان. كما أن الطبيب الحاذق يبدل الأدوية والأغذية بملاحظة حال المريض والمراحل التي وصل إليها وغير ذلك وفق المصلحة التي يراها، مع الرفق بحاله. وما يدعيه أهل الكتاب وغيرهم من امتناع النسخ باطل مخالف للواقع. كيف لا وأن المصالح تختلف باختلاف الزمان والمكان وأحوال المكلفين؟! قال سبحانه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]. =
[ ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. وقال ﷻ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النمل: ١٠٠]. أمثلته:
(٢) كان الصحابة -﵃- في بداءة الأمر مأمورين بترك القتال والإعراض عن المشركين. وقيل لهم: "كفوا أيديكم" ثم نسخ هذا الحكم، وأنزل الله عليهم قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
(٣) ثم فرض الله عليهم الجهاد، وأوجب عليهم الثبات للمشركين في الحرب بمعدل واحد من المسلمين لعشرة من المشركين؛ نظرا للحالة التي كانوا عليها، ثم نسخ ذلك الحكم بوجوب مصابرة الواحد من المسلمين لاثنين من المشركين. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٥، ٦٦].
(٤) كان الناس حديثي عهد بالإسلام، وكان أهل الجاهلية إذا مات لهم قريب أظهروا من الجزع والنعي ما لا يقره عاقل. فنهى النبي -ﷺ- المسلمين في بداءة الأمر عن زيارة القبور. ثم لما تمكن الإيمان من نفوسهم رخص لهم في ذلك؛ لما فيه من اتعاظ ودعاء للأموات. قال ﷺ: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكرة بالآخرة". =
[ ٢١ ]
فإن جحدوا كُذِّبوا بما نطق به الجزء الثاني من السِّفْر الأول من التوراة؛ إذ شرع الله على نوح -﵇- القصاص في القتل، ذلك في قوله تعالى١: "شوفَيخ دام هاأذم باذام دامو استافيخ كي يصيلم ألويهم عاسا إت هاذام". تفسيره: سافك دم الإنسان، فليحكم بسفك دمه؛ لأن الله خلق آدم بصورة شريفة٢.
وما يشهد به الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة؛ إذ شرع على إبراهيم -﵇- ختان المولود في اليوم الثامن من ميلاده٣.
_________________
(١) = تنبيهان:
(٢) إنما يكون النسخ من صاحب الشرع عن طريق الوحي دون العبادة.
(٣) لا يطرأ النسخ على الأمور القطعية العقلية، ولا على الأمور الحسية، ولا على الأحكام الواجبة نظرا إلى ذاتها، ولا على الأحكام المؤبدة، ولا على القصاص ونحو ذلك. فلا نسخ مثلا في تحريم الكذب والقتل والزنا والسرقة والخيانة وبر الوالدين وحرمة نكاح الأمهات والبنات وسائر المحارم، ونحو ذلك. وإنما يطرأ النسخ على الأحكام العملية المحتملة للوجود والعدم، وتسمى الأحكام المطلقة، ويشترط فيها ألا يكون الوقت والمكلف والوجه متحدة فيها؛ بل لا بد من الاختلاف في الكل أو البعض من هذه الثلاثة. أصول فقه الشاشي ص٢٦٨، ٢٦٩، إظهار الحق ص٣١٠. ١ كأن المؤلف -﵀- يجاريهم. ولا يجوز نسبة القول إلى الله ما لم يكن ثابتا. وما بين أيديهم محرَّف كما سيذكر المؤلف فيما بعد. ٢ جاء في سفر التكوين ٩/ ٦: سافك دم الإنسان، بالإنسان يسفك دمه؛ لأن الله على صورته عمل الإنسان. ٣ جاء في سفر التكوين ١٧/ ١٠: هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني =
[ ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وبينكم، وبين نسلك من بعدك: يختن منكم كل ذكر. ١٧/ ١١: فتختنون في لحم غرلتكم. فيكون علامة عهد بيني وبينكم. ١٧/ ١٢: ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم، وليد البيت والمبتاع بفضة من كل ابن غريب ليس من نسلك. ١٧/ ١٣: يختن ختانا وليد بيتك والمبتاع بفضتك، فيكون عهدي في لحمكم عهدا أبديا. ١٧/ ١٤: وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته، فتقطع تلك النفس من شعبها، إنه قد نكث عهدي. إذن فقد كان الختان أبديا في شريعة إبراهيم -﵇- وبقي هذا الحكم في أولاد إسماعيل وإسحاق -﵉- وأكدته شريعتا موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. جاء في سفر الأحبار "اللاويين" ١٢/ ٢، ٣: إذا حبلت امرأة وولدت ذكرا تكون نجسة سبعة أيام. كما في أيام طمث علتها تكون نجسة. وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته. وخُتن المسيح -﵇- كما في إنجيل لوقا ٢/ ٢١: ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سُمي يسوع، كما تسمى من الملاك قبل أن حُبل به في البطن. وفي العهد الجديد الصادر عن دار الكتاب المقدس في العالم العربي عام ١٩٨٠م: ولما بلغ الطفل يومه الثامن، وهو يوم ختانه، سمي يسوع كما سماه الملاك قبلما حبلت به مريم. ولا زال ثمة صلاة لدى النصارى يؤدونها يوم ختان المسيح تذكرة لذلك اليوم. لكن بولس -صاحب الشخصية الغامضة- ومن تبعه نسخوا هذا الحكم كما في الباب الخامس من سفر الأعمال. وقد شدد بولس في نسخه تشديدا بالغا، كما في رسالته إلى أهل =
[ ٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = غلاطية. فقد جاء فيها ما يلي: ٥/ ٢: هأنا بولس أقول لكم: إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا. ٥/ ٣: لكن أشهد أيضا لكل إنسان مختتن أنه ملتزم أن يعمل بكل الناموس. ٥/ ٤: وقد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبرَّرون بالناموس. سقطتم من النعمة. ٥/ ٦: لأنه في المسيح يسوع، لا الختان ينفع شيئا ولا الغُرلة. بل الإيمان العامل بالمحبة. وجاء في ٦/ ١٥: لأن في المسيح يسوع، ليس الختان ينفع شيئا، ولا الغرلة. بل الخليقة الجديدة. وإذا كان النصارى يعيبون على المسلمين النسخ، ويرون أنه يستلزم وصف الله بالجهل وعدم الحكمة. فهذا إنما يرد على مقدسهم بولس الذي لم يكتفِ بنسخ الختان الأبدي فحسب، بل قال عن التوراة وسائر أسفار العهد القديم: إنها بطلت ونزعت، وإن العهد القديم كان ضعيفا وعديم النفع وغير مكمل لشيء، وجعله أحق بالاضمحلال والإبطال. فهل يتصور أن يصدر هذا التشريع وهذا النسخ من ذات الله قديم الصفات وكاملها؟! جاء في رسالته إلى العبرانيين ٧/ ١٨: فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها. ٧/ ١٩: إذ الناموس لم يكمل شيئا. ولكن بصير إدخال رجاء أفضل، به نقترب إلى الله. وفي العهد الجديد الصادر عام ١٩٨٠: لأن شريعة موسى ما حققت الكمال في شيء، فحل محلها رجاء أفضل. =
[ ٢٤ ]
وهذه وأمثالها شرائع؛ لأن التشريع لا يخرج عن كونه أمرًا أو نهيًا من الله لعباده، سواء نزل على لسان رسول أو كتب في أسفار وألواح أو غير ذلك.
فإذا أقروا بأنه قد كان شرع لهم. قلنا لهم: ما تقولون في التوراة؟ هل أتت بزيادة على تلك الشرائع أو لا؟
فإذا قالوا: لا، فقد صارت عبثًا؛ إذ لا زيادة فيها على ما تقدم، ولم تغن شيئا. فلا يجوز أن تكون صادرة عن الله. فيلزمكم أن التوراة ليست من عند الله تعالى. وذلك كفر على مذهبكم.
