وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة التوبة: ٦٥].
عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة -دخل حديث بعضهم في بعض-: "أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء -يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القرّاء- فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ، وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق، فقال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، ما يتلفت إليه، وما يزيده عليه" (^١).
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول" الأقرب أن (من)
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر برقم (١٦٩١١)، (١٦٩١٢)، (١٦٩١٦) وتفسير ابن أبي حاتم برقم (١٠٠٤٦)، (١٠٠٤٧) والمعجم الكبير للطبراني برقم (٣٠١٧).
[ ٢ / ٦١٣ ]
هنا بمعنى الذي، والتقدير: باب حكم الذي هزل. وتحتمل أن تكون اسم شرط، و(هزل) فعل الشرط، ولم يذكر الجواب، وتقديره: فقد كفر، كما يدل عليه سياق الآيات والأحاديث. وهذا الباب مهم، والحاجة إليه داعية، لا سيما في أزمنة تجرأ فيها الملاحدة، والمنافقون، والسفهاء، على الله، ورسوله، وكتابه، وشرعه، ودينه، وكرام أمته، فيُحتاج إلى التذكير فيه. وقد وقع نظيره في زمن النبي ﷺ، وأنزل فيه آيات. والهزل: السخرية والاستهزاء.
قوله: "بشيء فيه ذكر الله" شيء: نكرة، فتعم كل شيء فيه ذكر الله؛ مما يتعلق بذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو شرعه، أو قدره. فيدخل في ذلك.
- من سخر من إثبات ما أثبت الله لنفسه من صفات الكمال، ونعوت الجلال، كالصفات الخبرية؛ الوجه، واليدين، والعينين، والساق.
- من سخر بأحكامه، كحدٍ من حدود الله،؛ الرجم، أو الجلد، أو القطع، كما قال أولهم:
يدٌ بخَمسِ مئين عسجَدٍ وُدِيَتْ … ما بالُها قُطعَتْ في ربعِ دينارِ؟ (^١).
- من سخر بالقرآن، أو بسوره من سوره، فاتخذها مادة للهزؤ، كأن يقول في سورة الجن: هذا من الخرافات. وكذلك من لحّن القرآن على لحون الفساق، أو استشهد به لغير ما أنزل.
- من سخر من مقام النبي ﷺ، وسنته، كحديث الذباب: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً" (^٢)، وكقول النبي ﷺ في النساء أنهن "ناقصات عقل ودين" (^٣)، واتخذها مادة للنقد والتنقص.
- من سخر بخلق الله للهوام، والحشرات، ونحو ذلك، وزعم أن ذلك عبث لا فائدة فيه.
_________________
(١) ديوان أبي العلاء المعري (ص: ٥٧٠).
(٢) (أخرجه البخاري في باب: إذا وقع الذباب في الإناء، برقم (٥٧٨٢)
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم برقم (٣٠٤) ومسلم في الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات برقم (٧٩، ٨٠).
[ ٢ / ٦١٤ ]
فهذا الهزل والسخرية يقع بصور متعددة، والذي لا يتقي الله ﷿ يندلق لسانه، ويستزله الشيطان، عن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال النبي ﷺ: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم" (^١)، وفي لفظ: "وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ﷿ ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله ﷿ بها عليه سخطه إلى يوم القيامة" فكان علقمة يقول: "كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث" (^٢).
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
الهزل بشيء من ذكر الله، أو الرسول، أو القرآن، كفر مناقض للتوحيد.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ " الخطاب للنبي ﷺ، والمسؤول هم المنافقون. وقد نجم النفاق بعد غزوة بدر؛ لما أظهر الله الإسلام، واشتدت شوكة المسلمين، فصار الذين أبوا الإسلام من أهل المدينة يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، ومردوا على النفاق. وظلوا كذلك، حتى وفاة النبي ﷺ،، وكان النبي ﷺ يعاملهم على ظواهرهم، ويكل سرائرهم إلى الله، ويغلظ عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]. وقد أسرَّ النبي ﷺ إلى حذيفة بن اليمان بأسماء المنافقين.
