فبهذا يتبين أنه ليس المراد من نفي الأوثان والأصنام وغيرها في كلمة الإخلاص زوال ماهية الأصنام ونفي وجودها، وإنما المراد إنكار عبادتها والكفر بها وعداوتها كما تقدم بيانه، وكل من تبرأ منها ورغب عنها فقد نفاها بقول لا إله إلا الله، وأثبت الألوهية لله تعالى دون كل ما يعبد من دونه.
فلما تمكن ﷺ من إزالة هذه الأصنام كسرها، وبعث من يزيل ما بعد عنه منها، فخلت الجزيرة من أعيانها، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ١.
وفيه الرد على الفلاسفة وأهل الاتحاد القائلين بأن المنفي كلي يوجد ذهنا ولا يوجد منه في الخارج إلا فرد، بناء على ما اعتقدوه في الله تعالى من الكفر به وبكتابه وبرسوله، وقد عرفت أن المنفي بها أفراد متعددة من الأصنام والأنداد والشركاء والأولياء، من حين حدث الشرك بعبادة الأصنام في قوم نوح إلى أن تقوم الساعة.
فيجب بلا إله إلا الله البراءة من كل ما يعبده المشركون من دون الله. فلا بد من نفي هذا كله بالبراءة من عبادته ومن عابديه. فمن تبرأ من عبادتها كلها وأنكرها وكفر بها، فقد قال لا إله إلا الله وأخلص العبادة لله وحده، وصار بهذا التوحيد مسلما مؤمنا.
وتأمل ما ذكره المفسرون في قول الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢.