* ذكر المؤلف عبادةً أخرى وهي عبادة الاستعانة، والكلام عليها في خمس مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الاستعانة.
الاستعانة: لغة: طلب العون.
وشرعًا: طلب العون من الله، والأصل أنها لا تكون إلا بالله، ولكنها تطلب من المخلوق في ما يقدر عليه من الأمور كما سيأتي.
قال ابن القيّم: «الاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره مع ثقته به، لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه -مع عدم ثقته به- لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه، مع أنه غير واثق به» (^١).
والمراد أن المستعين بأحدٍ يجتمع في قلبه تجاه من استعان به هذان الأمران: ثقته به، واعتماده عليه.
المسألة الثانية: الاستعانة بالله عبادةٌ عظيمةٌ من أشرف العبادات التي يتقرب بها العبد لربه، ويكسب بها الثواب من رب الأرباب، وذلك لأن الإنسان بالاستعانة يتخلص من الأسباب، وينخلع من التعلق بالخلق، ويعلق القلب بالله المعين، وقد قال تعالى على لسان موسى ﷺ: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٨٦ - ٨٧).
[ ١٠٣ ]
لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٨) فبالاستعانة بالله ينتصر المسلمون، ويورثهم الله الأرض، ويجعل لهم العاقبة.
وقد أمرنا الله بالاستعانة به سبحانه في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وهي آية نرددها في كل يوم مرات كثيرة، فما أثرها في قلوبنا، وما قدر تحقيقنا لها؟
قال أهل العلم: قدّم الضمير المنفصل (إياك) على الفعل (نستعين)؛ لحكمة وهي أن هذه الصيغة في اللغة تفيد الحصر -أي لا نستعين إلا بك يا ربنا -.
وقال ابن القيم ﵀: «قال من قال من السلف: إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن وجمع علم القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥)» (^١).
وقد ألف ابن القيم كتابًا نافعًا أسماه [مدراج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين] ذكر فيه منازل السائرين إلى الله، لا يستغني عنه طالب العلم.
المسألة الثالثة: أورد المؤلف في الباب حديث: «إذا استعنت فاستعن بالله» وهي جملة من حديث ابن عباس قال فيه: «كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ …»، والحديث أخرجه الترمذي وغيره (^٢) من طريق الليث بن سعد، عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، وإسناده حسن، رجاله ثقات، عدا قيس، وهو صدوق، وقال الترمذي عن الحديث: حسن صحيح.
_________________
(١) انظر: «أمراض القلوب وشفاؤها» لابن القيم (ص: ٣٨).
(٢) أخرجه «أحمد» (٤/ ٤١٠)، و«الترمذي» (٢٥١٦)، والطبراني في «الكبير» (١١/ ١٢٣).
[ ١٠٤ ]
المسألة الرابعة: الاستعانة بغير الله لها حالتان:
الأولى: الاستعانة الجائزة: وهي أن يستعين به في أمرٍ يقدر عليه، كأن تستعين بحي حاضر في أمرٍ يقدر عليه، كرفع المتاع، ومساعدة محتاج ونحوه، فهذا جائز، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (^١).
ثم إن كانت هذه الاستعانة على بر وخير فهي جائزة، والمُعين مثاب على إحسانه، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٢)، وإن كانت على إثمٍ فهي حرام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢).
الثانية: الاستعانة الممنوعة، وتحتها صورتان:
١. الاستعانةُ بالحي في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله: كأن يستعين بمخلوقٍ حيٍ على الرزق، أو على تفريج الكرب، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز، وهو شرك بالله تعالى، لأن هذه الأشياء لا يقدر عليها إلا الله، فطلبها من غيره سبحانه إشراك به، وهو ما استعان بهم إلا لاعتقاده أن لهم تصرفًا في الكون.
٢. الاستعانة بالأموات: فهذه استعانة محرمة لا تجوز، وهي شرك أكبر، لأنها استعانة بمن لا يقدر على دفعٍ ولا نفعٍ، وطلبُ العونِ منهم ما وقع إلا لأنه اعتقد أن لهم تدبيرًا وتصريفًا في الكون، وهذا الأمر مما اختص به الله.
إنما الاستعانة المطلوبة من المؤمن أن يتعبد لله بها هي الاستعانة التي تتضمن ذلًا وخضوعًا واعتمادًا على الله سبحانه.
المسألة الخامسة: الاستعانة بالله تكون في أمرين:
١. الأمور الدينية. ٢. الأمور الدنيوية.
_________________
(١) أخرجه «مسلم» (٢٦٩٩).
[ ١٠٥ ]
فأما الأمور الدنيوية فتستعين بالله عليها أن ييسر لك أمرك، ويوسع لك رزقك، وييسر لك أمور دنياك، ولا يمنع مع هذا أن يطلب الأسباب، ولكن أن يكون قلبه متعلقًا بالله تعالى وحده.
علام سؤال الناس والرزق واسع … وأنت صحيح لم تخنك الأصابع
وللعيش أوكار وفي الأرض مذهب … عريض وباب الرزق في الأرض واسع
فكن طالبًا للرزق من رازق الغنى … وخل سؤال الناس فالله صانع
فلماذا يحتاج الإنسان للناس، ويعلق قلبه بهم، وهم فقراء، والغني قد فتح بابه، ويفرح بإنزال الحوائج به سبحانه.
وأشرف من ذلك أن تستعين بالله في أمور دينك، بأن تسأله أن يعينك على فعل الواجبات، وترك المحرمات، والحرص على المستحبات، فالعبد ضعيف بنفسه، قد يغلبه الشيطان، ويوقعه في المعاصي، أو يصدّه عن الطاعات، وهنا يأتي أثر الاستعانة بالله، حين تتوجه له بكليتك، وتقصده بمسألتك، أن يعينك على فعل الطاعة، وترك المعصية.
وهذه الاستعانة بالله في الأمور الدينية أشرف وأعظم، مع أن أغلب الناس غفلوا عنها.
وجماع القول: أن الاستعانة عبادة من العبادات التي نحتاجها في كل لحظة، فالعبد ضعيف إلا إن قوّاه الله، ومقصر إلا إن أعانه الله، فاستعن بالله في أمورك الدينية والدنيوية، وحقق الاستعانة بالله، الاستعانة التي تتضمن كمال الذّل، وكمال التوكل، وكمال التفويض له.
[ ١٠٦ ]