وإن كانت التوراة أتت بزيادة. فهل في تلك الزيادة تحريم ما كان مباحا أو لا؟ فإن أنكروا ذلك بطل قولهم من وجهين:
أحدهما: أن التوراة حرمت الأعمال الصناعية في يوم السبت بعد أن كان مباحا. وهذا بعينه هو النسخ١.
_________________
(١) = ٨/ ٧: فإنه لو كان ذلك الأول -أي العهد القديم- بلا عيب لما طُلب موضع لثان. ٨/ ١٣: فإذ قال: جديدا، عتق الأول. وأما ما عتق وشاخ، فهو قريب من الاضمحلال. وفي العهد الجديد الصادر عام ١٩٨٠م: والله بكلامه على عهد جديد جعل العهد الأول قديما. وكل شيء عتق وشاخ يقترب من الزوال. ١٠/ ٩: ثم قال: هأنذا أجيء لأفعل مشيئتك يا ألله؛ يَنْزِعُ الأول لكي يُثبِّتَ الثاني. انظر إظهار الحق طبعة قطر ص٣٥ وص٣٠٦، ٣٠٧. ١ كان تعظيم السبت حكما أبديا في الشريعة الموسوية، وما كان لأحد أن =
[ ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يعمل فيه أدنى عمل. ومن عمل فيه عملا ولم يحفظه فقد وجب قتله. جاء في سفر التكوين ٢/ ٢، ٣: وفرغ الله في اليوم السابع -وفي التوراة السامرية: السادس- من عمل يده الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه؛ لأن فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقا، وفي السامرية: لأن فيه بطل من جميع صناعته التي صنع الله للفعل. وجاء في سفر الخروج ٢٠/ ٨ - ١١: اذكر السبت لتقدسه، ستة أيام تعمل، وتصنع جميع عملك. وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك. لا تصنع عملا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك؛ لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. واستراح في اليوم السابع؛ لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه. ٢٣/ ١٢: ستة أيام تعمل عملك. وأما اليوم السابع ففيه تستريح؛ لكي يستريح ثورك وحمارك، ويتنفس ابن أمتك والغريب. ٣١/ ١٣ - ١٧: سبوتي تحفظونها؛ لأن علامة بيني وبينكم في أجيالكم فتحفظون السبت؛ لأنه مقدس لكم. من دنسه يقتل قتلا لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض. وفي اليوم السابع استراح وتنفس. وفي السامرية: بل سبوتي تحفظون. إنها آية بيني وبينكم لأجيالكم مبذلها قتلا يقتل ستة أيام تصنع صناعة، وفي السابع أعطل إن في ستة أيام صنع الله السماوات والأرض. وفي اليوم السابع عطل وأراح. فالله -﷾- بزعمهم ضعيف، يحتاج إلى الراحة كالبشر. فبعد أن فرغ من خلق السماوات والأرض تنفس واستراح، وكان ذلك يوم السبت؛ ولذلك حرم العمل فيه. وقد رد الله سبحانه في القرآن الكريم =
[ ٢٦ ]
الثاني: أنه لا معنى لزيادة في الشرع إلا تحريم ما تقدمت إباحته، أو إباحة ما تقدم تحريمه.
فإن قالوا: إن الحكيم لا يحظر شيئا ثم يبيحه؛ لأن ذلك إن جاز مثله كان كمن أمر بشيء وضده.
فالجواب أن من أمر بشيء وضده في زمانين مختلفين غير متناقض في أوامره. وإنما يكون كذلك لو كان الأمران في وقت واحد.
فإن قالوا: إن التوراة حظرت أمورا كانت مباحة من قبل، ولم تأتِ بإباحة محظور. والنسخ المكروه هو إباحة المحظور؛ لأن من أبيح له شيء فامتنع عنه، وحظره على نفسه فليس بمخالف. وإنما المخالف من منع من شيء فأتاه لاستباحته المحظور.
