ظهرت الجامعة المصرية في سنة ١٩٠٨ للميلاد، وكانت يومئذ فكرة
وطنية سياسية انشق لها مكأنها في الحوادث فجاءت كما تجيء الحادثة الوطنية
قائمة - على ما قبلها ليقوم عليها ما بعدها، وبذلت فيها الأمة وشمَّرت لها وجدَّ بها الجِد فإذا هي ما هي.
ولم يكن في ذلك العهد ما يعرف "بتاريخ آداب اللغة العربية" إلا كراسة
صغيرة الحجم لفقها بعض الأساتذة على طريقة المستشرقين، وكانت تدرس في مدرسة دار العلوم، وإلا بعض فصول كان كتبها على هذه الطريقة صديقنا العلامة جرجي زيدان صاحب "الهلال" ونشرها في مجلته، ثم كتابان في علوم اللغة العربية الاثني عشر، أحدهما كتاب الوسيلة الأدبية للأستاذ الشهير الشيخ حسين المرصفي، وهو كتاب قديم، إلى كتب أخرى مما يجمع من مختارات النظم والتثر، أو مما يجمع من كل شيء كالمواهب الفتحية للأستاذ الحجة الكبير الشيخ حمزة فتح الله، فكتبنا يومئذ في (الجريدة) مقالًا تراه بعدُ، ولنسمه "مقال الجريدة الأول"
وكان مدير الجريدة هو الأستاذ النابغة مدير الجامعة
اليوم فكان من أثر ذلك المقال أن نشرت اللجنة الفنية للجامعة دعوة على
الأدباء إلى تأليف كتاب في "أدبيات اللغة العربية" جعلت جائزة الفائز فيه مائة
جنيه، وضربت أجلًا لتقديمه إليها سبعة أشهر، فكتبنا المقال الثاني في
الجريدة، فعادوا ونشروا المسابقة لتأليف كتاب في "أدبيات اللغة العربية"
وجعلوا المدة سنتين والجائزة مائتي جنيه، وقالوا: (ولأجل مساعدة المؤلف
على نشر الكتاب تتعهد الجامعة بالطبعة الأولى على نفقتها. . . فإن لم يستحق الجائزة أحد تتجدد الدعوة لهذه المسابقة مرة ثانية لميعاد آخر مدته سنتان بهذه الشروط بعينها".
وكان ذلك من عملنا ولله الحمد والمنة - هو السبب في تدريس الآداب
العربية وتاريخها في الجامعة المصرية، وهو السبب كذلك في وضع ما وُضع
[ ٥٧ ]
من الكتب في هذا العلم، ولكن أحدًا لم يعرض كتابه على الجامعة إلى اليوم.
ثم كان أسبق تلك المؤلفات ظهورًا الجزء الأول من كتاب العلامة جرجي
زيدان، ثم الجزء الأول من كتابنا "تاريخ آداب العرب " سبقه ذاك بشهر أو
شهرين سبقًا مطبعيًا.
ثم ألحقت الجامعة بوزارة المعارف وفُتحت سنة ١٩٢٥ فاختاروا لتدريس
الأدب العربي فيها الأستاذ الدكتور طه حسين، وكنا نعلم أنه يُلقي دروسه "في الشعر الجاهلي ".
غير أنا لم نقف على شيء منها ولا أردنا ذلك ولا فكرنا فيه.
إذ لم يخطر لنا أن كائنًا من كان يزين له الغرور أن يحمل كرة الأرض فيُلقي بها
في غير مدارها كما فعل طه شبيهًا من ذلك في الأدب، حتى نبهنا مقال الأستاذ عباس فضلي الذي نشرته له "السياسة" ثم كتب بعده صديقنا الجليل كاتب الشرق الأكبر الأمير شكيب أرسلان مقاله
"التاريخ لا يكون بالافتراض" في جريدة "كوكب الشرق"، فكتبنا نحن بعد ذلك هذه المقالات في "الكوكب ".
وقد تركناها كما هي لم نمسسها إلا في الفرط والندرة والحمد لله على ما وَفق
من قبل ومن بعد.
[ ٥٨ ]