قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبّد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب (^١).
وعن ابن عباس في الآية قال: "لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (^٢)، رواه ابن أبي حاتم.
وله: بسند صحيح عن قتادة، قال: "شركاء في طاعته، لم يكن في عبادته" (^٣).
وله: بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قالا: أشفقا ألا يكون إنسانًا، وذكر معناه عن الحسن، وسعيد، وغيرهما (^٤).
_________________
(١) مراتب الإجماع لابن حزم (ص: ١١٧).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم برقم (٨٦٥٤) وتفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر برقم (١٥٥١٨) والتفسير من سنن سعيد بن منصور برقم (٩١٩).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم برقم (٨٦٥٩).
(٤) تفسير ابن أبي حاتم برقم (٨٦٤٨).
[ ٢ / ٦٣٦ ]
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن تسمية الأولاد بأسماء معبّدة لغير الله ﷿ من الشرك به، وكفر النعمة.
قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا﴾ المؤتِي هو الله ﷿، والمؤتَى هما الوالدان.
قوله: ﴿صَالِحًا﴾ أي: خلقًا سويًا، أو ولدًا سويًا، والمراد بالصلاح هنا ليس صلاح الدين، وإنما صلاح الخلقة، أي: تام الخلقة، ليس خداجًا، والولد يطلق على الذكر والأنثى.
قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي جعل والداه للمنعم المؤتي شركاء في الطاعة، أو في نسبة النعمة إلى غير الله ﷿. ولذلك صورٌ متعددة، منها:
الأولى: أن يعتقد الأبوان أن الذي منَّ عليهما بالحمل، والإنجاب غير الله: فهذا شرك أكبر.
الثانية: أن يضيفا سلامة المولود إلى سبب ظاهر: وهذا يقع كثيرًا، فتجد بعض الناس يقول: لولا الطبيب فلان لاختنق الجنين، ونحو ذلك. فهذا شرك أصغر، كما تقدم.
الثالثة: أن يقدم محبة الولد على محبة الله: وهذا يقع لكثير من الوالدِين، فيحجم عن طاعة الله ﷿، وفعل مراضيه، خوفًا وضنًا بأولادهما. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. قال ابن جرير: "نزلت في عوف بن مالك الأشجعيّ كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه، ورقَّقوه، فقالوا: إلى من تَدعنا؟ فيرقّ، ويقيم، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] " (^١)، فهذا منافٍ للإيمان الواجب لأنه ترك لواجب.
الرابعة: أن يسميه باسم معبد لغير الله: كعبد مناف، وعبد شمس، وعبد النبي، ونحوها، فهذا يلتحق بالشرك، ويكون بحسب ما قام في قلبه، فإن
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٢٣/ ٤٢٤).
[ ٢ / ٦٣٧ ]
كان يقصد العبودية المطلقة فهو -لا شك- شرك أكبر، وإن كان مجرد اسم أعجبه، فهو محرم.
قوله ﵀: "قال ابن حزم" هو أبو محمد، علي بن أحمد بن حزم، عالم أندلسي، قرطبي، من أوعية العلم، وفحول العلماء، يوصف بأنه منجنيق العلماء؛ وذلك لقوة عارضته، وشدة عبارته على مخالفه. وهو على مذهب شيخه داود بن علي، مؤسس مذهب الظاهرية. وله مصنفات نافعة، منها: "المحلى" و"الفِصَل في الملل والأهواء والنحل"، و"مراتب الإجماع". وقد كان ابن القيم ﵀ يعظم من شأن أبي محمد، وينقل عنه كثيرًا؛ لأنه صاحب سنة ودليل، وكان شديدًا على أصحاب الرأي، الذين يتوسعون في الآراء، إلا أنه بالغ بالأخذ بالظاهر حتى أبطل القياس. مات سنة ست وخمسين وأربعمائة، ﵀.
قوله: "اتفقوا على تحريم كل اسم معبّد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك" (^١)، ومثلها: عبد شمس، وعبد الدار، وعبد ود. وهذه حكاية إجماع.
قوله: "حاشا عبد المطلب" لأن تعبيد عبد المطلب، جد النبي ﷺ للمطلب، إنما هو تعبيد خدمه، فقد كان أسود اللون، وكان يمشي مع المطلب، ويجاريه، وقد غاب عن قريش مدة، فلما عاد إلى مكة، ظنت قريش أنه غلام له، فجعلوا يقولون: عبد المطلب. وقد أقر النبي ﷺ هذا في قوله: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (^٢)، فهذا وجه الاستثناء.
ويرى شيخنا ﵀: أنه لا يجوز حتى التسمي بعبد المطلب، وأن قول النبي ﷺ: "أنا ابن عبد المطلب" هذا خرج منه مخرج الإخبار، لا مخرج الإقرار (^٣)، وأن القاعدة المطردة: أنه لا يُعبّد أحد لغير الله ﷿، فكل من قال: عبد، فيجب أن يكون المضاف إليه اسم من أسماء الله الحسنى.
_________________
(١) مراتب الإجماع لابن حزم (ص: ١١٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب من صف أصحابه عند الهزيمة، ونزل عن دابته واستنصر برقم (٢٩٣٠) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين برقم (١٧٧٦).
(٣) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٢٩٦).
[ ٢ / ٦٣٨ ]
قوله: "وعن ابن عباس في الآية، قال: لما تغشاها آدم، حملت" يشير إلى أول الآية: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ يُفهم من كلام ابن عباس أن المعني بالآيتين آدم وزوجه، أي: لما تغشى آدمُ حواء، كناية عن الجماع، حملت من جرائه.
قوله: "فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة" هذه مقدمة إرهابية، كأنما يقول: أنا الذي بلغ بي الكيد أن أخرجتكما من الجنة، فكيدي متين وشديد، فاسمعا وأطيعا.
قوله: "لتطيعانني، أو لأجعلن له" أي: لهذا الحمل.
قوله: "قرني أيِّل فيخرج من بطنك" الأيِّل: الذكر من الوعول، والوعل: حيوان يشبه الغزال يعيش في الجبال. وقد انتقل من خطابهما معًا، إلى خطاب حواء.
قوله: "فيشقه ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما" أي يشق بطنك بقرنيه!
قوله: "سمياه عبد الحارث" هذا مطلبه. والحارث اسم للشيطان، فأراد أن يُعبّد له، لا لله.
قوله: "فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم حملت، فأتاهما فقال مثل قوله: فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم حملت فأتاهما، فذكر لهما" أي: ما ذكر في المرتين الماضيتين من التخويف.
قوله: "فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم" هذا الأثر بهذا السياق، من رواية ابن أبي حاتم ضعيف لا تقوم به حجة. وممن أخرجه أيضًا سعيد بن منصور، وابن جرير، وقال العماد ابن كثير ﵀: "وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية: قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين، من المتأخرين، جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه -والله أعلم- أصله مأخوذ من أهل الكتاب" (^١). فيرى ابن كثير ﵀ أن هذا الأثر وإن صحت نسبته إلى ابن عباس، فقد يكون مما أخذه عن أهل الكتاب.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٢٨).
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وقد استنكره العلماء المحققون سندًا ومتنًا. ومنهم من صرفه عن الأبوين (آدم وحواء) وقد نقل ابن كثير عن الحسن البصري ﵀ أن هذا كان في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم (^١). وقال ابن كثير ﵀ بعد قول الحسن: "وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، والله أعلم، فليس مرجع الضمير لآدم وحواء، بل المشركون من ذريته" (^٢). فقد ذكر الله تعالى حالًا يقع فيه بنو آدم، وهو أن الله ﷾ ينعم على الزوجين بالذرية، كما قال: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾، وهذا ما يكون في أشهر الحمل الأولى ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: حان زمن الولادة، واشتد التشوف إلى سلامة المولود، كما أن الفلاح يتشوف إلى سلامة زرعه إذا قارب الحصاد، فيخشى أن تصيبه آفة سماوية؛ أو يجتاحه ماء جارٍ يذهب به. ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: أقسما بالله جهد أيمانهما أن يشكراه إن رزقهما خلقًا سويًا، فهما يخشيان أن يخرج ميتًا، أو خداجًا، أو معيبًا، أو غير ذلك. ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾، وهذا -كما سبق - له صور عديدة، منها: أن يعبداه لغير الله، أو أن ينسبا الفضل للسبب المباشر، وينسيا المسبب، كأن يقولا: بفضل نصيحة فلان، أو لولا الطبيب فلان، وينسيان المنعم الحقيقي، أو أنهما لا يشكران الله ﷿ ظاهرًا أو باطنًا. مع أنهما قبل الولادة، ربما كانا يقومان الليل، ويصومان النهار، ويسألان الله تمام الحال، فلما حصل لهما مرادهما تركا ذلك.
فعلى هذا تفهم الآية، ولا محوج لهذه القصة الخيالية: من أن الشيطان تهددهما بأن يجعل في بطنها قرني أيل، يشقا بطنها. وقد استنكر شيخنا ﵀ (^٣) هذه القصة من وجوه متعددة، فقال ﵀: هذه القصة باطلة من وجوه:
الأول: ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي ﷺ، حتى حديث ابن عباس لم يرفعه إلى النبي ﷺ وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٢٨).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٢٨).
(٣) القول المفيد على كتاب التوحيد، محمد بن صالح العثيمين (٢/ ٣٠٨).
(٤) حيث قال في الفصل في الملل والأهواء والنحل (١/ ٣٩٥): "وهذا الذي نسبوه إلى آدم ﵇ من أنه سمى ابنه عبد الحارث، خرافة موضوعة مكذوبة، من تأليف من لا دين له، ولا حياء، لم يصح سندها قط".
[ ٢ / ٦٤٠ ]
الثاني: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء لكان حالهما: إما أن يتوبا من الشرك، أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه، كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة الذين قالوا فيهما قولًا سيئًا، فمن جوز موت أحد من الأنبياء على الشرك، فقد أعظم الفرية، وإن كانا تابا من الشرك، فلا يليق بحكمة الله، وعدله، ورحمته، أن يذكر خطئهما، ولا يذكر توبتهما منه، فهذا ممتنع.
الثالث: أن يقال: إن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء، ربما وقع منهم خطأ أو صغيرة، لكن لا يقع منهم شرك، ولا كبيرة عمدًا.
الرابع: أنه قد ثبت في حديث الشفاعة الطويل، أن الخلائق تأتي آدم يوم القيامة ليشفع لهم عند ربهم، فيعتذر بالأكل من الشجرة، ولو كانت هذه القصة صحيحة لكان أولى أن يعتذر بها؛ لأنها أشد؛ لتعلقها بأصل الإيمان، فهذا يدل على عدم وجودها بالكلية.
الخامس: قول إبليس فيما ورد في الرواية: "أنا صاحبكم الذي أخرجكما من الجنة" هذا لا يقوله: من يريد الإغواء، فالذي يريد الإغواء يقول قولًا فيه استدراج، مثل ما فعل حينما أراد منهما أن يأكلا من الشجرة، حيث قال لهما: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] فأغراهما إغراءً. ثم إن تصديقه في قوله: "لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن، ولأفعلن" شرك في الربوبية؛ لأنه لا يملك الخلق، فلا يملك أن يجعل لهذا الجنين قرني أيل، فحاشا آدم وحواء أن يصدقاه في هذه الأكذوبة.
السادس: أن الله ﷾ ختم الآية بضمير الجمع، فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] ولم يقل: "يشركان" بالتثنية، فدل هذا أنه يقع من أزواج متعددين، يكفرون نعمة الله ﷿، ولا يثنون بها على مسديها، فبهذا تسقط هذه الرواية، ولا يُعتد بها. فليت أن المصنف ﵀ لم يذكر هذه الرواية في كتابه، لكن أبى الله إلا أن تكون العصمة إلا لكتابه، وسنة نبيه ﷺ.
وذكر هذه الأوجه -وإن طالت- في نقد هذه الرواية ينشئ لدى طالب العلم
[ ٢ / ٦٤١ ]
دربة يتمكن بها من نقد الروايات الضعيفة سندًا ومتنًا؛ فإن الأحاديث الضعيفة والموضوعة يكون فيها علة زائدة عن مجرد ضعف السند؛ لأن ما كان من عند الله فهو معصوم؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقال عن نبيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وأما المكذوب والموضوع فتجد فيه من النكارة ما يُعلم أنه ليس من عند النبي ﷺ. ونجد كثيرًا من المحدثين النقاد إذا مر به حديث يستنكره، يقول: آثار الوضع عليه بادية. ولكن هذا لا يحسن من كل أحد، فلا ينبغي لطالب العلم المبتدئ أن يتعجل بالحكم على حديث ما، بأن آثار الوضع بادية عليه؛ لكونه يقرع سمعه لأول مرة؛ أو لأنه استنكر سماعه، أو لم يفهم المراد به، هذا أمر لا يجرؤ عليه إلا الراسخون.
قوله: "وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته" أي: إن الشرك الذي وقع منهما شرك طاعة، ولم يكن شرك عبادة محضة، كالركوع، والسجود.
"وله بسند صحيح عن مجاهد، في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: أشفقا ألا يكون إنسانًا، وذكر معناه عن الحسن، وسعيد، وغيرهم" وقد ذكرنا التحقيق في هذه المسألة.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، على فرض صحة كونه تفسيرًا للآية.
فوائد الآية:
١ - تحريم التسمية بكل اسم معبّد لغير الله، وهذا كثير، ومنه تسمية الروافض: عبد علي، وعبد الحسين، وعبد الرضا، وتسمية بعض الغلاة: عبد النبي، وتسمية النصارى: عبد المسيح.
٢ - أن تعبيد الأسماء لغير الله نوع من أنواع الشرك.