فالجواب: أن من أحل ما حظره الشرع في طبقة المحرِّم لما أحله الشرع؛ إذ كل منهما قد خالف المشروع، ولم يقر الكلمة على معاهدها. فإذا جاز أن يأتي شرع التوراة بتحريم ما كان إبراهيم -عليه
_________________
(١) = على زعمهم هذا فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أي: من تعب أو نَصَب. هذا، وقد تكرر حكم تعظيم يوم السبت وتحريم العمل فيه في مواضع أخرى كثيرة من أسفار العهد القديم، مثل: سفر الخروج ٣٤/ ٢١ و٣٥/ ٢، ٣، وسفر الأحبار -اللاويين- حيث وردت عدة فقرات منثورة في الباب الثالث والعشرين، وسفر العدد ١٥/ ٣٢ - ٣٦، حيث ذكرت قصة الذي جمع حطبا في يوم السبت، فقتل خارج المحلة رجما بالحجارة، وسفر التثنية ٥/ ١٢ - ١٥، وسفر نحميا ٩/ ١٤، وسفر إشعياء، ففيه فقرات منثورة في البابين السادس والخمسين والثامن والخمسين، وسفر إرمياء ١٧/ ٢١ - ٢٧.
[ ٢٧ ]
السلام- ومن تقدمه على استباحته، فجائز أن تأتي شريعة أخرى بتحليل ما كان في التوراة محظورا.
وأيضا فلا تخلو المحظورات من أن يكون تحريمها مفترضا في كل الأزمنة؛ لأن الله سبحانه يكره ذلك المحظور لعينه١. وإما ألا يكرهه لعينه، بل نهى عنه في بعض الأزمنة.
فإن كان الله نهى عن عمل الصناعات في يوم السبت لعين السبت، فينبغي أن يكون هذا التحريم على إبراهيم ونوح أيضا؛ لأن عين السبت كانت أيضا موجودة في زمانهم، وهي علة التحريم. وإذا كان ذلك غير محرم على إبراهيم ومن تقدمه، فليس النهي عنه لعينه -أعني: في جميع أوقات وجود عينه- وإذا لزمكم أن تحريم الصناعة في يوم السبت ليس تحريما في جميع أوقات السبت، فليس يمتنع أن ينسخ هذا التحريم في زمن آخر.
وإذا ظهر قائم بمعجزات الرسالة وأعلام النبوة في زمن آخر بعد فترة طويلة، فجائز أن يأتي بنسخ كثير من أحكام الشريعة، سواء حظر مباحاتها، أو أباح محظوراتها. وكيف يجوز أن تحاج البينة باعتراض فيما ورد به من أمر ونهي، سواء وافق العقول البشرية أو باينها؟ لا سيما أن الخصوم قد طالما تعبدوا بفرائض مباينة للعقول، كطهارة أنجاسهم برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها قبيل أوان الحج، ونجاسة طاهرهم بذلك الرماد بعينه٢.
_________________
(١) ١ المحظور لعينه ما يترتب على الإتيان به ضرر أو فساد أو ما أشبه ذلك، مثل الكذب والقتل والزنا والسرقة والخيانة ونحو ذلك. فهذا لا يباح قط، ولا يتأتى فيه النسخ. ٢ سيتعرض المؤلف لهذا الموضوع قريبا؛ وإنما مراده هنا أن الأمور التعبدية قد تخفي حكمتها. ثم ضرب لليهود مثلا على ذلك من واقع كتابهم وحياتهم، ألا وهو طهارة من انتابته نجاسة منهم مادية أو معنوية برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها بعد ذبحها، وفي طرح هذا الرماد على الشخص نجاسة وقذارة، فأين التنزه عن النجاسة؟
[ ٢٨ ]
على أن الذي يروم تنزيله منزلة هذا أقرب كثيرا إلى العقل. فإن الأفعال والأوامر الإلهية منزهة عن الوقوف عند مقتضى العقول البشرية١.