قوله: ﴿نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ أي: أننا لم نقصد الاستهزاء، وإنما كنا نتجاذب أطراف الحديث، ونقطع الطريق، بما يتحدث به المسافر مع صاحبه. فرد الله تعالى عليهم في تتمة الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] وهذا الاستفهام للتوبيخ والتقبيح؛ أي: ألم تجدوا مادة للهزؤ والسخرية إلا في حق الله، وآياته ورسوله؟! ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦]. وسيأتي بيان سبب نزولها.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان برقم (٦٤٧٨).
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٥٨٥٢) وقال محققو المسند: "صحيح لغيره".
[ ٢ / ٦١٥ ]
مناسبة الآية للباب:
مطابقة، لأن فيها ما يدل على كفر من هزل بشيء فيه ذكر الله، أو الرسول، أو القرآن.
فوائد الآية:
١ - أن الاستهزاء بالله، والقرآن، والرسول، كفر ينافي التوحيد. وبعض جفاة العوام، في بعض المجتمعات الإسلامية يتفوهون بكلمات لا يحسبون لها حسابًا، تقشعر لها الأبدان، فيسبون الدين، وهذا استهزاء وزيادة.، فمن استهزأ بالله أو بالقرآن أو بالرسول فقد كفر كفرًا مخرجًا من الملة؛ لأنه طعن في أصل الاعتقاد.
٢ - أن من قال الكفر، أو فعل الكفر، حتى لو لم يعلم أنه كفر، حُكم أن مقالته، أو فعله كفر، أما تحقيق الحكم عليه فيتوقف على انتفاء الموانع، وتمام الشروط؛ لأنه ربما كان مكرهًا، أو جاهلًا، أو مخطئًا، أو غير ذلك. ولما علم الله من حال هؤلاء المنافقين الكفر، قال: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦].
٣ - وجوب تعظيم الله، وكتابه، ورسوله؛ كما قال الله عن المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فينبغي للمؤمن إذا قرع سمعه ذكر الله ﷿ أن يكون له حال غير الحال التي كان فيها؛ بأن يقوم في قلبه من الإجلال والتعظيم، لله رب العالمين، ما يدل على وجله، وكذلك حين يذكر القرآن، أو يُؤتى به. وكان النبي ﷺ يعظم كتب الله، فلما دعته اليهود يومًا إلى الحكم في مسألة عرضت لهم، قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، فأتوا بالتوراة يحملونها، "وقد كان ﷺ جالسًا على وسادة، فلما أُتي بالتوراة نزع الوسادة من تحته، فوضع التوراة عليها، ثم قال: "آمنت بك، وبمن أنزلك" (^١)، هكذا عظّم ﷺ كلام الله، فكيف بالقرآن العظيم، الذي هو أعظم كُتب الله، وأكملها، وأحدثها عهدًا به؟! وكان
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين برقم (٤٤٤٩) وحسنه الألباني.
[ ٢ / ٦١٦ ]
عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف، فيضعه على وجهه، ويبكي، ويقول: "كلام ربي، كتاب ربي" (^١).
وإنا لنأسف أن نجد من بعض الناس من لا يعظم المصحف، فتجد من يمد رجليه أمام حامل المصاحف، حتى يكاد أن يمس بقدمه المصحف، وقد نص الفقهاء الحنابلة على منع هذا (^٢). بل أني رأيتُ أحد التلاميذ خارج مدرسته، ينتظر ولي أمره، قد قعد فوق كتبه المتضمنة للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، واتخذها وقاية لملابسه أن تمس الأرض! وإنما فعل هذا لأنه لم يُنشَّأ على تعظيم كلام الله، وكلام نبيه ﷺ، فيجب علينا أن نربي أبنائنا وبناتنا، على إجلال كلام الله، وكلام نبيه ﷺ.
