وأما قول الملحد في ورقته: (لعدم تحقق العبادة إلا بعد اعتقاد استحقاق المعبود لها)
(فالجواب): هذا القيد ممنوع وهو من جملة اختلاقاته وأكاذيبه؛ لأنه فاسد شرعا ولغة وعرفا. ومما يبين فساده ما في الحديث من قصة الرجلين الذَين مرا على صنم قوم لا يجاوزه أحد إلا قرب له شيئا، فقالوا لأحد الرجلين: قرِّب فقال: ما عندي شيء أقرب. قالوا: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار، أي: بتقريبه الذباب لصنمهم. وهو إنما قربه للتخلص من شرهم من غير اعتقاد استحقاقه لذلك، فصار عبادة للصنم دخل بها النار. وهذا يدل على أن هذا الفعل منه هو الذي أوجب له دخول النار؛ لأنه عبد مع الله غيره بهذا الفعل. وقالوا للآخر: قرب فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ﷿، فضربوا عنقه فدخل الجنة.
وأيضا فقد قال أبو طالب:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
وقوله يخاطب النبي ﷺ:
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا
[ ٣٣٣ ]
فثبت بهذا أن أبا طالب لم يعتقد أن ما كان قومه عليه من الشرك حقا ولم يمنعه من الدخول في الإسلام إلا خوف أن يسب أسلافه فقط، ومع هذا مات مشركا كما ثبت في الصحيح، وهذا يبين فساد هذا القيد.
فإذا عرف ذلك، تبين أن هذا الرجل يختلق أقوالا لا برهان عليها ولا حجة، ثم إن من المعلوم أن كل من عبد معبودا غير الله وأصر على عبادته له أنه يعتقد استحقاقه للعبادة، وهذا هو الغالب على المشركين في حق معبوداتهم، ولهذا تجدهم يجادلون عنها ويناضلون مجادلة من يعتقد أنها تستحق ما كانوا يفعلونه لها من العبادة.