الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف النشرة والمراد بها:
النشرة: في اللغة: بضم النون: مِنْ النَشر، قال في تاج العروس: هي رُقْيَةٌ يُعالَج بها المجنونُ والمريضُ، ومن كان يُظَنُّ أنّ به مَسًّا من الجنّ … سُمِّيت نُشرةً لأنَّه يُنَشر بها عنه ما خامَرَه من الدَّاء، أي: يُكشَف ويُزال (^٣).
وفي الاصطلاح: حلُّ السحرِ عن المسحور.
المسألة الثانية: النشرة أو حلُّ السحرِ عن المسحور قسمان:
١) جائزة: وهي حَلُّه بالرقية والدعاء، وقد رقى النبيّ ﷺ نفسه، ودعا حتى كشف عنه، وقد ورد في السنّة عدة أمور تعالج بها السحر، ومنها الدعاء والرقية والتصبّح بسبع تمرات، وكذا الحجامة لها أثر ظاهر، والإكثار من الطاعات كالقرآن والأذكار ونحوها نص عليها ابن القيم، وذكر ابن بطّال عن كتب وهب ابن منبه: «أن يأخذ سبع ورقاتٍ من سدرٍ أخضر، فيدقُّه بين
_________________
(١) إعلام الموقعين (٤/ ٣٠١).
(٢) فيه مسائل: الأولى: النهي عن النشرة. الثانية: الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه مما يزيل الإشكال.
(٣) تاج العروس (٢٢/ ٢١٧).
[ ٢٧٨ ]
حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ويغتسل به، فإنَّه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله تعالى» (^١).
٢) مختلف فيها: وهي حلّه بالسحر، وفيها قولان:
القول الأول: الجمهور: أنَّه لا يجوز، واستدلوا بأمور:
١. النصوص الدالة على تحريم السحر، والذهاب إلى السحرة، وهذا الأمر سيترتب عليه ذهاب إلى السحرة.
٢. حديث جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ سئل عن النشرة، فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»، وهذا الجواب هو على النوع المشهور من النشرة، وهو فكّ السحر بالسحر، ولا يحمل على الجائز؛ لأنَّ الأدلة دلت على جوازه والأمر به.
٣. ورد في الحديث: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا».
٤. وهو المروي عن ابن مسعود، والحسن وغيرهم.
٥. ما يترتب على الذهاب للسحرة من مفاسد، كتصديق الساحر، والاستجابة له في بعض ما يطلب، وعدم الإنكار عليه فيما يفعل، وقد قال شيخ الإسلام: «من حضر إلى مكان فيه منكر، لم يستطع تغييره، لم يجز له الحضور».
٦. أنَّ هذا فيه تنشيط للسحرة وترويج لهم.
القول الثاني: أنَّه يجوز للضرورة، روي ذلك عن بعض أهل العلم، وينسب إلى ابن المسيب، والإمام أحمد.
_________________
(١) شرح البخاري، لابن بطال (٩/ ٤٤٦).
[ ٢٧٩ ]
أما ابن المسيب، فهو ما نقل عنه المصنف هنا عن قتادة: قلت لابن المسيب: «رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنْشَرُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ، فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ».
وأما الإمام أحمد، فإنه سأله هنا عمن تأتيه مسحورة فيطلقه عنها، فقال: «لا بأس» (^١).
ولكن هذين ليسا بصريحين عن ابن المسيب ولا أحمد، وعلى هذا فيحمل كلام ابن المسيب على نوع من النشرة لا يُعلم أنَّه سحر، وهي الرقية أو النشرة الخالية من الشرك، وهذا هو الذي لا مفسدة فيه.
ولو صحّ عنه فهو مرجوح؛ لأنَّه خالفه غيره، بل هو خلاف النصوص.
وأما الإمام أحمد فلم ينصَّ على جوازه، بل إنَّه ورد في مسائل الأثرم عنه ما يدل على المنع منه، قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل يزعم أنَّه يحل السحر، قال: قد رخص فيه بعض الناس» قيل: أنَّه يجعل في الطنجير ماءً ويغيب فيه، فنفض يده، وقال: «لا أدري ما هذا»، قيل له: أترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال: «لا أدري ما هذا» (^٢).
وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المحرم، وبهذا تعلم أنَّ ما ذهب إليه بعض فقهاء الحنابلة من الجواز عند الضرورة ضعيف، والله أعلم.
* خلاصة الباب: أنَّ حلّ السحر عن المسحور منه ما هو محرم وهو ما يكون بالسحر، ومنه ما هو جائز، وهو ما يكون بالرقى ونحوها.
_________________
(١) الفروع وتصحيح الفروع (١٠/ ٢٠٩)، الإنصاف، للمرداوي (٢٧/ ١٩٣).
(٢) الكافي في فقه الإمام أحمد، لابن قدامة (٤/ ٦٦)، الشرح الكبير على المقنع (٢٧/ ١٩٠).
[ ٢٨٠ ]