٤ - قبول توبة المستهزئ إذا تاب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] فدل ذلك على أن باب العفو مفتوح، والله تعالى إذا عفا، أو لم يعفُ، فإن ذلك مقترن بحكمته؛ فيعفو عن التائب، ولا يعفو عن المصر. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥، ١٣٦]
٥ - أن الكفر كفران: كفر اعتقادي، وكفر عملي، خلافًا للمرجئة، فإن المرجئة يقصرون الكفر على كفر الاعتقاد، ولا يثبتون كفرًا عمليًا. والصحيح: أنّ الكفر يكون بالقول، ويكون بالعمل، ويكون بالاعتقاد، كما أن الإيمان يتعلق بالقول والعمل. فالكفر بالاعتقاد: أن يقوم في قلبه من النكران، والإباء، والاستكبار، والجحود، والاستحلال، ما ينافي الإيمان، حتى لو لم يفُه بلسانه. أو أن يعتقد عقيدة باطلة، كعقيدة الجهمية؛ فيزعم أن الله تعالى لا يتسمى باسم، ولا يتصف بصفة، وينكر الأسماء والصفات، فهذا كفر اعتقادي. والكفر بالقول: أن يتفوه بكلام كفري، عالمًا، ذاكرًا، مختارًا، كما وقع
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (٥٠٦٢).
(٢) الآداب الشرعية والمنح المرعية (٢/ ٢٨٦).
[ ٢ / ٦١٧ ]
لهؤلاء. والكفر بالعمل: كأن يسجد لصنم، أو أن يلقي المصحف، أجلَّه الله، في القاذورات، أو نحو ذلك من الأفعال المنافية للإيمان، عالمًا، ذاكرًا، مختارًا.
قوله: "عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة": رواية التابعين من المراسيل، والمرسل: ما وقع فيه سقط في آخر إسناده، أي: من بعد التابعي. وقد أخرجها: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وإسنادها حسن. أما رواية ابن عمر، فمتصلة.
ومحمد بن كعب: القرظي، كان مدنيًا، وهو من ثقات التابعين، مات سنة عشرين ومائة. وزيد بن أسلم: ثقة مشهور، مولى عمر بن الخطاب ﵁، مات سنة ست وثلاثين ومائة. وقتادة: هو قتادة بن دِعامة السَّدوسي، تقدم ذكره مرات. ﵏.
قوله: "دخل حديث بعضهم في بعض" أي: السياق التالي مجموع أحاديثهم، لا حديث واحد منهم، فضمت أحاديث بعضهم لبعض، وهذا يحصل في الإخباريات، فكثيرًا ما يذكر ابن إسحاق في السيرة هذا، ويقول: دخل حديث بعضهم في بعض، ولا شك أنه يُحتمل في الإخباريات ما لا يُحتمل في الأحاديث التي تتضمن العقائد والأحكام.
قوله: "أنه قال رجل في غزوة تبوك" هي آخر غزوة غزاها النبي ﷺ، سنة تسعٍ من الهجرة. وتبوك تقع شمال الجزيرة العربية، على مشارف الشام.
قوله: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء" المراد بالقراء: جمع قارئ، وأراد بهم هنا النبي ﷺ وفقهاء الصحابة، كما سيذكر. ثم بات يطلق على فقهاء التابعين الذين يحفظون القرآن والسنة.
قوله: "أرغب بطونًا" كناية عن النهم في الأكل والشرب، فبطونهم كبيرة واسعة من كثرة الأكل. قوله: "ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء" وصفهم بغاية الجشع، والكذب، والجبن.
قوله: "يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك"
[ ٢ / ٦١٨ ]
الأشجعي ﵁ صحابي معروف، أول مشاهده خيبر، روى عدة أحاديث، مات سنة ثلاث وسبعين. قوله: " كذبت" حق له أن يُكذِّبه؛ لأن هذا خبر مخالف للواقع.
قوله: "ولكنك منافق" لأن هذا الهزؤ لا يصدر عن مؤمن.
