عقد المصنّف هذا الباب فيما يتعلق بالرياء، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب: لمّا كان العمل والعبادة إنّما يقصد بها وجه الله، كان من التفت قلبُه لغيره، وقَصد بالعبادة وجه غيره، واقعًا في الشرك، وهو ما يسمى بالرياء، ولذا نبه المصنّف على هذا في كتاب التوحيد.
المسألة الثانية: تعريف الرياء وحكمه وبواعثه:
الرياء: مصدر راءى يرائي، أي: عمل عملًا ليراه الناس، فهو فعل الخير لإرادة الغير، قال ابن حجر: «الرياء إظهار العبادة؛ لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها» (^١).
والفرق بين الرياء وبين السمعة: أنَّ الرياء لأجل رؤية الناس، والسمعة هي العمل لإسماع الناس.
والرياء من أخطر أدواء القلوب، وباعثه في النفس ثلاثة أشياء، ذكرها ابن قدامة، وذكرها الحارث المحاسبي حين قال: «فالذي يبعث على الرياء وقبول خطرات العدو هذه الثلاث خِلال: حبُّ المحمدة، وخوفُ المذمّة والضعة، والطمعُ للدنيا، ولما في أيدي الناس جميعًا، ويجمع ذلك كلّه: حبُّ المحمدة وخوفُ المذمة؛ لأنَّ العبد قد يعلم أنَّه لا ينال ما عند الناس بطاعة ربّه إلّا أن يحمدوه عليها فتبذل له أموالهم، وأنَّه إنما جزع من الذم
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٣٣٦).
[ ٣٣٤ ]
للمحمدة كراهية أن يزول عنه حمدهم، فتؤول هذه الخلال الثلاث إلى حبّ المحمدة، إلّا أنَّها تشعبت وتفرقت على أقدارِ الناس وقدرِ مراتبهم» (^١).
وأما حكمه: فهو شركٌ، ثم قد يكون شركًا أكبر إذا كان القصدُ لغير الله خالصًا، وليس في قلبه إرادة الله أبدًا، ويكون أصغر إذا قصد الله وغير الله.
وقد ورد النهي عنه في نصوصٍ أشار لها المؤلف، وهي:
(١) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، فذكر الله أنَّ قبول العمل يكون بأن لا يشرك به أحدًا، وهذا ميزان الأعمال الباطنة، ويكون صالحًا، وهذا ميزان الأعمال الظاهرة.
(٢) قوله ﷺ: «قَالَ تَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
وفيه أنَّ الله يردّ عمل من أشرك في القصد معه غيره، وقد ورد في الحديث: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشركُ الأَصْغَرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشركُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إلى الَّذِينَ كُنْتُم تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟» (^٢).
_________________
(١) الرعاية لحقوق الله، للحارث المحاسبي (١٦٨).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٨١)، وابن خزيمة (٩٣٧)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٥٣)، والبيهقي في الشعب (٦٤١٢)، قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٢): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٥٥٥).
[ ٣٣٥ ]
(٣) «أَلَا أُخْبِرُكُمْ مَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ».
وسمّاه خفيًا؛ لأنَّه عملُ قلبٍ لا يعلمه إلّا الله، ولأنّ صاحبه يُظهِرُ أنّ عملَه لله، وقد قَصد به غيره، أو أشركه فيه بتزيين صلاته لأجله.
(٤) حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» (^١)، ولفظ الترمذي: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٢).
فلأجل رياءهم أحبط الله أعمالهم مع أنَّها أشدَّ الأعمال: الجهاد والإنفاق والعلم.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩٠٥).
(٢) سنن الترمذي (٢٣٨٢)، وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
[ ٣٣٦ ]
المسألة الثالثة: ذكر بعض أهل العلم أن للرياء أنواعًا:
١) الرياءُ البدني: وهو أنَّ يُظهِرُ المرائي النُّحُولَ والصفار على جسمه؛ ليوهم الناس شدّة اجتهاده في العبادة، وخوفَه من الله والدار الآخرة.
٢) الرياءُ من جهة اللباس والزي: وهو أنَّ يلبس على خلاف ما يلبسه الناس من الثياب، التي يزعم أنَّه لا يلبسها إلّا العلماء وأهل الله وخاصته؛ لأجل أن يقال: إنَّه عالمٌ أو عابدٌ أو زاهدٌ.
٣) الرياء بالقول: وهو الرياء بالنطق والكلام، كإظهار أنَّه حافظٌ للحديث، وإظهارِ الذكر لله ﷿ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمام جمع من الناس، ومنه رياء أهل الوعظ والإرشاد الذين يُظهِرون للناس أنَّهم يحفظون الأخبار والآثار؛ لأجل مجاراة العلماء وإظهار غزارة العلم، ومنه خفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن؛ ليظهر للناس الحزن والخوف ونحو ذلك.
٤ - الرياء بالعمل: ومنه المراءاةُ بطول الصلاة والقيام والركوع والسجود وإظهار الخشوع، والمراءاة بكثرة الصدقة والحج وغيرها من الأعمال التي يراها الناس ويحمدونه عليها.
٥ - الرياء بكثرة الأصحاب والزوار: وهذا كالذي يتكلّف بدعوة العلماء والعبّاد؛ ليراه الناس ويقولوا: إنّ أهل العلم والدِّين يتردّدون عليه ويزورونه، فيحمدونه لأجل ذلك.
كلّ هذه الأنواع يقع فيها الرياء، ولذلك يجب على المسلم البعد عن الرياء والحذر منه، والحرص على إخلاص العمل لله ﷿؛ لتكون أعماله مقبولة عند الله.
