وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا اللهُ، وَحَدُّ النَّفْيِ مِنْ الإِثْبَاتِ ﴿لَا إِلَهَ﴾ نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شريكٌ فِي مُلْكِهِ.
وَتَفْسيرُهَا: الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]).
* ذكر المؤلف أدلة ومعنى هذه الأركان الخمسة، وابتدأ بشهادة أن لا اله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والكلام على هذه الجملة في مسائل:
المسألة الأولى: من أوجب الواجبات على المسلم تعلم معنى لا إله إلا الله، إذ هي الكلمة التي بها يدخل في الإسلام، قال ابن القيم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أُسِّسَت الملة، ونُصِبت القبلة، ولأجلها جُرّدت سيوف الجهاد، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد؛ فهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسن رسله إليها، وهي
[ ١٢٣ ]
كلمة الإسلام؛ ومفتاح دار السلام، وأساس الفرض والسنة» (^١).
وقال المجدد ﵀: «اعلم رحمك الله أن فرض معرفة شهادة أن لا إله إلا الله قبل فرض الصلاة، والصوم؛ فيجب على العبد أن يبحث عن معنى ذلك، أعظم من وجوب بحثه عن الصلاة، والصوم» (^٢).
إذا علمت هذا؛ فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وهي جملة فيها نفي وإثبات: ف (لا إله) فيها نفي لكل ما يعبد من دون الله، و(إلا الله) فيها إثبات للعبادة لله ﷾، فالنفي والإثبات ركنان إن تخلف أحدهما لم تصح الشهادة، فمن عبد الله، وعبد غيره لم يحقق (لا إله إلا الله)، لأنه لم يحقق (إلا الله).
ولذا قال المؤلف (لا إله نافية لكل ما يعبد من دون الله، إلا الله مثبتًا العبادة لله وحده سبحانه لا شريك له في عبادته كما أنه لا شريك له في ملكه).
والمعنى: أنه كما أنك تثبت أنه لا شريك لله في ملكه، وهو ما يتعلق بتوحيد الربوبية، فأثبت أنه لا شريك له في عبادته، وهو توحيد الألوهية.
قال المجدد ﵀: «اعلم رحمك الله: أن معنى لا إله إلا الله، نفي وإثبات: (لا إله) نفي، (إلا الله) إثبات; تنفي أربعة أنواع; وتثبت أربعة أنواع; فالمنفيُ الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب.
فالإله ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت متخذه إلها، والطواغيت: من عبد، وهو راض، أو ترشح للعبادة، مثل: شمسان; أو تاج.
_________________
(١) انظر: «إعلام الموقعين» (١/ ٣).
(٢) انظر: «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (٢/ ١٢١).
[ ١٢٤ ]
والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام، من أهل، أو مسكن، أو عشيرة، أو مال، … والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق، وأطعته مصدقًا ..
وتثبت أربعة أنواع: القصد: كونك ما تقصد إلا الله; والتعظيم، والمحبة، لقوله ﷿ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥]، والخوف، والرجاء، لقوله ﷿: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٧]» (^١).
المسألة الثانية: يجب على المسلم أن يحقق لا إله إلا الله بقلبه ولسانه، وجوارحه، فالقلب أن يعتقد بمعناها، واللسان بأن ينطق بها، والجوارح بأن لا يعمل بما يناقضها، قال ابن سحمان: «فلا بدّ في شهادة ألا إله إلا الله من اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فإن اختل نوع من هذه الأنواع لم يكن الرجل مسلمًا» (^٢).
المسألة الثالثة: استدل المؤلف للشهادة بقوله تعالى: (﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨).
فتضمنت هذه الآية شهادة التوحيد، وبيان معناها، وبيان من شهد بهذه الشهادة مع الله، فتضمنت أجلّ شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها، من أجلّ شاهد وهو الله والملائكة وأولوا العلم، بأجلّ مشهود به وهو تفرد الله بالألوهية.
قال السعدي: «هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، …
_________________
(١) انظر: «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (٢/ ١٢٢).
(٢) انظر: «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (٢/ ٣٥٠).
[ ١٢٥ ]
وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد، لأن الله شهد به بنفسه، وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادةُ لا تكون إلا عن علمٍ ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليلٌ على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم» (^١).
المسألة الرابعة: حينما أراد المؤلف أن يذكر التفسير الذي يوضح (لا إله إلا الله) لم يذكر كلامًا من عنده فإن هذا قد يعترض عليه بأن يقال: هذا فهمك، ولكنه جاء بآيتين من القرآن يتبين فيهما معنى الشهادة، وهي:
١ - قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٦).
