باب الشفاعة من أهم الأبواب في كتاب التوحيد، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الشفاعة، والمراد بها:
في اللغة: اسمٌ مِنْ شفع يشفع إذا جعل الشيء بين اثنين، وهو ضدُّ الوتر.
واصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، سميت بذلك لأنَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٩).
(٢) فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيات. الثانية: صفة الشفاعة المنفية. الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة. الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود. الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ أنه لا يبدأ بالشفاعة أولًا، بل يسجد فإذا أذن الله له شفع. السادسة: من أسعد الناس بها؟. السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله. الثامنة: بيان حقيقتها.
[ ٢٠٢ ]
طالبَ الحاجة كان منفردًا في الأوَّل، ثم انضم إليه شافعٌ، فصارا شفعًا.
المسألة الثانية: مناسبة الباب:
لما كان المشركون قديمًا وحديثًا يعبدون من دون الله الأصنام والأضرحة ونحوها، فإذا أُنكِرَ عليهم قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وادَّعَوا أنَّ غرضهم بذلك طلب الشفاعة فقط، فبين المؤلف هنا أنَّ الله عدّ ذلك من الشرك، وأنَّ طلب الشفاعة منهم هي عبادة لغير الله، وإن ادِّعَوا أنَّ ذلك من تعظيم الله.
واعلم أنَّ أصل الشرك من قديمِ الزمان وحديثِه هو بطلب الشفاعة، وتعلُّق الناس بأذيالها، وذلك لأنَّ المشركين يقولون نحن نجعلهم شفعاء، فقاسوا الله بخلقه، وقال الله على لسانهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية (٣)].
المسألة الثالثة: كيف يقال: إنَّ من اتخذ الشفيع مشركٌ، وهو إنما اتخذه شفيعًا إلى الله بقصد تعظيم الرب، فإنَّه -على حدّ قولهم- لا يتوصل إليه إلا بالشفعاء، كملوك الدنيا؟
* الجواب: أنَّه وإن كان دافعه وقصده تعظيم الله، إلا أنَّه ليس كل من قصد التعظيم وُفِّق وأصاب؛ لأنَّ اتخاذ الشفعاءِ والأنداد من دون الله فيه هضمٌ للربوبية، وتنقّص لعظمة الله، وسوء ظنٍّ به سبحانه، ولذا قال الله عن المشركين، وهم يخاطبون معبوداتهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الصافات، الآية (٩٧ - ٩٨)]، وهذه التسوية منهم ليست تسويةً لمعبوداتهم بذات الله وصفاته وأفعاله، ولا ادّعوا أنَّها خلقت السماوات والأرض وغير ذلك، وإنما ساووهم في المحبّةِ والتعظيمِ والعبادة.
ووجه كون الاستشفاع بالأولياء فيه هضمٌ للربوبية وسوء ظنٍّ بالله؛ لأن المستشفع لا يخرج من أمور:
[ ٢٠٣ ]
* إما أن يظنَّ أنَّ الله يحتاج إلى من يُدبِّر أمرَ العالم معه مِنْ وزيرٍ ومعين.
* وإما أن يظنَّ أنَّ الله إنما تتم قدرته بقدرة الشفيع.
* أو يظنَّ أنَّ الله لا يعلم حتى يُعلمه الشفيع، أو لا يرحم حتى يجعله الشفيع يرحم، أو لا يجيب دعاءه حتى يسألوا الشفيع، كحال ملوك الدنيا، وهذا نقص.
* أو يظنَّ أنَّ للشفيع حقًا على الله، فهو يُقسِمُ عليه بحقّه ويتوسل إليه بالشفيع كما يتوسل إلى الملوك بالناس الذين لهم عليهم حقٌ، وكل هذا نقص، وسوء ظن بالله.
فإن قيل: هذا فيمن عَبَدَ الشفعاء، أما من دعاهم فقط فلا يعد ذلك شركًا؟
* فالجواب: أنَّ مجرد اتخاذ الشفعاء شرك، ودعاؤهم للشفاعة عبادة لهم وإشراك لهم في عبادة الله، فإن النبيّ ﷺ قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (^١).
