حينما يأتي في الآيات ذكر الرب، فاعلم أن الرب هو المعبود سبحانه، وحينما يأتي ذكر خلق الله وربوبيته، فاعلم أن خالق هذه الأشياء هو الرب المستحق للعبادة دون من سواه.
وكثيرًا ما يأتي في القرآن آيات فيها ذكرٌ وإثباتٌ لربوبية الله، ليستدل بها على توحيد الألوهية، ومن أمثلة ذلك: الآية التي ذكرها، وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (البقرة: ٢١ - ٢٢).
فتأمل أن الله سبحانه جعل تفرده بخلق الناس حاضرهم وسابقهم، ووضعه الأرض للأنام، وتذليله إياها ليمشوا في مناكبها وينعموا برزقه، ورفعه السماء بغير عمد يرونه، وإنزال المطر، وإخراج الثمار على إثره، جعل هذا سببًا وبابًا إلى توحيد الإلهية، وآية بينة على استحقاقه وحده العبادة.
ولا شك أن هذا طريقٌ نافعٌ لإثبات الألوهية، فإن قلب الإنسان يتعلق أولًا بمصدر خلقه، ومنشأ نفعه وضره، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقرب إليه وترضيه عنه وتوثق صلته به.
[ ٧٠ ]
فتوحيد الربوبية بابٌ إلى توحيد الإلهية، ومن أجل ذلك احتج الله به على المشركين وقررهم به، وأرشد إليه رسله، وأمرهم أن يدعوا به أممهم، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾ (المؤمنون: ٨٤ - ٨٧)، فاستدل بتفرده بالربوبية وكمال التصرف على استحقاقه وحده العبادة ووجوب تفرده بالإلهية، وفي هذا كله وصية للداعية إلى الله، أن يُعنى بهذا الأسلوب القرآني في الدعوة إلى التوحيد، حين يقرر في النفوس ربوبية الله، وتفرده بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، وسائرِ التدبيرات، ومن ثم بيان أن فاعل هذه الأشياء هو المستحق للعبادة، كما نقل المصنف عن ابن كثير ﵀ قوله: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
[ ٧١ ]