عقد المصنف هذا الباب (بابٌ لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله)، والكلام عليه في عدة مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالترجمة: أن يبيّن ما يدلّ على أنَّ المسلم لا يجوزُ أن يذبح لله، أو يتعبد لله بأي عبادة في زمان أو في مكان قد اتخذه المشركون لعبادتهم.
أما المكان: فكما في هذا الحديث، وكما عند القبور.
وأما في الزمان فكما في يوم المولد النبوي، وغير ذلك من الأزمان التي يجعل البعض من الناس فيها عباداتٍ لم يرد الشرع بالأمر بها.
واعلم أنَّ الأمر لا يختص بالذبح -كما نص عليه المصنف-، بل يراد به النهي عن تحرّي العبادات في الأماكن والأزمان التي يوافق ويشابه بها المشركين، وذِكرُ الذبح في الباب إنما هو للمثال.
قال ابن تيمية: «ومن اعتقد أن الذبح عند القبر أفضل، أو الصلاة، أو الصدقة،
[ ١٤٧ ]
فهو ضالٌ مخالف لإجماع المسلمين» (^١).
ومناسبة الباب لما قبله: من جهة أنَّه لما قرر أن الذبح لغير الله شركٌ أكبر، إذ نفس الفعل لغير الله، ذكر هنا الذبح لله لكن في مكانٍ يُذبَح فيه لغير الله، فالأوّل من باب الشرك الأكبر، فناسب ذكره بعده.
ثم إنَّه ربما قلتَ لشخصٍ رأيته يذبح عند قبرٍ أو غيره، أن الذبح لغير الله شرك، فربما عارضك بأنَّه يذبح لله، فأراد المؤلف أن يبيّن أنَّه حتى ولو كان لله، فما دام أنَّه موضع يُتَعبَّدُ به لغير الله فينهى عنه.
المسألة الثانية: الحكمة من النهي عن الذبح لله بمكانٍ يذبح فيه لغير الله:
١. أنَّه وسيلة إلى الشرك على مرّ الأزمان، فسدًّا للذريعة نهينا عن مشاركتهم.
٢. أنَّ فيه تشبهًا بالكفار، وموافقةُ المشركين الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة، وربما اعتقد -مع مرور الوقت- أنَّ الذبح في هذا المكان أفضل من غيره.
٣. أنَّه يؤدِّي إلى أن يغتر بك من يراك على هذا الفعل، فاعتقد أنك تذبح كما يذبح المشركون لغير الله.
٤. أنَّ فيه تقويةً للمشركين على فعلهم إذا رأوا من يفعل مثلهم.
المسألة الثالثة: ذكر المصنف في الباب آية وحديثًا مستدلًا بهما على ما بوب عليه.
* أما الآية: فقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة، الآية (١٠٨)].
_________________
(١) مختصر الفتاوى المصرية (٥٢٢).
[ ١٤٨ ]
والضمير في الآية يعود إلى مسجد الضرار، وقصته: «أن أبا عامر الفاسق كان قد قرأ الكتب السابقة في الجاهلية، وتعبد حتى صار يسمى أبا عامر الراهب، وكان يعظمه الناس لما يظهر عليه من الدين، فلما هاجر النبيُّ ﷺ إلى المدينة حسده أبو عامر وكفر به وأبغضه، وسمّاه رسول الله ﷺ أبا عامر الفاسق؛ لأنَّه خرج عن طاعة الله وكفر بالرسول، ثم إنَّه ذهب إلى الشام يؤلب النصارى على رسول الله، وكتب وهو في الشام إلى جماعة من المنافقين في المدينة أن ابنوا لنا مكانًا من أجل أن نجتمع فيه ونتشاور (^١)، وهم يريدون بهذا المكان ما ورد في الآية:
١ - مضارةً لمسجد قباء. ٢ - التفريق بين المؤمنين.
٣ - الكفر بالله؛ لأنَّه يقرر فيه الكفر، والذي اتخذه المنافقون.
٤ - يكون إرصادًا لمن حارب الله ورسوله.
فأظهروه بصورة المسجد، وقالوا: بنيناه من أجل الضعيف والمريض والليلة المطيرة والشاتية، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يصلي فيه؛ كي يعطوه الصبغة الشرعية، فاعتذر بأنه على سفرٍ إلى تبوك، وإذا رجع سيصلي فيه، فلما رجع ولم يبق على المدينة إلا ليلة أو ليلتان أتاه الوحي من السماء بهذه الآيات، وفيها: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، ففيها تيئيس للمنافقين أنَّه لن يقوم فيه أبدًا.
ووجه الدلالة من الآية: أنَّ الله منع رسوله من الصلاة في مسجد الضرار؛ لأنَّه مؤسَسٌ لمقاصد خبيثة، مع أنَّ صلاة النبيّ فيه لله، فكذلك المواضع المعدّة للذبح لغير الله لا يذبح فيه الموحد لله؛ لأنَّها أسست على معصية
_________________
(١) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (١/ ٥٢).
[ ١٤٩ ]
الله والشركِ به، فكلُّ مكان يُعصى الله ويشرك به فيه، فإن الإنسان لا يقوم فيه، ولهذا الأمر ساقه المصنف في الباب (^١).