قوله: "لأخبرن رسول الله ﷺ " هذا يدل على جواز الوشاية لمصلحة، وليس من باب النميمة لما يترتب عليه من حفظ حوزة الدين، وقطع ألسنة العابثين، والمفسدين، والمرجفين. قوله: "فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه" كما قال تعالى في حادثة أخرى: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]
قوله: "فجاء ذلك الرجل" الذي أطلق تلك الكلمة، معتذرًا إلى رسول الله ﷺ.
قوله: "وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق" لم يعدم كلامًا يعتذر به؛ لأن المنافقين مردوا على كثرة الإعتذار، وزخرفة القول، كما قال الله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠]، وقال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]. فعندهم من الصياغات اللفظية، وصفِّ الكلام، وزخرفة القول، ما يلجؤون إليه في هذه المضائق.
قوله: "قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول لله ﷺ " النسعة: عبارة عن سير عريض مشدود، مضفر، من الجلد، يشد به الرحل على البهيمة والبعير، فيثبت الرحل. قوله: "ونبي الله لا يلتفت إليه" ماضٍ في طريقه، غير آبهٍ به، ساخطًا عليه.
قوله: "وإن الحجارة تنكب رجليه" أي: تضرب رجليه، وهو يلحق النبي ﷺ، ويعتذر إليه. قوله: "وهو يقول: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ فيقول له رسول الله ﷺ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ما يلتفت إليه وما يزيده عليه" امتثالًا لأمر ربه.
[ ٢ / ٦١٩ ]
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لأن فيها بيانًا لسبب نزول الآية الدالة على حكم من هزل بشيء فيه ذكر الله.
فوائد الحديث:
١ - بيان حال المنافقين وما تنطوي عليه نفوسهم من الحقد والغيظ على دين الله. وهذا كما هو موجود في المنافقين السابقين، موجود، وربما أشد، في منافقي زماننا الذين يحملون أسماء المسلمين، ويعيشون بين ظهرانيهم، وفي قلوبهم نقمة على دين الله، وأهله من العلماء، والدعاة، والمحتسبين، فتنضح قلوبهم، وألسنتهم، وأقلامهم، باللمز، والغمز، والطعن، وإرادة السوء. فهي حال تتكرر في كل جيل وقبيل؛ تجد أحدهم همزة لمزة، بطرق ملتوية، فإذا ضاقت به السبل، وافتضح، قال: أردت كذا وكذا، وبالغ بالاعتذار.
٢ - كفر من استهزأ بشيء فيه ذكر الله، أو آياته، أو رسله؛ فهؤلاء القوم ذموا رسوا لله ﷺ وأصحابه القراء؛ كما قال الراوي: "يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء"، وطعنوا بهم بوصفهم الديني.
٣ - أن الإخبار والتبليغ عن أصحاب الفساد ليس من النميمة المحرمة. فإذا علم الإنسان أن قومًا يخططون لجريمة، أو يشيعون الفاحشة بين المؤمنين، أو يتجرون بالمخدرات، أو نحو ذلك من الأمور الضارة بالمجتمع، فالتبليغ عنهم واجب متحتم، وعبادة وقربة إلى الله ﷿؛ بخلاف المنكرات القاصرة، التي قد يكون الستر فيها مقدمًا. ولهذا لما أخبر النبي ﷺ فيما قاله بعض المنافقين، قال: "هذا الذي أوفى الله له بأذنه" (^١)، أي: أنه نقل هذا القول. وأما النقل المحرم، فهو ما قُصد به المضارة؛ فمن سمَّع، سمَّع الله به، ومن ضارَّ، ضارَّ الله به، أما ما كان لدفع مفسدة عامة، فليس من النميمة، بل هو من النصيحة لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم. فعلى الإنسان أن يميز بين الأمرين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] برقم (٤٩٠٦) ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار ﵃ برقم (٢٥٠٦).
[ ٢ / ٦٢٠ ]
٤ - وجوب الغلظة على المنافقين، وأشباههم من الفساق؛ لفعل النبي ﷺ بالمنافق، ولقول عوف: "كذبت، ولكنك منافق". فيحتاج المؤمن أحيانًا إلى الغلظة على من يستحق أن يغلظ عليه. أما من صدر منه شيء جهلًا، أو خطئًا، فالأصل فيه الرفق، فإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. وشاهد ذلك: ما جاء عن عائشة قالت: استأذن رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السَّام عليكم، فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ: "يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: "قد قلت: وعليكم" (^١)، وفي رواية: "يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه" (^٢).
٥ - أنه ليس كل عذر يكون مقبولًا، وليس كل من اعتذر قبل عذره، فمن الأعذار ما يُقبل، ومنها ما لا يُقبل. والأصل قبول العذر، فالله ﷾ يحب العذر، وقد جاء في صحيح البخاري: "ولا شخص أحب إليه العذر من الله" (^٣)، لكن ليس كل عذر يقبل، وإلا كان الإنسان مستغفَلًا، فينبغي أن يميز الإنسان بين مقام ومقام؛ ولهذا قال الله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] فقرن العفو بالإصلاح، فإذا كان في عفوك إصلاح فحيهلًا، وأما إذا عفوت، تمادى الظالم في غيه فلا، ولا كرامة. مثال ذلك: لو أن إنسانًا قال لك: إني قد اغتبتك، وأرجو أن تسامحني، ورأيتَ عليه مظاهر الندم، والتوبة، فقلت: غفر الله لك، وعفا عنك، فلما كان من الغد جاءك وقال: اغتبتك أخرى، وبعد غد كذلك، فهذا لا يستحق العفو، حتى يرتدع، ويعقل لسانه.
ومن ذلك أيضًا: ما يجري في حوادث السيارات، أو غيرها من الجنايات، وترتب الديات والضمانات، فليس العفو سائغًا في كل حال؛ لأن من السفهاء من
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله برقم (٦٠٢٤) ومسلم في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم برقم (٢١٦٥).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق برقم (٢٥٩٣).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول النبي ﷺ: «لا شخص أغير من الله» … برقم (٧٤١٦) مسلم في كتاب اللعان برقم (١٤٩٩).
[ ٢ / ٦٢١ ]
يظن أنه مهما فعل سيُعفى عنه، ويسقط عنه الحق، فيظل في سفه وطيشه، ولو علم أنه سيكون عرضة للعقوبة المادية، أو البدنية، لحجزه ذلك عن التمادي.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: وهي العظيمة: أن من هزل بهذا كافر.
لقوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
الثانية: أنّ هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنًا من كان.
أي: سواء كان المستهزئ منافقًا، أو غير منافق، فإنه يكفر كائنًا من كان، لدلالة القصة.
الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله.
النميمة يراد بها الإفساد بين الناس، وأما النصيحة: فيراد بها الإصلاح، ولو ترتب عليها أذى.
الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله.
العفو الذي يحبه الله هو المقرون بالإصلاح؛ لقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾ [الشورى ٤٠] وأما الغلظة: فدل عليها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. فالغلظة تكون أنجع وأنجح في بعض الأحوال، كما أن الجرح لا يبرأ إلا بشقه، وإخراج المادة الفاسدة منه، فكذلك بعض الناس لا ينفع معه إلا التغليظ. وقد جرى لنا، ولغيرنا، أن جربنا التغليظ على بعض الغالطين فأيقظته من سكرته. ولو أن الإنسان ظل يرقق الكلام في كل حال؛ لتمادى في غيه، واستخف بالحقوق.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يُقبل.
الأصل في الاعتذار أن يُقبل للأدلة الدالة على العفو، كما تقدم، لا سيما إذا كان المعتذر محسنًا، وما حصل منه كان هفوة، فإن علم أن الاعتذار باطل، لم يُقبل، كاعتذار المنافقين.
[ ٢ / ٦٢٣ ]