_________________
(١) ١ من الجدير بالذكر أنه لا تعارض بين العقل السليم أو الفطرة الصافية وبين ما جاء به الأنبياء -﵈- فالله ﷾ لم يتعبدنا بشيء يخالف العقل الكامل أو الفطرة. والكتب السماوية إنما تأتي بما تحار فيه العقول لا بما تحيله. ولو أن ذا فطرة سليمة فكر بحق وعمق لأدرك كثيرا من حكم التشريع. وليس ثمة ما يمنع من أن تأتي الرسل مؤيدة لما رأته العقول السليمة. بل يكون ذلك من باب ترادف الأدلة. ولذلك وافق القرآن عمر -﵁- في أمور ارتآها بفطرته الصافية التي نفض الإسلام عنها غبار الجاهلية. لكن من يضمن لنا سلامة العقل وصفاء الفطرة في شخص ما ولو نسبيا؟ ومن يضمن لنا خلو ذلك الشخص من المؤثرات النفسية والاجتماعية؟ ثم من يضمن لنا استمرار ذلك كله؟ وكيف نوفق بين العقول المختلفة والمتفاوتة؟ فمن أجل هذا وغيره كان لا بد من إرسال الرسل بتشريع سماوي يحسم الخلاف، ويكون الوحي المنزل عليهم هو الفيصل في جميع الأمور. هذا، والأنبياء جميعا يدعون إلى أصول مشتركة، لا تختلف في حقيقتها وجوهرها، ويبنون أحكامهم على أسس متناسقة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ =
[ ٢٩ ]
وإذا كانت التعبدات الشرعية غير عائدة بنفع لله ﷿، ولا دافعة عنه ضررا لتنزهه -﷾- عن الانتفاع والتأذي بشيء. فما الذي يحيل أو يمنع كونه تعالى يأمر أمة بشريعة، ثم ينهى أمة أخرى عنها؟ أو يحرم محظورا على قوم، ويحله لأولادهم، ثم يحظره ثانية على من يجيء بعدهم؟ وكيف يجوز للمتعبد أن يعارض الرسول في تحليله ما كان حراما على قوم، ويستدل بذلك على كذبه بعد أن جاء بالبينة، وأوجب العقلاء تصديقه وتحكيمه؟ أليس هذا تحكما وضلالا وعدولا عن الحق؟!
_________________
(١) = وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقال جل شأنه: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣]. وقد استهدفت جميع الشرائع السماوية في عباداتها وتشريعاتها وأحكامها ما يحقق مصالح الناس في الدنيا، ويهيئهم للظفر بسعادة الآخرة. قال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. غير أن تفاصيل الشرائع وفروع الأحكام وأشكال العبادة تختلف من أمة إلى أمة تبعًا لاختلاف زمان الناس وأحوالهم واستعداداتهم وما يحيط بهم من عوامل وملابسات. قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وقال أيضًا: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧].
[ ٣٠ ]
[نسخ السبت بالصوم الأكبر]:
نقول لهم: ما تقولون في السبت؟ أيهما أقدم: افتراضها عليكم أو افتراض الصوم الأكبر؟ فيقولون: السبت أقدم؛ لأنهم إن قالوا: الصوم أقدم، كذبناهم بأن السبت فرضت عليهم في أول إعطائهم المن، والصوم الأكبر فرض عليهم بعد نزول اللوحين ومخالفتهم وعبادتهم العجل. ولما رُفع عنهم عقاب ذنبهم ذلك في هذا اليوم، فُرض عليهم صومه وتعظيمه.
