* هذه آخر عبادة ذكرها المؤلف هنا مقررًا أنها يجب أن تكون لله، وهي عبادة النذر، والكلام عليها في مسألتين:
المسألة الأولى: تعريف النذر.
النذر: هو أن يُلزِمَ المكلفُ نفسه شيئًا لم يجب عليه بأصل الشرع.
مثال ذلك: لله عليّ نذر أن أصوم شهرًا، فهذا الصيام ليس واجب عليه في أصل الشرع.
والأصلُ في النذر أنه عبادة، فلا يجوز أن تصرفها لغير الله، فمن صرفها لغير الله فقد وقع في الشرك، وذلك لأنه ما نذر لغير الله إلا لمّا وقع في قلبه التعظيم للمنذور له، أو أنه اعتقد أن له تصرفًا في الكون فهو إذا نذر له ينفعه حينها.
مثال النذر المشروع: لله عليّ نذر أن اقرأ القرآن، أو أن أصوم شهرًا، أو أن أحج، سواء علقه بشيء كقول: إن شفى الله مريضي فلله عليّ نذرٌ أن أحج، أو لم يعلقه بشي إنما أطلقه، وقال لله عليّ نذر كذا.
وأما ما ورد في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن النذر، وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» «(^١)، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شيئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَلَكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ» «(^٢)،
_________________
(١) أخرجه «البخاري» (٦٦٠٨)، و«مسلم» (١٦٣٩).
(٢) أخرجه «مسلم» (١٦٤٠).
[ ١١٦ ]
فقد أجاب العلماء عن ذلك بأحد جوابين:
١ - أن النذر المنهي عنه هو المعلق بشيء، كقوله: إن رزقني الله كذا فله علي نذر، وهذا يوهم المشارطة، فكأنه يظن أن الله لن يعطيه إلا إذا نذر له، وهذا فيه سوء أدب مع الله، فأما إن كان نذرًا مطلقًا غير معلق بوقوع شيء فهو جائز.
٢ - أن النذر مطلقًا منهي عنه، ولكن إذا نذر الإنسان نذر عبادة فلا يجوز أن يجعل ذلك إلا لله، وهذا الجواب أقرب، وقال به من يرى النهي عن النذر ثم منهم من كرهه، وهو مذهب الحنابلة ومنهم من عدّه محرمًا، وهو اختيار ابن تيمية.
المسألة الثانية: إذا تقرر هذا فاعلم أن النذر لغير الله لا يجوز، وهو من الإشراك به سبحانه، لأنه قصد بعبادته غير وجه الله.
مثال النذر الممنوع: أن يقول: عليّ نذر أن أذبح عند قبر فلان ذبيحة، أو إن شُفى مريضي عليّ نذر أن أذبح ذبيحة عند عتبات قبر الرجل الصالح فلان، ونحو ذلك.
فهذا نذرٌ لا يجوز، وصاحبه وقع في الشرك بالله سبحانه.
وبهذا يكون المؤلف قد أنهى الكلام عن الأصل الأول، وهو آكد الأصول، وهو معرفة العبد ربه سبحانه، ومعرفته تكون بإفراده بالألوهية، بأن يوحد في العبادة ولا يشرك به أحد، في العبادات القلبية، أو القولية، أو العملية، ومعرفته بالربوبية، ومعرفته بأسمائه وصفاته.
[ ١١٧ ]