[ ٣٣٧ ]
المسألة الرابعة: للعمل مع الرياء أحوال أشار إليها ابن رجب بما خلاصته:
١ - عملُ المرائي الذي دخله الرياء من أساسه، بحيث أنَّه لم يعمل العملَ إلّا من أجل الناس، وهو ما يسمى بالرياء المحض، فهذا العملُ باطلٌ مردودٌ على صاحبه، وهو كحال المنافقين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء، الآية (١٤٣)]، وهذا لا يكاد يصدر من مسلم.
٢ - أن يكون العملُ لله ويشاركه الرياء:
أ. فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، قال ابن القيم عن هذا النوع: «أن يبتدئها -أي: العبادة- مُريدًا بها الله والناس، فيريد أداء فرضه، والجزاءَ والشكورَ من الناس، وهذا كمن يصلي بالأُجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلّى، ولكن يُصلي لله وللأجرة، وكمن يحجّ ليُسقِط الفرضَ عنه، ويقال: فلان حجّ، أو يعطي الزكاة كذلك، فهذا لا يُقبل منه العمل» (^١).
ب- إن كان أصلُه لله ثم طرأ عليه نيّة الرياء، قال ابن رجب: «فإن كان خاطرًا، ثم دفعه فلا يضره، بغير خلاف» (^٢).
وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟
* في ذلك خلافٌ بين العلماء، فمنهم من يرى أن العمل إذا كان أوله مرتبطًا بآخره بطل، وإن كان غير متصل أُجِرَ على أوله.
ومنهم من يرى أنَّه يثاب، وأنَّه يجازى بنيته الأولى.
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ١٢٥).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٣).
[ ٣٣٨ ]
وقال ابن القيم: «فهذا المعمول فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله، فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة، وفسخها، أعني: قطع ترك استصحاب حكمها» (^١).
* فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضله ورحمته واستبشر بذلك، لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى حديث أبي ذر عن النبيّ ﷺ قال: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (^٢).
المسألة الخامسة: يجب على الإنسان أن يسعى لجعل أعماله لله، وينقّي قلبه من الرياء والسمعة، ومما يعين على ذلك عدة أمور:
١. أن يدافع بواعث الرياء، وهي ثلاثة -سبق ذكرها- حب المحمدة-، والفرار من ألم الذم والنقد، والطمع فيما بأيدي الناس.
فجاهد نفسك على مدافعة هذه الأشياء من القلب، باستشعار أنَّ مدح الناس وذمهم لا يغير من منزلتك عند الله شيئًا، وإنَّما ترتفع عند الله أو تنزل بإخلاصك أو رياءك، وبأن تستشعر أنَّ الخلق إلى زوال قريب ماضون، فكم كان في الأرض من أقوام أرادوا بأعمالهم مدح الناس وثنائهم، فأثنى الناس عليهم، والآن قد مضى المادح والممدوح، ولا يبقى للعبد في قبره إلّا ما أخلص لله من عمله!
وبأن يستشعر أنَّ ما في أيدي الناس هو من الله، فهو الرازق لا سواه،
_________________
(١) إعلام الموقعين (٢/ ١٢٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٤٢).
[ ٣٣٩ ]
فعلّق القلب بالله ولا تذلّ لأحد سواه.
٢. أن يُعَوِّدَ نفسه إخفاء العبادات، كما يخفي السيئات، بأن يغلق الأبواب، ويجاهد على عدم إظهارها للناس، كي يعوّد نفسه الإخلاص، ويروّضها أن لا تطلب المدح من المخلوق (^١).
٣. أن يتذكر أنَّ طلب المحمدة والرياء، قد يبطل العمل فيصير من أخسر الناس عملًا، فلا هو كسب بطاعته الثواب، ولا هو ارتاح من عناء الطاعة.
المسألة السادسة: قد يتعبد الإنسان لله بعبادة أكثر مما يفعله في العادة حين يكون مع الناس، وذلك وقع منه لا لأجل طلب المدح، وإنما لأنَّه نشط للخير مع الجماعة.
• مثاله: رجلٌ له عادة أن يوتر بثلاث ركعات، وحين كان مع أصحابه ورأى نشاطهم زاد من عبادته، أو أنَّه صام معهم حين صاموا، فهل هذا من الرياء؟
* العبرة بما في القلب، فإن كان قصده طلب المدح فذلك رياء، وإن كان قد نشط حين رآهم وليس لأجل حبّ المدح فهو جائز، وذلك لأنَّ الإنسان قد يغلبه الشيطان على نفسه، فإن كان مع الجماعة نشط.
قال ابن قدامة: «ففي مثل هذه الأحوال ينتدب الشيطان للصدّ عن الطاعة، ويقول: إذا عملت على غير عادتك كنت مرائيًا، فلا ينبغي أن يلتفت إليه، وإنما ينبغي أن ينظر إلى قصده الباطن، ولا يلتفت إلى وسواس الشيطان.
ويختبر أمره بأن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه، فإن رأى نفسه تسخو بالتعبد فهو لله، وإن لم تسخ كان سخاؤها عندهم رياءً، وقس على
_________________
(١) انظر: مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة (ص ٢٤١).
[ ٣٤٠ ]
هذا» (^١).
* خلاصة الباب: أنَّ العبادة لله، فلا يجوز أن يقصد بها العبد غير وجهه سبحانه، ولا أن يطلب من وراءها مدح الناس وثنائهم، وأن يحذر المسلم من الرياء فهو من أخطر الأدواء على العمل الصالح.
_________________
(١) مختصر منهاج القاصدين (٢٤٥).
[ ٣٤١ ]