الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مرادُ المؤلف بهذا الباب: بيان حكم من جحد شيئًا من الأسماء والصفات، إمّا بتكذيبٍ أو تأويلٍ، وما جزاؤه.
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ التوحيد من أنواعه: توحيد الأسماء والصفات، فلا يَتِمُّ توحيدُ العبدِ حتى يؤمن بتوحيد الأسماء والصفات، فمن جحدها أو شيئًا منها، فإنَّه لم يكمل توحيده.
المسألة الثانية: توحيد الأسماء والصفات عند أهل السنة يكون بأن يُثبِتَ المرءُ لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فمذهبُ أهل السنة بريء من التعطيل والتكييف والتمثيل والتحريف.
المسألة الثالثة: استدل المصنف للباب بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد، الآية (٣٠)] وقد اختلف في سبب نزولها، فنقل عن ابن عباس: «أنَّها نزلت لما قال النبيّ ﷺ لكفار قريش: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن؟ فنزلت» (^١).
وقيل: إنَّها نزلت لما أراد المشركون كتابة الصلح يوم الحديبية، كتب عليّ ﵁: «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف
_________________
(١) أخرجه الواحدي في أسباب النزول (٥٤٩)، من طريق الضحاك عن ابن عباس، وهو منقطع.
[ ٣٦٨ ]
الرحمن (^١).
* والشاهد في الآية: أنَّ الله سمى إنكارهم لاسم الرحمن كفرًا، ومَن كفر باسمٍ من أسماء الله أو جحده فقد كفر بالله.
المسألة الرابعة: ورد في الباب أثر علي ﵁ في البخاري: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟» وهذا قاله حين كثر القُصّاصُ في خلافته وصاروا يذكرون أحاديث ليست من الأحاديث المعروفة، ولهذا كثر الوضع بهذا السبب.
ويدخل فيما لا يعرفه الناس نوعان من الكلام:
١. ما يُستنكر من جهة عدم ثبوته.
٢. ما لا تستوعبه عقولهم؛ لئلا يُفتنوا، وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» (^٢)، وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فمنها ما يسيء بعض الناس فهمه، كما نُقِل عن الحسن البصري أنَّه أنكر تحديث أنس ﵁ للحَجّاج بقصة العرنيين؛ لأنَّه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وكما يحصل من البعض أنَّه يحدِّثُ بأحاديث عند ناسٍ، فتكون سببًا لأن يتركوا طاعةً أو يقويهم على بدعة، ولذا كان بعضُ السلفِ لا يحدِّثُ في ديار الخوارج بمثل حديث: «وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ» (^٣) ونحوه، ولذلك يقول بعض أهل العلم:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣١)، وليس فيه ذكر سبب النزول.
(٢) أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح (ص: ١١).
(٣) أخرجه الشافعي في مسنده (٣٢٢)، ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٦)، والحديث أصله في الصحيحين.
[ ٣٦٩ ]
إنَّه لا ينبغي أن تحدث العصاة بنصوص الرجاء، ونحو ذلك، قال ابن حجر: «وضابط ذلك: أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب» (^١).
• إذا تقرر هذا: فنصوص الصفات نُقل عن مالك أنَّها من هذا الباب، أي: لا ينبغي أن يُحَدَّثَ بها العامةُ؛ لأنَّها لا تستوعبها عقولهم، فقد يفهمون منها التشبيه.
وأجاب صاحب التيسير عن هذا بما معناه: «ما أظنّ ذلك يثبت عن مالك، والقرآنُ مملوءٌ من آيات الصفات فماذا يقال؟ بل يقال: إنَّ أحاديث وآيات الصفات مازالت تُقرأ على العوام، بل من شرط الإيمان بالله الإيمان بالأسماء والصفات» (^٢).
• وعلى هذا: فيحمل كلام مالك ﵀ على بعض نصوص الصفات مما قد يلتبس فهمها على العوام، أو ما يتعلق بدقائق البحث في مسائل الأسماء والصفات مما لا يتصوره العوام، وقد ورد أن مالكًا ﵀ قال ذلك عندما حدّث بحديث الصورة «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (^٣).
وقد ذكر المصنف عن ابن عباس: «أنَّه رأى رجلًا انتفض لما سمع حديثًا عن النبيّ ﷺ في الصفات -استنكارًا لذلك- فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه».
وقد قال الذهبي: حدّث وكيعٌ عن إسرائيل بحديث: «إذا جلس الربُّ على
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٢٢٥).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص: ٥٠٠).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة.
[ ٣٧٠ ]
الكرسي، فاقشعرّ رجلٌ عند وكيع، فغضب وكيع، وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها» (^١).
المسألة الخامسة: أورد المصنف أثر ابن عباس: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا اِنْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصِّفَاتِ اِسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ؟!».
وفيه أن هذا الرجل انتفض جسمه إنكارًا حين سمع أحاديث في الصفات، فأنكر ابن عباس صنيعه، وقال: «مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟! يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ؟!».
وها هنا يرِدُ على كلام ابن عباسٍ سؤال وهو: هل نصوص الصفات من المتشابه؟ وإذا قلنا: إنَّها من المتشابه، فمعلوم أنَّ منهم من قال: المتشابه لا يعلمه إلا الله؟!
* نصوص الصفات من المحكم -وإن قال السيوطي: إنَّها من المتشابه (^٢) - وأما أثر ابن عباس فيقال فيه: التشابه أمرٌ نسبي، فقد يكون متشابهًا عند قوم، وبيِّنًا جليًا عند آخرين، وبعض الناس يقصر فهمه عن إدراك المعنى، أو يفهمه على معنى خطأ فيما يتعلق بالصفات، فهو من المتشابه في حقّه، فيكون التشابه من حيث فهم بعض الناس وقصوره، أما من حيث المعنى فليست نصوص الصفات من المتشابه.
* خلاصة الباب: وجوب الإيمان بأسماء الله وصفاته، على وفق مذهب السلف الصالح، وعدم جحد شيء منها.
_________________
(١) العرش للذهبي (٢/ ١٥٥)، (٢/ ٢٥٣).
(٢) الإتقان في علوم القرآن (٣/ ١٤).
[ ٣٧١ ]