فإذا أقروا بتقديم السبت قلنا لهم: ما تقولون في يوم السبت؟ هل فرضت فيه عليكم الراحة والدعة وتحريم المشقات أو لا؟ فيقولون: بلى. فنقول لهم: فلم فرضتم فيه الصوم إذ اتفق صومكم الأكبر يوم السبت، مع كون صومكم فرض بعد فريضة السبت؟ ولكم في هذا الصوم أنواع من المشقة، منها القيام جميع النهار، أليس هذا أيضا قد نسخ فريضة السبت؟! ١
ما يحكونه عن عيسى -﵇-[وعمله يوم السبت]:
هم يزعمون أنه كان من العلماء، وأنه كان يطبب المرضى
_________________
(١) ١ ومما يلزم اليهود بوقوع النسخ عندهم أن التوراة تنطق بوجوب الختان في اليوم الثامن من الولادة كما سلف، وتنطق بتحريم الصنائع العملية يوم السبت كما سلف أيضا. ولا بد من أن ينسخ أحد الفرضين الآخر إذا اتفق ثامن يوم الولادة مع يوم السبت. ولا ينفعهم ما تعللوا به -كما ذكره ابن كمونة في تنقيح الأبحاث ص٤٧ - بأن إيجاب الختان أسبق من تعظيم السبت، فحيث حرمت الأعمال الصناعية فيه كان الختان مستثنى؛ لأنه وقع تعارض والمتأخر هو الذي ينسخ. وإلا فإنه كان من اللائق أن يستثنى ذلك صراحة عندما نزل تعظيم السبت. وما لم ينزل فهو نسخ بالاجتهاد لا بالنص.
[ ٣١ ]
بالأدوية، ويوهمهم أن الانتفاع الْمُنال حصل لهم بدعائه.
وأنه أبرأ جماعة من المرضى من أسقامهم يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود ذلك. فقال لهم: أخبروني عن الشاة من الغنم: إن وقعت في البئر يوم السبت، أما تنزلون إليها، وتحلون السبت لتخليصها؟ قالوا: بلى. قال: فلماذا أحللتم السبت لتخليص الغنم، ولا تحلونه لتخليص الإنسان الذي هو أكبر حرمة من الغنم؟ فأفحمهم، ولم يؤمنوا.
وأيضا، فإنهم يحكون عنه أنه كان مع جماعة من تلاميذه في جبل، ولم يحضرهم الطعام. فأذن لهم في تناول الحشيش يوم السبت، فقال لهم: أرأيتم لو أن أحدكم كان وحيدا مع قوم على غير ملته، وأمروه بقطع النبات في يوم السبت وإلقائه لدوابهم، ألستم تجيزون له قطع النبات؟ قالوا: بلى. قال: فإن هؤلاء القوم أمرتهم بقطع النبات ليأكلوه؛ لينقذوا أنفسهم، لا للطعن في أمر السبت.
كل ذلك ملاطفة منه لعقولهم التي لا ينطبع فيها النسخ. ولئن كان ما يحكونه من ذلك صحيحا، فلعله كان في ابتداء أمر المسيح عليه السلام١.
_________________
(١) ١ جاء في إنجيل يوحنا ٥/ ١٦: فأخذ اليهود يضطهدون يسوع، ويطلبون أن يقتلوه؛ لأنه كان يفعل ذلك يوم السبت. وانظر متن ١٢/ ١ - ١٢. ويظهر -والله أعلم- أن المسيح -﵇- إنما أنكر على اليهود الغلو والتشدد في أمر السبت، ولم ينكر عليهم تعظيمه. لكن بولس ومَن لف لفه هم الذين أسقطوا تعظيمه وغيروا وبدلوا. جاء في رسالة بولس إلى أهل كولوسي ٢/ ١٦: لا يحكم عليكم أحد في المأكول والمشروب، أو في الأعياد والأهلة والسبوت. ٢/ ١٧: فما هذه كلها إلا ظل الأمور المستقبلة. أما الحقيقة فهي في المسيح. وذكر الشيخ الهندي -﵀- في إظهار الحق ص٣٠٦ أنه جاء في تفسير "دوالي ورجر دمينت" في شرح هذه الجملة ما يلي: قال بركت والدكتور وت بي: "كانت -أي الأعياد- في اليهود على ثلاثة أقسام: في كل سنة سنة، وفي كل شهر شهر، وفي كل أسبوع أسبوع. فنسخت هذه كلها، بل يوم السبت أيضًا، وأقيم سبت المسيحيين مقامه". وقال بِشُب هارسلي: "زال سبت كنيسة اليهود، وماشى المسيحيون في عمل سبتهم على رسوم طفولية الفريسيين". اهـ.
[ ٣٢ ]