عقد المصنّف هذا الباب: (باب الرقى والتمائم) وذكر فيه: ما جاء عن الرسول ﷺ والصحابة من الأحاديث والآثار في حكم الرقى والتمائم، والمقصود في الباب: ذكر الرقى المحرمة والتمائم.
وإنما لم يقل: (مِنْ الشرك) كما في الباب السابق؛ لأنَّ في الرقى ما ليس شركًا، والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الرقى والتمائم.
الرقى: جمع رقية، وهي العَوذةُ أو العزيمةُ التي يُرقى بها صاحب الآفة.
وفي الشرع: آياتٌ ودعاءٌ وتوسلٌ لله، تُقرأ على المريض بقصد الشفاءِ وذهابِ العلّة من بدنه (^١).
والتمائم: جمع تميمةٍ، وتقدم أنَّها خرزاتٌ كانت العرب تُعَلِّقُها على أولادها يتقون بها العين، ويدخل فيها كل ما عُلِّق لدفع ضرٍّ أو رفعه، ولم يثبت أنَّه سبب شرعي ولا قدري، من أي شيء كان، من خشب أو معدن أو قماش
_________________
(١) أحكام الرقى والتمائم (ص ٣٠).
[ ١٠٥ ]
أو غيرها.
ولهذا صور منها:
١. أن يعلّق على يده أو على عنقه، أو على بيته، أو على سيارته آيات؛ باعتقاد أنَّها تدفع العين أو ترفع البلاء، وسيأتي الكلام على هذا في المسألة الخامسة.
٢. أن يضع تميمة مجردة عن الكتابة مع اعتقاد نفعها، أو دفعها.
٣. أن يضع تميمة فيها كتابات ليست من القرآن، كتوسلٍ بأحدٍ، أو طلاسمَ.
٤. أن يضع تميمة فيها دعاء لله أن يحفظ لابسها، ونحو ذلك.
ومناسبة الباب للتوحيد ولما قبله: أنَّه لما كانت التمائمُ شِركًا، ومِن الرقى ما هو شرك لما فيها من التعلق بغير الله في كشف الضرّ وجلب النفع، ناسب أن يذكر ذلك في كتاب التوحيد.
وهذا الباب مكمّل لما قبله، فقد ذكر فيه أنواعًا مكمّلة للباب السابق، لكنّه أفرد الرقى في هذا الباب؛ ليبيّن أنَّها ليست كلها شركًا كالذي تقدّم ذكره في الباب السابق.
المسألة الثانية: حكم الرقى.
أهلُ العلم يُقَرِّرون أنَّ الرُقى قسمان:
١ - رقى جائزة: وهي الرقية الشرعية التي بالقرآن والأدعية والأذكار الواردة في الشرع، والأدلة على هذه كثيرة، منها رقية النبيّ ﷺ لبعض أصحابه، وأمرُه أسماء بنت عميس أن ترقى أبناءها أبناء جعفر بن أبي طالب (^١)، وحديث: «لَا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢١٩٨) من حديث جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: «مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ» قَالَتْ: لَا، وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: «ارْقِيهِمْ» قَالَتْ: فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «ارْقِيهِمْ».
[ ١٠٦ ]
بَأْسَ بِالرُّقَى، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (^١).
وقد ذكر العلماء أنَّه يشترط لجواز الرقية الشرعية ثلاثة شروط:
١) أن تكون من القرآن أو الأذكار أو الأدعية الشرعية، أو بأسماء الله وصفاته.
٢) أن تكون باللسان العربي، وبما يُعرَف ويُفهم معناه.
٣) أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله (^٢).
وقد ذكر العلماء أن الرقية تكون من خلال أربع صور:
١/ النفث والتفل على المرقي: كما فعل النبي ﷺ مع من يرقيه، قالت عائشة «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي» (^٣).
٢/ الرقية بدون نفث ولا تفل: ودل لها حديث عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٠٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٩٥): وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط … وذكر الشروط الآنفة الذكر، ثم قال: واختلفوا في كونها شرطًا، والراجح: أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة.
(٣) أخرجه البخاري (٥٠١٦)، ومسلم (٢١٩٢) وهذا لفظه.
[ ١٠٧ ]
أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (^١).
