الكلام على الباب في ستّ مسائل:
المسألة الأولى: المقصود بالباب والمراد منه: لمّا كان سبب كفر بني آدم هو غلوهم في الصالحين، وكان قد بيّن في الباب السابق ذمَّ الغلو، أراد أن يُنَوِّعَ التحذيرَ من الافتتان بالقبور، وأخرجه في بابٍ آخر ليكون أبلغ في الترهيب، فعقد هذا الباب، ليقرِّرَ أنَّه إذا كانت عبادةُ الله عند قبرٍ فيها تشديدٌ ونهيٌ، لِما في ذلك من الغلو، فما بالُكَ بمن يعبد نفسَ صاحبِ القبر ويدعوه، لا شك أنَّه أعظم.
المسألة الثانية: ورد في النصوص ما يدل على أنَّ بِناء الأبنية على القبور، واتخاذ مواضعها للعبادة مُحَرّمٌ، وهو صنيعُ شِرارِ الخلق، وقد جاء الشرع بالنهي عن ذلك سدًّا لذريعة تعظيمها التي توصل إلى الشرك بها وعبادتها.
[ ٢٢٩ ]
* وقد ساق المصنف مستدلًا لهذا المعنى ثلاثة أحاديث:
(١) حديث عائشة ﵂ في ذكر الكنيسة التي رأتها أم سلمة بأرض الحبشة، ووصفتها بأنَّها كان فيها تصاوير لأناس، ويظهر أنَّ هذا التصاوير هي صورُ أقوامٍ صالحين، كما أفاد ذلك كلام النبيّ ﷺ بعد ذلك، فجاء تعليقه ﷺ بأنَّ الذين صنعوا هذا هم شرارُ الخلق عند الله، ووصْفُهُمْ بهذا الوصف يقتضي تحريمَ فعلهم، بل سيأتي في الحديث الآخر: «لَعْنَةُ اَللَّهُ عَلَى اَلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى …» وهذا سدٌّ لذريعة الشرك.
ثم ذكر المصنف كلامًا لابن تيمية معلقًا على الحديث، وهو قوله: «فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل»، ومضمون كلام الشيخ، أنَّ هؤلاء الذين بنوا على الكنيسة جمعوا بين فتنتين:
أ- فتنة القبور: بتعظيمهم لها وبناءِ المساجد عليها، وهي مبدأ الفتنة كما تقدم.
ب- فتنة التماثيل: أي الصور، وهي سبب وقوع قوم نوح في الشرك كما تقدم.
وإنما سمى ذلك فتنة: لأنَّها سببٌ لصدِّ الناس عن دينهم، وكل ما كان كذلك فهو من الفتنة، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين.
• ومن هنا تعلم: العلّةَ من النهي عن اتخاذ المساجد والأبنية على القبور، وهو سدُّ ذريعة الشرك بعبادتها، فحسم الأمر، بل حرَّم الصلاة في المقبرة.
فإن قيل: إنَّ النهيَ الواردَ هو عن بناء المساجد على القبور، أي: فوقها، لكن لو بني المسجد بجوار قبر ولي، فلا حرج؛ لأنَّ النهي لا يشمله، إذ هو مقيد ب «على»
[ ٢٣٠ ]
حيث قال في الحديث: «بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» فيجوز بجنبها، فكيف الجواب؟
* الجواب من وجهين:
أ. أنَّ هذا كلام من لا يعرف العربية، فإن (على) تأتي على معانٍ، منها (عند) ويدل لها نصوص، كقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج، الآية (٦)]. أي: عندها، ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة، الآية (٨٤)]. وليس مراده لا تقم فوقه، وكذا: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة، الآية (٢٥٩)]. إلى غيره من النصوص.
ب. جاءت ألفاظ أخرى فيها التحذير من اتخاذ الأبنية على القبور، كاللعن في الحديث القادم، وهذه تعضد حديث الباب.
(٢) حديث عائشة قالت: «لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اِغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اَللَّهُ عَلَى اَلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ …».
فلما لعنهم النبيّ ﷺ علّل اللعن بقوله: «اتَّخَذُوا قُبُورَ …» أي: بنوا عليها أماكن يتعبدون عندها لله، وإن لم تُسَمَّ مساجد.
