الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة هذا الباب لما قبله:
لما بيّن المؤلف ﵀ التوحيد وفضله وتحقيقه وذكر ضدّه، وهو الشرك ووجوب الخوف منه، نبّه بهذه الترجمة على أنَّه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه، ويكتفي بها عن تصحيح اعتقاد غيره، بل يجبُ عليه أن يعمل بما علم، ويدعو إلى ما علم، والله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت، الآية (٣٣)]. قال الحسن لما تلا الآية: «هذا حبيبُ الله، هذا وليُّ الله، هذا صفوةُ الله، هذا خِيرةُ الله، هذا أحبُّ أهلِ الأرض إلى الله- أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته» (^١).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢٧١٠)، وابن المبارك في الزهد (١٤٤٦).
[ ٧٦ ]
فلذلك ينبغي على المسلم أن يدعو الناس إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وهو أعظم أمرٍ يُدعى إليه، وهو الذي أرسلت الرسل لأجله، فيبدأ به في دعوته قبل كل شيء كما فعل النبيّ ﷺ.
المسألة الثانية: ساق المصنف في الباب آية فيها الأمر بالدعاء إلى التوحيد، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف، الآية (١٠٨)].
ومعنى الآية: أنَّ الله يقول لنبيه محمد ﷺ قل -يا محمد-: هذه الدعوة والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، هذه طريقتي وسبيلي ودعوتي، أدعو إلى الله على بصيرةٍ وعلمٍ ويقينٍ ومعرفةٍ أُمَيِّزُ بها بين الحقّ والباطل.
ويتولّى هذا العمل والدعوة أنا ومن اتبعني وصدقني وآمن بي.
* ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: أنزّه الله وأجلّه وأعظمه من أن يكون له شريك تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
* ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أنا بريء من أهل الشرك، لست منهم وليسوا مني.
ومناسبة الآية للباب: من جهة أنَّه بين فيها طريقة النبيّ ﷺ وهو أنَّه يدعو إلى توحيد الله بالعبادة، وأنَّ أتباعه يسلكون طريقته في هذا الأمر، وأنَّ من لم يدع إلى الله وهو يستطيع الدعوة فإنَّه لم يحقق اتباعه للرسول، بل اتباعه فيه نقص عظيم (^١).
_________________
(١) وأفادت الآيةُ أمورًا، منها:
(٢) بيان طريقة النبيّ ﷺ وطريقة أتباعه وهي الدعوة إلى الله.
(٣) التنبيه إلى أمر الإخلاص إلى الله، فلا يدعو المرء لنفسه ولا لحبّ الثناء بل مخلصًا لله.
(٤) أن يكون الداعي إلى الله على بصيرة وعلم، أما الداعي على غير بصيرة فقد ترد عليه شبهة فلا يقدر على ردها.
(٥) أنَّ الذي يدعو إلى الله لابدّ أن يبرأ من كل المشركين. انظر: إعانة المستفيد للفوزان (١/ ١٠٤).
[ ٧٧ ]
المسألة الثالثة: ساق المصنّف في الباب حديث ابن عباس ﵄ في بعث النبيّ ﷺ معاذًا ﵁ داعيًا إلى الله في السنة العاشرة إلى اليمن، ولما أراد أن يذهب أوصاه النبيّ ﷺ بهذه الوصية العظيمة، التي بيّن فيها منهجه الذي يسلكه في الدعوة، وكان مما قال له فيها قوله ﷺ:
* «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»: ويعني بهم اليهود والنصارى، وكانوا متكاثرين في اليمن، وهم أهل كتاب وعندهم علمٌ، بخلاف سائر العرب في عهد النبي ﷺ، فنبهه بذلك ليستعدّ ويتهيأ لمناظرتهم ويأخذ أهبته لذلك.
* «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَة أَنْ لا إله إلّا الله»: وفي رواية: «إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ» (^١)؛ لأنَّه أعظم أمرٍ دَعت إليه الرسل وخَلقَ اللهُ لأجلِه الخلق.
وفيه: التدرجُ في الدعوةِ، والبداءةُ بالأهمِ فالأهمِ، وهكذا كانت دعوة النبيّ ﷺ، إذ بدأ بالدعوة إلى التوحيد.
* وعلى هذا: فمن الخطأ أن ينشغل الداعية بمعالجة بعض المعاصي، ويدع الدعوة لتصحيح التوحيد، ونبذ الشرك.
* وفي الرواية الثانية «يُوَحِّدُوا اللَّهَ» فائدة عظيمة: وهي بيانُ خطأِ وضلالِ مَنْ
_________________
(١) البخاري (٧٣٧٢).
[ ٧٨ ]
اعتقد أن (لا إله إلّا الله) يكفي فيها النطق باللسان ولو خالفتها الجوارح، أو أنَّ معنى (لا إله إلّا الله) أي: لا خالقَ ولا مدبر ولا مُصرّف إلّا الله، كما يقول كثير من الجهلة، فبيّن بهذه الرواية المختلفة لفظًا المتفقة معنى، أنَّ المراد بشهادة أن لا إله إلّا الله: توحيد الله وإفراده بالعبادة (^١).
* ثم قال له ﷺ: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ»: بأن شهدوا وانقادوا لك.
* «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ»: ثنّى بالأعمال بعد التوحيد؛ لأنَّها لا تصح بدونه، فالتوحيد شرط لصحة جميع الأعمال.
فإن قيل: لم ذكر النبيّ ﷺ الشهادتين والصلاة والزكاة، ولم يذكر الصوم والحجّ؟
* ذكر ابن تيمية: «أنَّ الرسول ﷺ اقتصر على الأركان العظيمة التي يقاتل من تركها، وهي هذه الثلاثة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة، الآية (٥)].
المسألة الرابعة: ذكر المصنّفُ في البابِ حديثَ سهل بن سعد ﵁ في خبر علي ﵁ يوم خيبر، الذي فيه أعظمُ فضيلة لعلي ﵁ وهي أنَّه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله (^٢).
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد (٩٨).
(٢) وفي الحديث فوائد عديدة متعلقة بالدعوة، من أبرزها: ١. عِظمُ ثوابِ من هدى الله على يديه أحدًا من الضلالة، وأنَّ ما يناله خيرٌ من حُمر النعم، وهي الإبل الحمر، وهي أنفسُ أموال العرب، ويضربون بها المثل في نفاسة الشيء، قال النووي: «وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا، إنّما هو للتقريب إلى الأفهام، وإلّا فذرّة من الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها» (^١). ٢. أنَّ من واجبات الإمام والحاكم إرسال الدعاة إلى الله، كما فعل النبي ﷺ. ٣. أنَّ الدعوة للإسلام تكون قبل القتال، كما فعل النبيّ ﷺ.
[ ٧٩ ]
* خلاصة الباب: أنَّ الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك وتصحيح الاعتقاد هي من أوجب الواجبات، وهي مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، وورثة محمد ﷺ، وحاجة المجتمعات للداعية للتوحيد أعظم من حاجتهم للطعام والشراب، فليكن لك نصيب من ذلك يا طالب العلم.
_________________
(١) شرح مسلم (١٥/ ١٧٨).
[ ٨٠ ]