٣/ خلط التراب بالريق: بأن ينفث على الإصبع بشيء من ريقه، ثم يوضع في التراب، ويمسح به المريض أثناء الرقية، ودل لها حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا «بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» (^٢).
٤/ الرُقية في الماء ثم شربه: وقد أجاز هذا كثير من أهل العلم، ونُقِل هذا عن الإمام أحمد، قال ابنه صالح: ربما اعتللت، فيأخذ أبي قدحًا فيه ماء، فيقرأ عليه، ويقول لي: اشرب منه، واغسل وجهك ويديك.
ونقل عبد الله، أنه رأى أباه يعوّذ في الماء، ويقرأ عليه، ويشربه، ويصب على نفسه منه (^٣).
٢ - رقى ممنوعة: وهي ما تخلف فيها شرطٌ أو أكثر من شروط الرقى الجائزة، وقد تكون شركًا، إن كان فيها شرك، وهى التي تسمّى العزائم ويدل لها حديث: «مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ»، وحديث: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»، وقد تكون حرامًا، بحسب ما تشتمل عليه من ألفاظ، وبحسب اعتقاد الراقي والمرقي فيها.
المسألة الثالثة: ذكر المصنف خمسة أحاديث، وآثار متعلّقة بالرقى والتمائم.
أولها: حديث أبي بشير الأنصاري ﵁: «أنَّه كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٧٥)، ومسلم (٢١٩١) وهذا لفظه.
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٤٥)، ومسلم (٢١٩٤) وهذا لفظه.
(٣) الآداب الشرعية والمنح المرعية، لابن مفلح (٢/ ٤٥٦).
[ ١٠٨ ]
بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَأَرْسَلَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ»، والحديث رواه الشيخان (^١)، عن أبي بشير الأنصاري ﵁، وقد اختلف في اسمه، قال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، كان مشهورًا بكنيته (^٢).
* وقوله: «فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ»: لم يرد تعيين هذا السفر، كما ذكر ابن حجر.
* وقوله: «فَأَرْسَلَ رَسُولًا»: هو زيد بن حارثة، كما ورد في رواية، وقد بعثه الرسول ﷺ لينادي بهذه الكلمات.
* وقوله: «أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ»: الشكّ من الراوي، هل نهى عن كل قلادة، أو عن التي من أوتار القوس؟
قال صاحب التيسير: «والأوَّل -يعني: النهي عن القلادة من الوتر- أصحَّ، لاتفاق الشيخين عليها وللرخصة في القلائد إلّا الأوتار» (^٣).
وعلى كلّ حال: فالحديث يراد به النهيّ عن كل ما يُعلَّقُ، ويراد به أمرًا شركيًا، مِنْ دفع العين أو رفع بلاء، سواء أكان من وترٍ أو من غيره، أما إذا عُلِّقَت القلائدُ ولم يُقصد بها أمرًا شركيًا، مثل تقليد الهدي الذي يُهدى للبيت العتيق فلا حرج فيها.
وقد نصّ الحديث على القلادة التي من وتر: لأنَّها كانت موجودة عند أهل الجاهلية، حيث إنَّهم إذا اخلولق الوترُ أبدلوه بغيره، وأخذوا القديم وعلّقوه بالدواب، اعتقادًا أنَّه يدفع العين والمكاره عن الدابة.
_________________
(١) البخاري (٣٠٠٥)، ومسلم (٢١١٥).
(٢) الاستيعاب (٤/ ١٦١٠).
(٣) تيسير العزيز الحميد (١٢٧).
[ ١٠٩ ]
• واعلم أنَّ النهي عامٌ، سواء كانت معلقة على الرقبة، أو على اليدِ أو الرِجل أو غيرها، وسواء أكانت على البعير أو الآدمي أو غيرهما، وإنّما نصّ على البعير؛ لأنَّه هو الذي كان منتشرًا عندهم.
وثاني الأحاديث: حديث ابن مسعود ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ».
وقد دلّ الحديثُ على تحريم الرُقى الشركية والتمائم والتولة، وأنَّها من الشرك. فأمّا الرقى والتمائم فتقدّم بيانها.