٣ - وجوب شكر نعمة الله على الأولاد؛ من بنين وبنات؛ وقد امتن الله تعالى على كثير من عباده فقال: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، وقال: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣].
[ ٢ / ٦٤٢ ]
٤ - أن من الشكر أن يُسمى الولد باسم معبد لله؛ ولهذا قال النبي ﷺ: "إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" (^١)، وقال: "وأصدقها حارث وهمام" (^٢)، فكونها أحب إلى الله، لما فيهما من إظهار عبوديته. وللإنسان -بحمد لله- في هذا مسرح، فلو رُزق بتسع وتسعين ابنًا لوسعه أن يُعبِّدهم لله ﷿. حتى إن من العلماء من سمى ابنه عبد المصور، وقال: لعلي لم أسبق إلى هذا (^٣)، فينبغي للإنسان أن يحب هذه الأسماء المعبدة لله، الدالة على الإخلاص له، وأن لا يزهد فيها، وينزع إلى الأسماء الأخرى، مع أن في الأمر سعة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: "وأصدقها حارث وهمام"، فلو تأملت لوجدت كل إنسان يدب على وجه الأرض، حارثًا وهمامًا؛ لأن الحرث يدل على الفعل، والهم يدل على الإرادة، والإنسان لا يخلو من إرادة وفعل. فما من إنسان إلا عنده هم، سواء كان همه قويًا أو ضعيفًا، وما من إنسان إلا وهو حارث، وليس المقصود حراثة الأرض فقط، وإنما الحرث الفعل، سواء كان حرثه قويًا أو ضعيفًا. قال: "وأقبحها حرب ومرة" (^٤)، وتأمل ذوق النبي ﷺ! فهو ذوق رفيع؛ كره أن يُسمي الإنسان ابنه حربًا، لما فيه من العدوان، و(مُرة) فإن المرارة مذمومة. ومن تأمل في بعض أسماء الناس، وجد أسماء كثيرة تلتحق بحرب، وأسماء كثيرة تلتحق بمرة، فينبغي أن يكون مزاج المؤمن مزاجًا إيمانيًا، مقاربًا لمزاج النبي ﷺ، فيكون هواه تبعًا لما جاء به.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء برقم (٢١٣٢).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء برقم (٤٩٥٠) وصححه الألباني.
(٣) وهو الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀، حيث قال في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٢/ ١٤): "وإن من توفيق الله ﷿ إياي أن ألهمني أن أعبد له أولادي كلهم، وهم: عبد الرحمن، وعبد اللطيف، وعبد الرزاق، من زوجتي الأولى -رحمهما الله تعالى- وعبد المصور، وعبد الأعلى، من زوجتي الأخرى. والاسم الرابع ما أظن أحدًا سبقني إليه، على كثرة ما وقفت عليه من الأسماء، في كتب الرجال والرواة، ثم اتبعني على هذه التسمية بعض المحبين، ومنهم واحد من فضلاء المشايخ، جزاهم الله خيرًا".
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء برقم (٤٩٥٠) وصححه الألباني.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تحريم كل اسم معبّد لغير الله.
وقد نقل ابن حزم الإجماع على ذلك، كما سبق.
الثانية: تفسير الآية.
أي: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾، وسبق تفسيرها على ما قررنا، وأما أثر ابن عباس فإنه لا يصلح أن يكون تفسيرًا لها؛ لما ذكرنا من نكارة السند، ونكارة المتن.
الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها.
أي: أن تسميتهما "عبد الحارث" لم يقصدا أن يعبداه لإبليس، وإنما قصدا اتقاء شره، على فرض صحة هذه القصة، فقد يقع بعض الناس في الشرك مع أنه ما قصده ولا أراده.
الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم.
وذلك لعموم قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾، فمن تمعر وجهه واسود وتبرم؛ لكان هذا من كفران النعم، ومشابهة أهل الجاهلية، وهذا يقع من بعض الجفاة في هذه الأزمان.
الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة، والشرك في العبادة.
هذه الجملة استفادها المصنف ﵀ من قول قتادة: "شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته" والحقيقة أن الطاعة نوع من العبادة، وإنما أراد عبادة خاصة. وأما الطاعة لغير الله فإنها غير العبادة، فنطيع الرسول ولا نعبده، ونطيع آباءنا وأمهاتنا ومن له ولاية علينا كولاة الأمر، وطاعتهم
[ ٢ / ٦٤٤ ]
ليست عبادة لهم. فالشرك في الطاعة يراد بها ما يتعلق بالتشريع، كما تقدم في باب: "من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله".
[ ٢ / ٦٤٥ ]