الكلام على هذا الباب في عدة مسائل:
المسألة الأولى: أورد المصنف هذا الباب للكلام على عبادةٍ من العبادات
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٦٣).
(٢) فيه مسائل: الأولى: أن التوكل من الفرائض. الثانية: أنه من شروط الإيمان. الثالثة: تفسير آية الأنفال. الرابعة: تفسير الآية في آخرها. الخامسة: تفسير آية الطلاق. السادسة: عِظَمُ شأن هذه الكلمة، وأنها قول إبراهيم ومحمد ﷺ في الشدائد.
[ ٣١٤ ]
القلبية العظيمة، وهي التوكل.
والتوكل هو: صدق اعتماد القلب على الله، بجلب النفع ودفع الضرّ مع فعل الأسباب (^١)، فثمة أمران: فعلُ الأسباب، ثم التعلق بالله والاعتماد عليه.
والناس تجاه التوكل أصناف:
١ - قومٌ تعلقوا بالأسباب، ونسوا التوكل على الله ﷿.
٢ - قومٌ تعلقوا بالله، ولم يفعلوا الأسباب.
٣ - التوسط: بفعل الأسباب مع تعلق القلب بالله ﷿.
وصدق التوكل يكون: بأن يوقن العبد أن كل ما في الكون، فهو بتدبير الله، وحينها يفوض الأمر إليه وينزل به حاجته، ثم يفعل الأسباب التي جعلها الله أسبابا لهذا الأمر.
وفي هذا يقول ابن القيم مبينًا أن التوكل يكون مع فعل الأسباب: «منعُ الأسبابِ أن تكون أسبابًا قدحٌ في العقل والشرع، وإثباتُها والوقوفُ معها وقطعُ النظر عن سببها قدحٌ في التوحيد والتوكل والقيام به، وتنزيلها منازلها والنظر إلى مسببها وتعلق القيام به جمعٌ بين الأمر والتوحيد، وبين الشرع والقدر وهو الكمال» (^٢).
* وعلى هذا: فلابد في التوكل من أمرين: تعلق القلب بالله، وفعل السبب، وإذا تخلف أحدهما لم يصح التوكل، فمن توكل على ربه ولم يبذر أرضه
_________________
(١) انظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٩٧).
(٢) طريق الهجرتين (٤٦٦).
[ ٣١٥ ]
ولم يغرسها فهذا بطّال، ومن اعتمد على صنعه لنفسه فهذا مخذول، والموفق من فعل السبب ثم توكل، فبذر أرضه ثم توكل على ربه.
ولذلك يروى عن النبي ﷺ أنه قال لمن أتى إليه ومعه ناقته، وقال: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أم أطلقها وأتوكل؟ قال «اعقلها وتوكل» (^١).
ومرّ الشعبيُّ بإبلٍ قد فشا فيها الجرب، فقال لصاحبها: أما تداوي إبلك؟ فقال: إن لنا عجوزًا نتكل على دعائها، فقال: اجعل مع دعائها شيئًا من القطران -وهو دواءٌ للجرب- (^٢).
المسألة الثانية: اعلم أن التوكل على الله من أجل القربات، وآكد العبادات، وقد ورد الأمر به في نصوص عديدة، ومنها آيات ثلاث ساقها المصنف وهي:
١) قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن القيم: «جعلَ التوكلَ شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل» (^٣).
٢) قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فذكر في الآية أعظم صفات المؤمنين، والتي يدور عليها غيرها، وهي هذه الخمس، ومن أعظمها توكلهم على الله.
٣) قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ووجه الدلالة منها: أنَّه إذا كان الله هو
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٥١٧) من حديث أنس بن مالك، وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٣١) من حديث عمرو بن أمية الضمري، وإسناده لا بأس به.
(٢) محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء للراغب الأصفهاني (١/ ٣٧).
(٣) طريق الهجرتين (ص: ٣٨٦)
[ ٣١٦ ]
حسبك، أي: كافيك وناصرك، فيتعين عليك أن تتوكل عليه، لا على غيره.
المسألة الثالثة: ورد في النصوص فضائل تُنال بالتوكل على الله، ومنها:
١. أنَّه يدخل في زمرة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب، فقد ذكر الله صفاتهم، وهي ثلاثٌ ترجع إلى التوكل، ونص عليه في الصفة الرابعة.