• وعلى هذا: فمن بنى على قبور الصالحين بناءً، وميّزه به عن غيره، فهو داخلٌ في هذا الأمر.
ومِثلُه من بنى مسجدًا على القبر، قال ابن تيمية: «فهذه المساجدُ المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوكِ وغيرهم، يتعيّنُ إزالتها بهدمٍ أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين» (^١).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٨٧).
[ ٢٣١ ]
والتغليظُ يؤخذ من الحديث من أوجه:
١. لعنُ النبيّ ﷺ من فعل هذا.
٢. أنَّه قال: «قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ …» فإذا كان اللعنُ في حقّ مَنْ وضع البناء على قبر النبيّ ﷺ فلعن غيره -ممن وضع ذلك على قبور من دونهم- أولى.
٣. أنَّ هذا الكلام منه ﷺ كان في شدة النزع وعند الموت، مع ما سبق من النهي عن ذلك تأكيدًا للأمر، والمرء عند الموت سيؤكد على أهم الأشياء عنده.
(٣) حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ اَلنَّاسِ: مَنْ تُدْرِكُهُمْ اَلسَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ».
وقد بيّن النبيّ ﷺ أنّ الناس يتفاوتون في الشرّ، وأن من شِرار الناس صنفين:
أ- من تقوم عليهم الساعة، ولا يعارض هذا حديث: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي … إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (^١)؛ لأن المراد به، أن الطائفة المنصورة تبقى إلى قرب قيام الساعة، ثم بعد ذلك يقبضهم الله، ويبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.
ب- الذين يتخذون القبور مساجد.
المسألة الثالثة: النبيّ ﷺ لم يدفن في المقبرة، بل دفن في حجرته، يدل لذلك قولها ﵂: «وَلَوْلَا ذَلِك؛ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٢٣) من حديث جابر، وأخرجه البخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (١٩٢١) من حديث المغيرة نحوه.
[ ٢٣٢ ]
مَسْجِدًا».
وفي هذه الجملة بيانُ سببِ دفنِ النبيِّ ﷺ في حجرته، وعدم إبرازه للناس، وأنَّ ذلك لأمرين:
أ) أنَّه أصْوَنُ له من دفنه مع الناس، حيث لو وقع ذلك لغلا البعضُ في قبره.
ب) لإخباره ﷺ أنَّه ما قُبِضَ نبيٌ إلّا دُفِن حيث قُبِض.
وإذا كان النهيُ للمسجد الذي يصلى فيه لله، وعند قبر النبيّ ﷺ، فما بالك بمن يقيم حول القبور والأضرحة مساجد وقُببًا يصلي فيها، ويطوف عليها، ويدعو الميت مباشرة أن يشفع له أو يفرج عنه، والله المستعان.
فإن قيل: كيف يجاب عن وضع قبر النبيّ ﷺ في المسجد، وهذا كان منذ القدم ولم ينكره العلماء؟ أوليس هذا السكوتُ دليلًا على جواز جعل القبور في المساجد؟
* الجواب من أوجه:
١ - أنَّ القبر جُعِلَ في بيته ﷺ، ولعل ذلك لئلا يكون بارزًا للعوام، فيفتن به الجهال.
٢ - أنَّ المسجد كان موضوعًا قبل القبر، فلم يُبن المسجد على القبر.
٣ - أنَّ القبر لم يكن في المسجد، بل إنَّ الصحابة لما احتاجوا إلى توسعة المسجد في عهد عمر ﵁ تحاشوا إدخال حجرات النبيّ ﷺ، وأخذوا بيت العباس وهو بجوارها، وكذا عثمان ﵁ لم يدخل الحجرات في المسجد حين وسعه.
٤ - أنَّ إدخال حجرات أمهات المؤمنين في المسجد وقع في خلافة الوليد
[ ٢٣٣ ]
بن عبد الملك، وقيل: إنَّ ذلك بعد التسعين، ولم يكن بقي من الصحابة بالمدينة أحد، وآخر من مات بالمدينة جابر بن عبد الله في خلافة عبد الملك.