وأما التِوَلَةُ: فقال عنها المصنّف: شيءٌ يصنعونه يزعمون أنَّه يُحبِّبُ المرأة إلى زوجها والزوجَ إلى امرأته، وبهذا فسّره ابن مسعود كما عند ابن أبي حاتم والحاكم، وهو ضربٌ من السحر، وإنّما كان شركًا؛ لما يراد به من دفع المضار وجلب المنافع من غير الله تعالى (^١).
وهذه التمائم، والتولة، من حيث حكمها لها حالتان:
أ- تكون شركًا أصغر: إذا اعتقد أنَّ هذه الأمور سببٌ، وأنَّها لا تفعل بنفسها.
_________________
(١) وألحق ابن عثيمين بالتِوَلة «دبلةُ الخطوبة والزواج»، وهي خاتمٌ يوضع في يد الزوج عند الزواج، فما دام في يده فالعلاقة بينهما ثابتة، والعكس بالعكس، وعلى هذا فإذا لُبِست بقصد أن تكون سببًا للمحبة بين الزوجين، فهي محرمة؛ لأنَّها ليست سببًا للمحبّة لا شرعًا ولا قدرًا، ويمكن القول بأن: لبس الدبلة لا يخلو من حالات: ١. إن اعتقد أنَّها بنفسها تأتي بالمودة بين الزوجين، فشرك أكبر. ٢. إن اعتقد أنَّها سبب لحصول المودة بين الزوجين، فهذا شرك أصغر. ٣. إن لبسها بدون اعتقاد كل هذا، فإنَّه تشبه بالكفار فتحرم من هذا الجانب. انظر: القول المفيد (١/ ١٨١).
[ ١١٠ ]
ب- تكون شركًا أكبر: إذا اعتقد أنَّ هذه الأمور تنفع وتضرّ من دون الله، وأنَّها تفعل بنفسها.
وثالث الأحاديث: حديث عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، وقال عنه الترمذي: حديث حسن غريب.
والحديث فيه ضعف، وعبد الله بن عكيم، يكنى أبا معبد الجهني، أدرك زمان النبيّ ﷺ، ولا يُعرف له سماعٌ صحيحٌ، قاله البخاري وأبو زرعة وغيرهما، فهو مخضرم، وحديثه مرسل (^١)، لكن الحديث له شواهد يتقوى بها.
* وقوله: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا»: شيئًا نكرة، فتشمل جميع الأشياء، والتعلق يكون بالقلب، بأن يعتمد عليه ويعتقد أنَّه سينفعه.
ويكون بالفعل، بأن يعلّق على نفسه شيئًا من التمائم والتعاويذ وأشباهها، ويكون بهما جميعًا.
* وقوله: «وُكِلَ إِلَيْهِ»: أي يكله الله إلى هذا الأمر ويخذله، وهذه قاعدة عظيمة، أنَّ كل شيء يُعَلِّق الإنسانُ به قلبه من دون الله من بشرٍ أو حجر أو شجر أو قبرٍ أو حلقةٍ أو خيطٍ أو تميمةٍ أو غير ذلك، فإنَّ الله يَكِلُه إليه، ومن توكَّل على الله فهو حسبه وكافيه.
وبهذا تَعرف ضلال من نسوا التعلّق بالله والتوكّل عليه، فلجئوا إلى أمورٍ لم ترد في الشرع، وهم بهذا وقعوا في الشرك، ووكلهم الله إلى أنفسهم وإلى ما جعلوه من أسباب، وهذا هو غاية الخذلان، وقد قال ابن القيم: «أجمعوا
_________________
(١) انظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٣٢٤).
[ ١١١ ]
على أنَّ التوفيق: أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأنَّ الخذلان: أن يخلي بينك وبين نفسك» (^١).
ومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّ الحديث دلَّ على أنَّ من علَّق قلبه بشيء دون الله، فإنَّ هذا من الشرك، ويكون جزاؤه من الله أن يكله إلى هذا الذي توكَّل عليه، ولن يجد فيه نفعًا ولا دفعًا.
ورابع الأحاديث: عن رويفع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أنَّه مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُ بَرِيءٌ».
ورويفع: هو ابن ثابت الأنصاري، طال عمره وتوفي سنة (٥٦ هـ) (^٢)، فوقع ما أخبر به النبي ﷺ من قوله: «لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ».