٢. أن من توكّل على الله كان الله حسبه وكافيه، قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق، الآية (٣)]، وما ظنك بمن يكون الله حسبه!
٣. أن التوكل على الله منجاة، فالله أنجى إبراهيم; بتوكله على ربه، حين أرادوا إلقاءه في النار، ونجى موسى; حين قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ونجى محمدًا ﷺ حين قال لأبي بكر: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
٤. أن في التوكل قوة القلب، وفي الاعتماد على الناس ضعف القلب، وقد ورد عن عمر بن عبد العزيز ﵀: «من أحب أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله» (^١).
المسألة الرابعة: التوكل على غير الله قسمان:
١ - شركٌ أكبر: بأن يتوكل على أحدٍ من الخلق، فيما لا يقدر عليه إلا الله.
٢ - شركٌ أصغر: بالتوكل على المخلوق، فيما يقدر عليه، وهو ما يسمى بالاعتماد على الأسباب، وله أمثلة كثيرة، ومنها:
أ. الاعتماد على السلاطين في الرزق وغيره.
_________________
(١) الزهد، لأحمد بن حنبل (١/ ٤٩٧).
[ ٣١٧ ]
ب. الاعتماد على المذاكرة في التفوق والنجاح.
ج. الاعتماد على الطبيب في حصول الشفاء.
فهذا النوعُ منهيٌ عنه، والواجبُ التعلّق والاعتماد على الله لا على الاسباب، والتوكل عبادةٌ لا دخل للمخلوق فيها.
المسألة الخامسة: ثمة عبارات متعلقة بالتوكل تحسنُ الإشارة إليها، ومنها:
* قول: (توكلت عليك): يحرم قولها؛ لأن التوكل عبادة قلبية لا تكون إلا لله تعالى.
* قول: (توكلت على الله وعليك)، لا تجوز، لما سبق.
* قول: (توكلت على الله ثم عليك)، اختلف فيها على قولين:
١ - من أجازها، باعتبار أن التوكل على الله هو تفويض الأمر إليه والاعتماد عليه، والتوكل على العبد بعد التوكل على الله ﷿ تفويض العبد فيما يقدر عليه، فالمراد: توكلت على لله ثم وكلتك بهذا الأمر، أو اعتمدت عليك في إنجازه، ويشترطون هنا أن يكون فيما يقدر عليه المخلوق، وممن نقل عنه هذا القول: ابن باز، وبه أفتت اللجنة الدائمة.
٢. من منع من ذلك؛ لأن التوكل عبادةٌ قلبية، فلا يصلح إلا لله، ولا يجوز هذا القول، وممن قال بهذا: محمد بن إبراهيم (^١)، ويفهم هذا من كلام ابن تيمية حيث قال: «والوكالة الجائزة أن يوكل الإنسان في فعل يقدر عليه … إلى أن قال: فليس له أن يتوكل عليه وإن وكله، بل يعتمد على
_________________
(١) حاشية: فتاوى ابن إبراهيم (١/ ١٧٠).
[ ٣١٨ ]
الله في تيسير ما وكله فيه» (^١).
ولعل الأقرب المنع من هذا؛ لأن التوكل هو الاعتماد والتعلق والالتفات، وذلك لا يكون إلا بالله وحده (^٢).
* قول: (وكلتك في كذا) لا بأس بها، وهذا من باب الوكالة لا من باب التوكل.
المسألة السادسة: أورد المصنف في الباب أثر ابن عباس ﵄: «حسبنا الله ونعم الوكيل» وهو مما له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يؤخذ بالرأي.
والمراد: أن الذي ينبغي للإنسان عند الملمات والشدائد أن يقول بلسانه وبقلبه: «حسبنا الله ونعم الوكيل» فهذه الكلمة فيها تفويض الأمر لله، والتجاء واعتصام به سبحانه، وهي كلمة نفع الله بها من قالها، وهما: إبراهيم ﵈ إذ قالها حين ألقي في النار، ومحمد ﵈ حيث تحزبت عليه الأحزاب.
*خلاصة الباب: أن المسلم يتقرب إلى الله بالتوكل، وأنَّه يكون باللجأ إليه في جلب النفع ودفع الضر مع فعل السبب، وأن من توكل على غيره سبحانه، فقد أشرك.
_________________
(١) جامع الرسائل، لابن تيمية (١/ ٨٩).
(٢) انظر: التعليق على فتح المجيد، للعبد اللطيف (ص: ٣٧).
[ ٣١٩ ]