المسألة الرابعة: الشفاعة نوعان:
١) مثبتة: وهي ما كانت بشرطي الشفاعة:
١ - إذنُ الله للشافع. ٢ - رضاه عن الشافع والمشفوع له.
٢) منفية: وهي ما كانت تُطلب من غير الله، أو يقال: أنَّها ما اختل فيها شرطٌ مِنْ شروط الشفاعة المثبتة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٣٣٧٢)، وابن ماجه (٣٨٢٨) والطبري في التفسير (٢٤/ ٧٨)، وابن حبان (٨٩٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٩١)، وقال: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٢٩).
[ ٢٠٤ ]
والحكمة من جعل الله الشفاعة: إكرامُ الله للشافع من وجهين:
١. ظهور فضل الشافع على المشفوع له.
٢. ظهور منزلة الشافع عند الله.
المسألة الخامسة: ذكر المصنف في الباب خمس آيات متعلقة بالشفاعة:
(١) قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام، الآية (٥١)]. في هذه الآية خَوَّفَ اللهُ عباده يوم الحشر الذي ليس للإنسان فيه أحدٌ إلّا الله، فليس لهم هناك أحدٌ يدافع عنهم من معبوداتهم، وإذا كان الإنذار هنا هو للمؤمنين الذين يخافون يوم الحشر، وأنَّهم ليس لهم وليٌ ولا شفيع، فكيف بمن وقع في الشرك.
ففي الآية نفي الشفاعة التي لم تتوفر شروطها، ومفهوم هذا أنَّها ثابتةٌ بإذنه، كما قال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.
(٢) قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر، الآية (٤٤)]، وهذه الآية يزيدها بيانًا ما قبلها، وهي قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (٤٤)﴾ [الزمر، الآية (٤٣ - ٤٤)].
قال المفسرون: إنَّ (أم) بمعنى: (بل)، أي أنَّ الله أنكر عليهم طلب الشفاعة من دون الله حين قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾، وقال لهم: ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾، وهذه حقيقة الخلق كلهم، فهم إما أنَّهم لا يعقلون، فلا يعلمون شيئًا مما في نفوس الناس من حاجاتهم، ولو عقلوا فإنَّهم لا يملكون، ثم قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ففُهم من هذا أمورٌ:
١. أنَّ الشفاعة بجميع أنواعها ملك لله.
[ ٢٠٥ ]
٢. إذا كانت له، فكيف تطلب ممن لا يملكها؟! بل ينبغي أن تطلب ممن يملكها.
(٣) قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. نفت الآيةُ الشفاعةَ عن المخلوق استقلالًا بلا إذن من الله، وقيّدت الشفاعة بإذن الله، فالمخلوق لا يبتدئ بالشفاعة دون أن يأذن الله له بها، ولا يأذن الله إلّا لمن رضي عمله، وهو الموحِّدُ غيرُ المشرِك، وعلى هذا آل الأمر إلى أنَّ المرء يوجه قلبه لله، فمن طلبها من المخلوق فقد أشرك، وقد أفادت الآية أمورًا:
١. الردّ على الخوارج الذين ينكرون الشفاعة مطلقًا؛ إذ إنَّ الله أثبتها لمن شاء.
٢. الردّ على من اتخذوا الشفعاء من دون الله، فبين الله أنَّهم لا يشفعون إلّا بإذنه، وبدون إذنه لا يمكن لأحد أن يشفع.
(٤) قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم، الآية (٢٦)].
* ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾: أي ما أكثر الملائكة الذين في السماء، ومع ذلك لا تغني شفاعتهم إلّا من بعد إذن الله ورضاه.
* ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾: فيه بيان شرطي الشفاعة:
١ - الإذن من الله. ٢ - الرضى عن الشافع والمشفوع له.
والذي يرضى اللهُ عنه هو المؤمن الموحد، واستثني من ذلك أبو طالب، فإنَّ اللهَ أذن بالشفاعة له، ولم يرضَ الله عمله، إكرامًا للنبي ﷺ.