* وقوله: «فَأَخْبِرِ النَّاسَ»: فيها دليلٌ على وجوب إخبار الناس وتبليغ العلم والعقيدة الصحيحة، وهذا واجب وأمانة يتحمّلها القادرون.
* وقوله: «مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ»: عقدُ اللحية يُفَسّرُ على أحد أوجهٍ أربعة:
١. ما كانوا يفعلونه في الحروب -في الجاهلية- مِنْ عقد لحاهم تكبرًا وافتخارًا وهذا من زِيّ الأعاجم.
٢. ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها حتى تتجعّد، وهذا للتجمّل، وهذا فعل أهل التأنيث، مع أنَّ إصلاح اللحية ودهنها وإكرامها مطلوب، لكن ما لم يصل إلى الترف والإسراف.
_________________
(١) الفوائد (٩٠).
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٦)، البداية والنهاية (٨/ ٦١).
[ ١١٢ ]
٣. وإما خوفًا من العين؛ لأنَّها إذا كانت حسنة، أراد أن يشوهها ويشوه نفسه؛ خوفًا من العين.
٤. أن المراد عقد اللحية في الصلاة؛ لأنَّ هذا من العبث في الصلاة، وهو مكروه، ويدل على عدم الخشوع، قال ابن العراقي: «والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة»، كما في رواية: «من عقد لحيته في الصلاة».
قال ابن قاسم: «ويشبه هذا ما يفعله كثير من أهل الفسق والكبر، مِنْ فتل أطراف الشوارب، وإبقائها مخالفة لما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى» (^١) (^٢).
* وقوله: «أو تقلّد وترًا»: تقدم بيانه، وأنَّه جعل قلادة من وتر على عنق الدابة وغيرها، وهذا الشاهد من الحديث.
* وقوله: «أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ»: أي أزال الخارج من السبيلين بأيّ من هذه الأشياء؛ لأنَّها طعام الجنّ وعلف دوابهم، ونهى النبيّ ﷺ عن الاستجمار بها (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩) من حديث ابن عمر.
(٢) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص (٨٨).
(٣) فقد أخرج مسلم (٤٥٠) من حديث عَلْقَمَة قال: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ … وفيه أن النبي ﷺ قال: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ»، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ».
[ ١١٣ ]
* وقوله: «فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُ بَرِيءٌ»: وهذا وعيد شديد يدلّ على أنّ هذه الأمور من الكبائر.
والأولى في أحاديث الوعيد إجراؤها على ظاهرها، من دون تعرض لها بتفسير، فهذا أبلغ في الزجر ولا تصرف عن ظاهرها بالتأويل، إلّا إذا خشي أن يفهمها البعض على ظاهرها في التكفير، فيكفِّر بها أهل المعاصي، كما هو مذهب الخوارج.
ومناسبة الحديث والشاهد منه: أنَّ النبيّ ﷺ أخبر أنَّه بريء ممن تقلد وترًا دفعًا للضرّ؛ لأنَّ هذا من الشرك كما تقدم.
فائدة: قال صاحب فتح المجيد: «فإذا كان هذا فيمن تقلد وترًا، فكيف بمن تعلّق بالأموات وسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وما يترتب على ذلك من العبادة التي لا يستحقها إلّا ربُّ الأرض والسماوات، الذي جاء النهيّ عنه وتغليظه في الآيات المحكمات» (^١).
وخامس الآثار: عن سعيد بن جبير قال: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً منْ إِنْسَانٍ، كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» (^٢).
_________________
(١) فتح المجيد (١/ ٢٤٩).
(٢) قال صاحب التيسير (ص ١٣٥): وهذا الحديث … ظاهره الوقف، لكن له حكم الرفع عند العلماء؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون الحديث مرسلًا. ا. هـ قلت: وفي هذا الكلام نظر لأمرين: أولًا: أنَّ هذا إنما يقال في كلام الصحابي، الذي لا يقال مثله من قبيل الرأي، أما كلام التابعين فلا. انظر: فتح المغيث (١/ ١٥٠). ثانيًا: أنه لا يقال في كلام التابعي أنّه مرفوع مرسل، إلا إذا كانت هناك قرينة تدلّ على رفعه كقول بعض الرواة - عند ذكر التابعي-: يرفعه مثلًا، أو كقول الراوي عن التابعي: من السنة كذا ونحوه، فيعتبر عندئذ له حكم المرفوع المرسل. والله أعلم.
