هذا هو الباب الثاني في الكتاب، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: ذِكرُ الفضائل التي تحصل لمن وحّد الله، ولذا قال: «فضل التوحيد».
وقوله: «وما يكفر من الذنوب»: أي ماذا يُكفّر من الذنوب، وأنَّه يكفر الذنوب كلها، وبهذا تكون (ما) موصولة، أو يكون المعنى: بيان أن التوحيد يكفر الذنوب، فالمعنى: فضلُ التوحيد وتكفيرُه الذنوبَ، فيكون ذكر تكفير الذنوب مِنْ عطف الخاص على العام، لأهميته، وإلا فهو من الفضائل، وعليه
[ ٤٣ ]
فيجوز في (ما) وجهان:
أ. أن تكون موصولة، ويكون العائدُ محذوفًا، أي: بابُ التوحيدِ والذي يكفِّرُه من الذنوب.
ب. ويجوز أن تكون مصدرية، أي: بابُ التوحيد، وتكفيره الذنوب.
ومناسبة الباب لما قبله: أنَّه لما ذكر معنى التوحيد، وكانت الأنفس لها تشوق وتشوف إلى معرفة المعاني، ونيلِ الفضائل وتحصيلها، ناسب ذكر فضله وتكفيره للذنوب؛ ترغيبًا فيه، وتحذيرًا من الشرك.
المسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب آيةً وأربعة أحاديث، يتبيّن منها فضائل التوحيد.
أوّل الفضائل: أنَّ الله يجعلُ الأمنَ التامَّ لمن وحّد الله التوحيد التام، ويكون نقصُ الأمنِ عليه بقدر نقص التوحيد عنده.
* واستدل على هذا: بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام، الآية (٨٢)].
فأفادت الآية: أنَّه كلما نقص التوحيد بوقوع المرء في شيء من الظلمِ، نقصَ الأمنُ في حقّه في الدنيا وفي الآخرة، والظلم له صورٌ يجمعها ثلاثة:
١) ظلم العبد لنفسه بالشرك، وهو أعظمُ الظلم، وهو الذي ورد فيه حديث ابن مسعود ﵁: «أنَّ الصحابة استعظموا هذه الآية، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان، الآية (١٣)]» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٩٣٧)، ومسلم (١٢٤).
[ ٤٤ ]
٢) ظلم العباد في أموالهم وأنفسهم وأعراضهم.
٣) ظلم النفس بما دون الشرك، كالمعاصي.
ثاني الفضائل: أنَّ الله يُدْخِل الموحِّدَ الجنّة وإنْ عمل ما عمل، فيدخل الجنة وإن عُذِب على بعض ذنوبه، إما أن يدخل الجنة دخولًا أوليًا من أوّل وهلة، أو يدخلها بعدما يمحص، فمآل الموحد إلى الجنة.
* واستدل على هذا: بحديث عبادة بن الصامت، وفي آخره: «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (^١).
* وقوله: «عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ»: أي وإن كان عنده ذنوبٌ وتقصير، ما لم يكن الشركَ الأكبر، فهذا أخرجته النصوص الأخرى، كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر، الآية (٦٥)].
ثالث الفضائل: أنَّ الله يُحَرِّمُ الموحّدين على النار، واستدل بحديث عتبان ﵁: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إله إلّا الله يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ».
وهذا الحديث له تتمة، وهو في خبر عتبان بن مالك ﵁: «حين سأل النبيّ ﷺ أن يصلي في بيته فيتخذه مصلى، فعلم مَنْ حول عتبان بقدوم النبيّ ﷺ عنده فاجتمعوا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ: قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يَبْتَغِى بِذَلِكَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٣٥).
[ ٤٥ ]
وَجْهَ اللَّهِ» (^١).
تنبيه: واعلم أنَّ التحريم على النار لأهل التوحيد، يقال فيه أمران:
١. مَنْ كان من أهل التوحيد وهو تائب من خطاياه، فيحرم على النار مطلقًا، وقد يلحق به من قالها ولم يُصِرَّ على معصيةٍ، فيُرجى أن يغفر الله ذنوبه.