٥ - أنَّه قد أنكر على الوليد بعضُ كبار التابعين، ومن أشهرهم: سعيد بن المسيب أفضل التابعين، وقد أخطأ الوليد في ذلك، وفعل ذلك من غير مشاورة للعلماء.
٦ - أنَّ وضعَ القبرِ الآنَ في حجرة مستقلة منعزلة عن المسجد، ومع ذلك بُنِيَ على طريقةٍ لا يقدر فيها أحدٌ أن يستقبله، إذ بُنِيَ على ثلاثةِ جُدران، وفي هذا قال ابن القيم: ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمّه وثنًا من الأوثان
فأجاب ربُّ العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران (^١).
المسألة الرابعة: ورد في الباب ما يدل على النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وهو حديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اَلله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ اِتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
وقوله: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اَلله»: أي أمتنع من هذا وأُنْكِرُه، وأتخلى عن أن يكون لي منكم خليل.
والخليل: الذي يبلغ في الحبّ غايته؛ لأنَّ حُبَّهُ قد تخلّل الجسم كلّه، وهي أعلى درجات المحبة، كما عددها ابن القيم وغيره (^٢).
_________________
(١) القصيدة النونية، وشرحها لخليل هراس (٢/ ٢١٥).
(٢) انظر: روضة المحبين (ص: ٤٧).
[ ٢٣٤ ]
قال ابن القيم: «وأما ما يظنه بعض الغالطين من أنَّ المحبة أرفعُ وأكملُ من الخلة، وأن إبراهيمَ خليلُ الله، ومحمد حبيب الله، فمن جهلهم؛ فإن المحبة عامة، والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة» (^١).
* ويدل لذلك: أنَّ النبيّ ﷺ أخبر أنَّه لم يتخذ خليلًا، ومع ذلك أخبر بحبه عائشة ولأبيها ولعمر، والله يحب التوابين، أما الخلّة فهي خاصةٌ بالخليلين.
• وعلى هذا: فمحمد خليل الله، وحبيب الله، وكليم الله.
والحكمة من عدم اتخاذ النبيّ خليلًا له من الخلق: «لأن قلبه ﷺ قد امتلأ بما تخلله من محبة الله تعالى وتعظيمه، فلا يسع لِمُخالَّةِ غيرِه» (^٢).
والشاهد فيه قوله: «أَلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا اَلْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
وفي هذا الحديث المنع من اتخاذ القبور مساجد، من ثلاثة أوجه:
أ- ذمُّ ما فعله أهل الكتاب.
ب- قوله: «لَا تَتَّخِذُوا».
ج- «فإني أنهاكم عن ذلك» وهو توكيد.
وهذا النهى عن اتخاذ القبور مساجد يشمل:
أ. اتخاذها مصليات يصلى عندها، وإن لم يبن مسجدًا.
ب. أن يبني عليها مسجدًا كما فعل اليهود والنصارى، وكما وقع من
_________________
(١) الداء والدواء (ص: ٤٤٦).
(٢) المفهم، للقرطبي (٥/ ٦٠).
[ ٢٣٥ ]
البعض الآن (^١).
المسألة الخامسة: أهل العلم يقررون أنَّ النهي عن اتخاذ القبور مساجدَ أوسعُ مِنْ البناء عليها، بل جعل هذه البقعة موضعًا للعبادة يدخل في اتخاذها مسجدًا، يُفهَمُ هذا من كلام ابن تيمية الذي ذكره المصنف، ونصّه: «فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم أنَّه لعن -وهو في السياق- مِنْ فعله، والصلاةُ عندها من ذلك وإن لم يبن مسجدًا» (^٢)، وهو معنى قولها: «خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، فإنَّ الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبرِه مسجدًا، وكل موضعٍ قُصِدت الصلاةُ فيه فقد اتُخِذَ مسجدًا، بل كل موضعٍ يُصلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
ومضمون كلام شيخ الإسلام: أن كل موضعٍ قَصدت أن تصلي فيه وتسجد فيصح أن يسمى مسجدًا، بل كل موضع صلّيت فيه فهو في حقيقة الأمر مسجدٌ، قال العثيمين: «وهذا يشهد له العرف، فإنّ الناس الذين لهم مساجد في أعمالهم كالوزارات والإدارات، لو سألت أحدهم أين المسجد؟ لأشار إلى المكان الذي اتخذه مصلى مع أنَّه لم يبنَ فيه» (^٣).
