الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: عقد المصنفُ هذا الباب للكلام على
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٥٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٣٤)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٦٩١).
(٢) أخرجه الطبري في التفسير (٣/ ٢٧)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٢٧٨)، والحاكم في المستدرك (٣٠٧٦)، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(٣) فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة. الثانية: تفسير آية براءة. الثالثة: وجوب محبته ﷺ على النفس والأهل والمال. الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام. الخامسة: أن للإيمان حلاوةً قد يجدها الإنسان، وقد لا يجدها. السادسة: أعمال القلب الأربعة التي لا تُنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحدٌ طعم الإيمان إلا بها. السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا. الثامنة: تفسير: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبًّا شديدًا. العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه. الحادية عشرة: أنَّ من اتخذ ندًّا تساوي محبته محبة الله، فهو الشرك الأكبر.
[ ٣٠٢ ]
المحبّة، وهي من أعمال القلوب، والمحبّةُ اختلف في تعريفها على أقوالٍ، هي في الحقيقة آثارٌ للمحبّة، وأما المحبّةُ نفسها فعرّفها بعضهم بأنَّها: وصفٌ قائمٌ بالقلبِ يؤدي إلى السرور وغيره من المقتضيات، كالطاعة والمؤانسة.
ولعل الأحسن أن يقال: إنَّ المحبة هي من المصطلحات التي لا تُعَرَّفُ بتعريف أوضح منها، فتركُها بلا تعريف أحسن، كالماءِ، والبغضِ ونحو ذلك، فهي شعورٌ قلبيٌ لا توجد عبارةٌ جامعةٌ مانعةٌ تعبّر عنه.
المسألة الثانية: مناسبة الباب للتوحيد: أنَّ المحبّة عبادة، وإذا كانت كذلك وجب صرفُها لله، وكان صرفُها لغير الله شركًا كما فعل المشركون الذين أشار إليهم في الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾
المسألة الثالثة: المحبّة أنواع، فهناك المحبّةُ الطبيعية، ومحبّةُ الزوج لزوجته ونحو ذلك، ولكن المراد بهذا الباب: المحبّة الخاصة، وهي محبّةُ العبادة التي تستلزم الذلّ والتعظيم والخضوع والتعظيم لله محبّة وذلًّا وإجلالًا، وتقتضي فعل أوامره وطاعته وإيثاره على غيره، فهذه المحبّة لا يجوز صرفها وتعلّقها بغير الله.
* ويدل على هذا ما يلي:
١) قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ فذمّ المشركين؛ لأنَّهم اتخذوا أناسًا يحبونهم كحب الله.
ومعنى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: أنَّهم يساوونهم بالله في المحبّة والتعظيم، فيجعلون معبوداتهم شركاء لله في المحبّة، فتكون محبّة مشتركة (^١).
_________________
(١) انظر: قاعدة في المحبة (ص: ٦٩).
[ ٣٠٣ ]
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: الأرجح في معناها أنَّ الذين آمنوا أشدّ حبًّا لله من محبّةِ المشركين بالأنداد لله، فإنّ محبّةَ المؤمنين خالصة، ومحبّةَ هؤلاء مشتركة، فقد ذهب حُبّهم لأندادهم بقسطٍ منها.
٢) قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة، الآية (٢٤)]، فبيّن أنَّه يجب أن تكون محبّة العبد لربه مقدمة على كل شيء، فالمحبةُ الصادقة تستلزم تقديم ما يرضي الله على هذه الثمانية كلها.
٣) حديث أنس ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» والمراد: نفي كمال الإيمان عمّن قدّم محبّة غير الرسول ﷺ عليه، وإذا كان هذا في محبّة رسول الله -وهي تابعةٌ لمحبّة الله، لا يكمل إيمان عبدٍ حتى يحققها- فمحبّة الله أعظم وأجلّ.
٤) قوله: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ …» فحلاوةُ الإيمانِ المتضمنة لِلّذّة والفرح تكون بتحقيق المحبّة لله، وذلك بثلاثة أمور:
أ- تكميل هذه المحبّة. ب- تفريغها. ج- دفع ضدّها.
فتكميلها: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، فإنّ محبّة الله ورسوله لا يُكتفى فيها بأصلِ الحبّ، بل لا بدّ أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما.
وتفريغها: أن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله.
ودفع ضدّها: أن يكره ضدّ الإيمان كما يكره أن يقذف في النار.
إذا تقرّر هذا فاعلم أنَّ محبّة غير الله محبّةً توازي محبّة الله شركٌ أكبر،
[ ٣٠٤ ]
لأنّه صرف العبادة لغير الله (^١).
المسألة الرابعة: أنَّ من أحبّ الله، ولم يقدّم عليه غيره، فإنَّه ورد في النصوص في هذا الباب له فضائل:
١) أنَّه يحقق الإيمان بهذا؛ ولذا قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى …»
_________________
(١) قال ابن القيم: «وأمّا الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلّا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندًّا، يحبّه كما يحبّ الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين بربّ العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]. مع إقرارهم بأنّ الله وحده خالق كل شيء، وربّه ومليكه، وأنَّ آلهتهم لا تخلق ولا ترزق، ولا تحيي ولا تميت، وإنّما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم، بل كلهم يحبون معبوداتهم ويعظّمونها ويوالونها من دون الله، وكثيرٌ منهم -بل أكثرهم- يحبّون آلهتهم أعظم من محبّة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم -من المشايخ- أعظم مما يغضبون إذا انتَقص أحدٌ ربَ العالمين، وإذا انتهكت حرمةٌ من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث إذا حرد، وإذا انتهكت حُرمات الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئًا رضوا عنه، ولم تتنكر له قلوبهم، وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنًا له إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن مرض وإن استوحش، فذكر إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنّه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده، ووسيلته إليه. وهكذا كان عبّاد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرهم اتخذوها من البشر». مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٣٤٨)
[ ٣٠٥ ]
٢) أنَّه ينال لذّة الإيمان؛ ولذا قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا …»، وقال ابن عباس: «وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ -وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ- حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ».
٣) أنَّه بهذا يكون من أولياء الله، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ولذا قال ابن عباس: «مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ، وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ، وَوَالَى فِي اللَّهِ، وَعَادَى فِي اللَّهِ، فَإِنَّمَا تُنَالُ وِلَايَةُ اللَّهِ بِذَلِكَ».
المسألة الخامسة: أنَّ كثيرًا من مؤاخاة الناس قد دخلها الخلل، ولم تصر لله حقًا، ولذا قال ابن عباس في زمنه: «وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا» ففتش عن نفسك، وعن محبتك، هل هي لله أو لغيره، قال يحيى بن معاذ: «الحب في الله لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء» (^١)، وهذا ضابطٌ نافعٌ لمعرفة الحب هل هو لله أو لغيره.
واعلم أنَّه يجب أن يكون حبّ الإنسان لإخوانه لله تعالى، وهو حينها مأجور على حبّه، أما من أحب لأمر من أمور الدنيا فهي محبةٌ مذمومة، والدليل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف، الآية (٦٧)].
* خلاصة الباب: أنّ الحب المقتضي للتعظيم والذل والخضوع عبادة، فلا يجوز صرفه إلا لله تعالى.
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٦٢).
[ ٣٠٦ ]