٢. مَنْ كان من أهل التوحيد وهو مُصِرٌّ على الكبائر، فيحرم على النار حُرمةَ تأبيد، فلا يخلد فيها، وأما مجرد الدخول للنار فهو تحت المشيئة، وقد دلّت النصوص الأخرى على أنَّ الله قد يُعَذِّب الموحّد ببعض ذنوبه، لكن تعذيبه لا يدوم، بخلاف المشرك والكافر بالله تعالى.
وحينها يمكن القول بأن من يعذَّب ممن يقول: لا إله إلا الله، إما أنه لم يقلها بصدق ويقين تامّ، وإما أنه قالها واكتسب بعد ذلك سيئاتٍ رجحت على حسناته، وأضعفت صدقه ويقينه (^٢).
رابع الفضائل: أنَّ الموحِّدَ يثقُل توحيده في الميزان، ويرجح بما عنده من سيئات إذا قوي توحيده.
* واستدل المصنف على هذا: بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لا إله إلّا الله، قَالَ: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا، قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ وَ(لا إله إلّا الله) فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لا إله إلّا الله»، وهذا يدلّ على عظم شأن هذه الكلمة.
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).
(٢) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٣٥٤).
[ ٤٦ ]
ونظير هذا الحديث: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ اللَّهَ سيخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِى عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشر عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصر، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شيئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً؛ فَإنَّه لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُر وَزْنَكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شيءٌ» (^١).
وإذا كانت الأعمال تتفاضل، فإنَّ أشرفها كلمة التوحيد إذا قالها صاحبها صادقًا.
وفي هذا يقول ابن القيم: «الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنّما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرَّجلان يكون مقامهما في الصف واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وتأمّل حديثَ البطاقة التي توضع في كفّة ويقابلها تسعة وتسعون سجلًّا، كل سجل منها مدّ البصر، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات فلا يعذب، ومعلوم أنَّ كل موحِّدٍ له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه، ولكن السرّ الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل وطاشت لأجله السجلات لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣)، وابن حبان (٢٢٥)، والطبراني في الأوسط (٤٧٢٥)، والحاكم (٩)، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم.
[ ٤٧ ]
انفردت بطاقته بالثقل والرزانة» (^١).
خامس الفضائل: أنَّ التوحيد سبب لغفران الذنوب، وأسعد الناس بشفاعة النبيّ ﷺ هم الموحدون.
* واستدل المصنف لهذا: بحديث أنس ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ آتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».
ولكنّ المغفرة هنا مشروطة بأن لا يكون مع الإنسان شيء من الشرك صغيره وكبيره، ولذا قال: «لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا»، قال ابن قاسم: «فمغفرة الذنوب مشروطة بالسلامة من الشرك قليله وكثيره، فالذي لا يسلم من الأكبر لا تنفعه أصلًا، والذي مات ومعه الأصغر تضعف معه، فلا يقوى قولها على تكفير السيئات، والذي معه البدع والمعاصي ينقص ثوابها» (^٢).
* الخلاصة: أن في توحيد الله ﷿ من الفضائل العظيمة، والمزايا الشريفة ما تبين ذكره في الباب، وكل هذا يدعو إلى العناية به، والحرص عليه، والحذر مما يناقضه.
_________________
(١) وقال كذلك: «وقريب من هذا ما قام بقلب البَغِيّ التي رأت ذلك الكلب، وقد اشتد به العطش يأكل الثرى، فقام بقلبها ذلك الوقت مع عدم الآلة وعدم المعين وعدم من ترائيه بعملها، ما حملها على أن غرّرت بنفسها في نزول البئر، وملء الماء في خفها، ولم تعبأ بتعرضها للتلف، وحملها خفها بفيها وهو ملآن، حتى أمكنها الرقي من البئر، ثم تواضعها لهذا المخلوق الذى جرت عادة الناس بضربه، فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب، من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورًا، فأحرقت أنوارُ هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء فغفر لها، فهكذا الأعمال والعمال عند الله». مدارج السالكين (١/ ٣٣٢).
(٢) حاشية كتاب التوحيد (٣٦).
[ ٤٨ ]