فبيّن أن إبراهيم ﵈ قال لقومه إنني بريء منكم، ومما تعبدون، ثم استثنى من المعبودين ربه فقال بأنني أعبد الله الذي فطرني، أي أوجدني من العدم، ورزقني ودبرني، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ (الزخرف: ٢٨). أي أن البراءة مما يعبد من دون الله، وعبادة الله وحده، هي الكلمة الباقية، وهي كلمة التوحيد، قال ابن كثير: «قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ (الزخرف: ٢٨)، يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها، وروي نحوه عن ابن عباس» (^٢).
فتبين بهذه الآية: أن معنى (لا إله إلا الله) هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى.
_________________
(١) انظر: «تيسير الكريم الرحمن» للسعدي (ص: ١٢٤).
(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٧/ ٢٢٥).
[ ١٢٦ ]
٢ - قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤).
* ففي هذه الآية بيان لمعنى كلمة التوحيد، وذلك أنها تتضمن:
١. تحقيق عبادة الله وحده: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (آل عمران: ٦٤).
٢. والتخلص من الشرك: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (آل عمران: ٦٤).
٣. والإقرار بالربوبية لله وحده، ولا يتخذ أحدٌ أحدًا ربًا من دون الله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٦٤).
وهذه هي كلمة التوحيد، التي يستوي أمامها الجميع، فمن حققها فقد حقق التوحيد، ودخل في الإسلام، قال ابن كثير: «فسرها -أي هذه الكلمة- بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (آل عمران: ٦٤) لا وثنًا، ولا صنمًا، ولا صليبًا ولا طاغوتًا، ولا نارًا، ولا شيئًا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ثم قال: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٦٤)، وقال ابن جريج: يعني: يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وقال عكرمة: يعني: يسجد بعضنا لبعض.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤). أي: فإن تولوا عن هذا النَصَف وهذه الدعوة فأشهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم» (^١).
_________________
(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٦).
[ ١٢٧ ]
واعلم أن كلمة التوحيد ليست مجرد كلمة تقال، وإنما هي قول باللسان، وتحقيق في القلب والأعمال، فالذي تنفعه هذه الكلمة هو من يقولها، ويعمل بمقتضاها، قال المجدد: لا إله إلا الله مع معناها، بمنزلة الروح من الجسد، لا ينتفع بالجسد دون الروح، فكذلك لا ينتفع بهذه الكلمة دون معناها (^١)
وكم من امرئٍ ربما نطق بها، وهو يخالفها صباحًا ومساءً، فلا تنفع هذه الكلمة من يخالفها، فيتوجه لغير الله في عباداته، القلبية منها والفعلية، ولو كانت هذه الكلمة مجرد لفظ ينطق، لقالها كفار قريش، وأقبلوا على ما هم عليه من شرك، ولكنهم حينما قال النبي ﷺ لعمّه أبي طالب: «يا عمّ إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية»، فقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: «لا إله إلا الله»، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ويقولون أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشيءٌ عُجابٌ (^٢).
فاحذر أيها المبارك أن تكون ممن يتلفظ بها، ثم يخالفها، ومهمٌ أن نراجع عباداتنا، هل فيها قصدٌ لغير الله، وأن نُخَلِّصَ أعمالنا من أي شائبةٍ من شوائب الشرك.
المسألة الخامسة: ذكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ أن الناس تجاه (لا إله إلا الله) ثلاث فرق:
* فرقةٌ نطقوا بها وحققوها وعلموا أن لها معنى فعملوا بها، وأن لها نواقض فاجتنبوها، وهؤلاء هم الناجون، وهم المؤمنون حقًا.
_________________
(١) انظر: «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (٢/ ١١٣).
(٢) انظر: «السيرة النبوية وأخبار الخلفاء» لابن حبان (١/ ٧٢).
[ ١٢٨ ]
* وفرقة نطقوا بها بالظاهر، فزينوا ظواهرهم بقول: لا إله إلا الله، وترديدها، واستبطنوا في نفوسهم الكفر والشرك، وهؤلاء هم المنافقون.
* وفرقة نطقوا بها ولم يعملوا بمعناها وعملوا بنواقضها، وهؤلاء هم المشركون (^١).
فتحقيق شهادة (لا إله إلا الله): أن تقولها بلسانك، وتطبقها بأفعالك، فلا تتوجه بها لأحد غير ربك.
_________________
(١) انظر: «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (٢/ ١١٢).
[ ١٢٩ ]