وأما الحديث: فعن ثابت بن الضحاك قال: «نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانٍ اَلْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ».
* وقوله «بوَانَةَ»: بضم الباء هضبة وراء ينبع، قريبة من ساحل البحر الأحمر.
* وقوله: «وَثَنٌ»: الوثن: كل ما عبد من دون الله من حجر أو قبر أو غيره.
* وأما العيد: فهو اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد، إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحوه، قاله ابن تيمية (^٢).
* وأما الجاهلية: فالمراد بها ما كان قبل الرسالة والإسلام، وهذه زالت ببعثة النبيّ ﷺ لكن قد يبقى أشياء منها في بعض الناس، كما في قوله ﷺ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ» (^٣)، فأما الجاهلية العامة فقد زالت بالبعثة.
* وقوله: «وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ اِبْنُ آدَمَ»: يدخل فيه أمران:
١ - ما لا يملك فعله شرعًا: كما لو نذر إعتاق عبد فلان أو تزوّج زوجة فلان.
_________________
(١) ذكر ابن تيمية أن مسجد الضرار من أمكنة العذاب، كما قال تعالى (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) وقد نهي الإنسان عن الصلاة في أمكنة العذاب، وندب إلى الصلاة في أماكن الرحمة كالمساجد الثلاثة. اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٣١).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٩٦).
(٣) أخرجه مسلم (٩٣٤) من حديث أبي مالك الأشعري.
[ ١٥٠ ]
٢ - ما لا يملك فعله حِسًّا: كما لو نذر أن يطير في الهواء، ونحوه مما يستحيل.
ومعنى الحديث: أنَّ هذا الرجلَ أتى النبيّ ﷺ يسأله في نذرٍ نذره على نفسه، أن ينحر إبلًا في بوانة، فأراد النبيّ ﷺ أن يسأله لِمَ خصص هذا الموضع؟ هل كان فيه وثن لأهل الجاهلية، ولو قبل مدة، أو فيها عيدٌ فاعتادوا أن يأتوا هذا المكان ويتخذوه عيدًا، ولو لم يكن فيه وثن، وفي حديث ابن عباس أنَّه ﷺ قال له: «فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؟» (^١) فلما أجابه بالنفي، وتيقّن النبيُّ ﷺ من سلامة المكان من أمور الشرك ووسائله وشوائبه أذن له بالوفاء بنذره فيه.
ووجه الشاهد من الحديث: استفصال النبيّ ﷺ من هذا الرجل، فإنه يدل على أنَّه لو كان في البقعة مكان لعيدهم أو وثن من أوثانهم، فإنَّ هذا مانع من الذبح فيها، وإلا لما حسن الاستفصال.
فيؤخذ منه المنع من الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، وإن كان الذين يذبحون فيه لغير الله قد أسلموا، وتركوا ذلك المكان والعيد، سدًّا للذريعة، حتى لا يكون الذبح هناك سببًا لإحياء تلك البقعة، وذريعةً لاتخاذها عيدًا.
المسألة الرابعة: كيف يُجابُ عن فعل الصحابة - كابن عمر وغيره -حين صلوا في الكنيسة، فهم تعبدوا لله في مكانٍ يتعبد فيه لغير الله؟
* الجواب على هذا الإيراد من وجوه أقواها اثنان:
١ - أن الصلاة تخالف صلاة أهل الكنيسة، فلا يكون الإنسانُ متشبهًا بهم في العمل، فهم لهم صلاةٌ من نوعٍ يخالف صلاة المسلمين، بخلاف الذبح
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢١٣٠)، وقد سبق قريبًا.
[ ١٥١ ]
في مكان يذبح لغير الله فيه، فالفعل واحد بنوعه وجنسه (^١).
٢ - أن الكنيسة مكان لعبادة الله، وجنس العبادة متفق عليها، ولكن اختلفت صفتها، بخلاف الحديث عن الذبح، فهم يتقربون لغير الله.
المسألة الخامسة: ورد في الحديث الإشارة إلى الوفاء بالنذر، واعلم أن النذر من حيث وجوب الوفاء به أقسام:
١. نذر الطاعة: فيجب الوفاء به؛ لحديث عائشة ﵂: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (^٢).
٢. نذر المعصية: فيحرم الوفاء به؛ لحديث عائشة ﵂: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ». وحديث الباب.
والمذهب عند الحنابلة: أنَّ فيه الكفارة؛ لحديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (^٣).
وقيل: لا كفارة فيه، ولعل الأول أقرب، للحديث.
٣. نذر المكروه: كأن ينذر لله أن يفعل أمرًا مكروهًا؛ فيكره الوفاء به.
* خلاصة الباب: أن كل موطنٍ وكل زمانٍ اتخذه المشركون لعبادتهم وشركهم، فإنَّ الإنسان لا يجوز أن يتعبّد فيه لله، بل يتعبّد في غيره من الأماكن؛ لما تقدم من الحكم.
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٢٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٩٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٩١)، والترمذي (١٥٢٤)، والنسائي (٣٨٣٤)، وابن ماجه (٢١٢٥)، وأحمد (٦/ ٤٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٥٤٧).
[ ١٥٢ ]