[ ١١٤ ]
* قوله «كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ»: أي كان له مثل ثواب من أعتق رقبة.
ووجه الشبه بين عتق الرقبة وقطع التميمة: أنَّ إعتاق العبد فيه إعتاقٌ له من الرقّ، وقطعُ التميمة منه فيه إعتاقٌ له من الشرك؛ إذ تسبب في فكاكه من النار.
وفي أثر ابن جبير: إزالة المنكر باليد لمن كان قادرًا عليه، وإلّا فباللسان، وإلّا فبالقلب.
المسألة الرابعة: أشار المصنف ﵀ إلى تعليق التمائم إذا كان ما كتب فيها من القرآن، ونقل في المسألة قولين لأهل العلم، فقال: (لكن إذا كان المعلّق من القرآن، فرخصّ فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهيّ عنه منهم ابن مسعود ﵁.
وعلى هذا ففي المسألة قولان:
القول الأول: أنَّ وضع التمائم من آيات القرآن جائز، وليس من التمائم المحرمة، وهذا نُقِلَ عن جماعة، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن المسيب، وابن عبد البر، والقرطبيّ، وهو رواية عن أحمد.
* وحجة هذا القول: عموم قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، وهذه التمائم التي فيها القرآن هي كالرقية بالقرآن.
وأما الأحاديث الواردة في النهي عن التمائم، فحملوها على التمائم من غير القرآن، والشركية.
[ ١١٥ ]
القول الثاني: أنَّه محرَّم ولا يجوز، ولا فرق في ذلك بين كونها من القرآن أو من غيره، وهذا هو الأقرب.
وقد قال به جمع من الصحابة، منهم: ابن مسعود وتلاميذه، وابن عباس، وحذيفة، وغيرهم، وهو رواية عن أحمد، وهو قول أكثر العلماء، ومنهم النخعيّ، وابن العربيّ، وصاحب فتح المجيد، وصاحب التيسير، والسعدي، والحكمي، والألباني، وابن باز، والعثيمين، والفوزان، وغيرهم.
وذكر بعضهم لترجيح هذا القول عدة أوجه:
١ - عموم النهي: ولا مخصص للعموم.
٢ - سدًا للذريعة: فإنَّه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
٣ - أنَّه إذا عُلِّق فلن يخلو من أن يمتهنه المعلّق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء، وغير ذلك (^١).
٤ - أنَّ النبيّ ﷺ قد كان يرقي ويُرقى، فلو كان تعليق تمائم القرآن جائزًا لأمر به، قال ابن قاسم: «وليس في كتاب الله، ولا سنّة رسوله ما يدل على إجازة تعليق شيء من القرآن، ولا ثبت عن أحد من الصحابة المقتدى بهم تجويزه، ولا فعله مع توفر الدواعي إليه، وما ذاك إلّا لأنَّه ينافي التوكّل والإخلاص، ولعلّ عبد الله بن عمرو ﵁ يُعَلِّقه في الألواح لا أنَّه تميمة» (^٢) ا. هـ.
وقد نقل المصنّف عن إبراهيم النخعيّ قوله: «كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا، مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقُرْآنِ».
_________________
(١) فتح المجيد (١/ ٢٤٤).
(٢) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (٨٦).
[ ١١٦ ]
ويقصد بالذين يكرهون: أصحاب ابن مسعود، وهم قرناء إبراهيم، كعلقمة والأسود وأبي وائل ومسروق والربيع بن خثيم وعبيدة السلماني وغيرهم، وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم.
والمراد بالكراهة هنا: كراهة التحريم؛ إذ الكراهة عند السلف يريدون بها التحريم، وتقدمّ أنَّ التمائم محرّمة، أمّا من غير القرآن فبالإجماع، وأمّا من القرآن فعلى قول الأكثر كما تقدم.
* خلاصة الباب: أنّ الرقى ليست على حالٍ واحد، فربما كانت مشروعة، وربّما كانت شركيّة، فالواجب تبيين هذه من هذه، فليس كل راق رجلًا صالحًا، فربّما رقى بشرك.
وأمّا التمائم فالأقرب أنَّها ممنوعة مطلقًا كما تقدم.
*
[ ١١٧ ]