[ ٢٠٦ ]
فإن قال المشرك: أعلمُ أنَّهم لا يشفعون إلا بإذن الله، لكني أدعوهم ليأذن الله لهم في الشفاعة لي، فكيف يجاب عنه؟
* الجواب: أنَّ الله لم يجعل الشرك به ودعاءَ غيره سببًا لإذنه ورضاه، بل ذلك سببٌ لغضبه ومقته، ولذا نهى عنه فقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس، الآية (١٠٦)]. فدعاءُ الأولياءِ هو شركٌ لا يرضاه الله، وهو عين ما كان المشركون الأوّلون يفعلونه، فإنَّ الفارق بينهم وبين الموحد مسألة الشفاعة.
وإذا علمت أنَّ الله هو الذي بيده الأمور، وهؤلاء الأولياء بظنك أنَّهم يشفعون لك عند الله، فَلِمَ لا تدعو الله مباشرة؟ فالله يغضب إن تركت سؤاله.
وقد أفادتك الآية أنه إذا كان الملائكة المقربون لا تغني شفاعتهم إلّا بإذن الله ورضاه، فكيف تشفع الأصنام والأضرحةُ لمن عبدها؟!
(٥) قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (٢٣)﴾ [سبأ، الآية (٢٢ - ٢٣)].
﴿قُلِ ادْعُوا﴾: تُحمَلُ على أحد معنيين:
أ. أَحْضِرُوهم. ب. ادعوهم دعاء مسألة.
وهو أمر تعجيز؛ لأنَّ هؤلاء -كما بين الله بعد ذلك- لا يملكون، وليسوا شركاء ولا مظاهرين معاونين، والشفاعة لا يملكها إلَّا الله.
(ذرّة): الذرُّ صغار النمل، يضرب بها المثل في القِلَّة.
قال ابن القيم: «فالمشرك إنَّما يتخذ معبوده لما يعتقد أنَّه يحصل له به من
[ ٢٠٧ ]
النفعِ، والنفعُ لا يكون إلّا ممن فيه خصلةٌ من هذه الأربع: إمّا مالكٌ لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتبًا متنقلًا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعةً لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاةً وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها» (^١).
المسألة السادسة: ذكر المصنف كلام ابن تيمية في الشفاعة، وهو كلامٌ متين، حريٌ بالتأمل، وخلاصة كلامه ما سبق بيانه.
وتأمّل حديث أبي هريرة ﵁ الذي ذكره ابن تيمية، حيث جعل أشرف أسباب نيل الشفاعة توحيد الله، ولذا قال ابن القيم: «تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تُنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أنَّ الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلبَ النبيُّ ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أنَّ سبب الشفاعةِ تجريدُ التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع والمشفوع» (^٢).
ثم تأمّل قوله عن رسول الله ﷺ أنَّه لا يَسأل إلا حين يخرُّ ساجدًا ويدعو ثم يؤذن له بالشفاعة، فإذا كان الرسول ﷺ وهو أعظمُ الناس جاهًا عند الله لا يشفع، إلّا بعد أن يحمد الله ويثني عليه، ويتضرع ويطيل السجود ويفتح عليه من المحامد، فكيف بهذه الأصنام؟!
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٥١).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤٩).
[ ٢٠٨ ]
المسألة السابعة: ذكر أهل العلم أنَّ الشفاعة قسمان:
١) الشفاعة الخاصة بالرسول ﷺ: وهي أقسام:
١ - الشفاعة العظمى: وتكون لتعجيل القضاء، وهي لكل أهل الموقف.
٢ - شفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها.
٣ - شفاعته لبعض الكفار أن يخفّف عذابهم، وهذه لأبي طالب خاصة.
٢) العامة له، ولغيره من الأنبياء والصالحين، ويدخل فيها صور:
١. الشفاعة فيمن استحقَّ دخول النار أن لا يدخلها.
٢. الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها: وهذه أجمع عليها الصحابة وأهل السنة.
٣. الشفاعة في رفع درجات المؤمنين وزيادة ثوابهم.
* خلاصة الباب: أنَّ الإنسان لا يجوز له أن يتعلق بغير الله عبر باب الشفاعة، فيعتقد أن تقرّبه لغير الله إنما هو لكي يشفعوا له عند الله، وإنما يجبُ أن يطلب الشفاعة، عبر بوابة التوحيد لله تعالى، فهو مالك الشفاعة، ولا يشفع أحد لأحد، إلّا وقد رضي الله عمله.
*
[ ٢٠٩ ]