ثم ساق ابن تيمية حديث: «جُعِلَتْ لِيَ اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا …» ليستدل به على أنَّ المكان الذي يصلى فيه يسمّى مسجدًا، سواء قصد أو لم يقصد، بني عليه أو لا.
_________________
(١) ذكر ابن القيم ﵀ أكثر من عشر مفاسد تترتب على البناء على القبور، بكلام نفيس، فليراجع. إغاثة اللهفان (١/ ١٩٧).
(٢) انظر: الاقتضاء (٢/ ١٨٩)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ٤٦٣).
(٣) القول المفيد (١/ ٤٠٣).
[ ٢٣٦ ]
المسألة السادسة: في حديث عائشة أنَّ أم سلمة ذكرت كنيسةً رأتها بأرض الحبشة، وقد اختلف العلماء في حكم دخول الكنائس.
* والخلاصة في دخول الكنيسة أن يقال:
١. أما دخولها للعبادة: فإن كان لعبادة الله فيجوز، وقد صلى الصحابة في كنيسة، قال البخاري: «كان ابن عباس يصلي في بيعة إلا بيعة فيها تماثيل» (^١) إلّا أنَّه يجب أن تخلو من المحاذير وهي الصور والقبور.
٢. وأما دخولها للدعوة: فهو جائز، بل مشروع.
٣. وأما دخولها لغير ما سبق: ففيه خلافٌ على أقوال ثلاثة:
القول الأول: التحريم، وهو قول الحنفية والشافعية، إلّا أنَّ الشافعية قيدوا التحريم بما إذا وجد فيها صور.
القول الثاني: الكراهة: وهو قولٌ في مذهب الحنابلة، وذكر ابن تيمية أنَّ الكراهة إذا كان فيها صورٌ؛ لِما رود عن عمر ﵁، أنَّه لما قدم الشام صنع له رجل من عظماء النصارى طعامًا، فقال: «إنا لا ندخل كنائسكم، من الصور التي فيها» (^٢).
القول الثالث: الجواز، وهو المشهور من مذهب الحنابلة: واختاره ابن حزم.
وقالوا: تقع حرمة الصور على من صورها، وقد نقل ابن قدامة: «أن عمر
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ٩٤).
(٢) علقه البخاري في الصحيح (١/ ٩٤) بصيغة الجزم، ووصله معمر بن راشد في جامعه (ص: ٣٩٨)، والبخاري في الأدب المفرد (١٢٤٨)، والبيهقي في الكبرى (١٤٥٦٤)، وفي الصغرى (٢٥٨٨).
[ ٢٣٧ ]
حين دعاه الرجل من النصارى للطعام في الكنيسة أبى أن يذهب، وقال لعلي ﵁ امضِ بالناس فليتغدوا، فذهب علي ﵁ بالناس، فدخل الكنسية وتغدوا هو والناس، وجعل ينظر إلى الصور، وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل فأكل» (^١).
والذي يظهر أن الأولى للإنسان أن لا يدخلها لما فيها من الصور التي تمنع من دخول الملائكة، ولقول عمر ﵁: «لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم، فإن السخطة تنزل عليهم» (^٢)، ولو قيل بالكراهة من غير حاجة فله وجه، والله أعلم.
* خلاصة الباب: تتبين بكلام الشيخ السعدي ﵀ حيث قال: ما ذكر المصنف في البابين يتضح بذكر تفصيل القول، فيما يفعل عند قبور الصالحين وغيرهم، وذلك أنَّه نوعان:
١ - مشروع. ٢ - ممنوع.
فالمشروع: ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي.
والممنوع نوعان:
أ- محرمٌ ووسيلة للشرك: كالتمسح بها والتوسل إلى الله بأهلها والصلاة عندها، وكإسراجها والبناء عليها والغلو فيها، وفى أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة.
ب- شركٌ أكبر: كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم، وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، وهو شرك أكبر وعين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم (^٣).
_________________
(١) المغني (٧/ ٢٨٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦٠٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٢٨١).
(٣) القول السديد (ص: ٨٣).
[ ٢٣٨ ]