وَإِن هم قَالُوا الدَّلِيل على أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يجوز أَن يكون عَالما بِعلم أَنه لَو كَانَ علم لوَجَبَ أَن يتَعَلَّق بالمعلومات على وَجه تعلق علومنا بهَا وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن يكون علمه من جنس علومنا لِأَن العلمين إِنَّمَا يجب تماثلهما لتعلقهما بِمَعْلُوم وَاحِد على وَجه وَاحِد فَلَمَّا لم يجز أَن يكون علمه من جنس علومنا ثَبت أَنه لَا علم لَهُ يُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ إِن طَرِيق الْعلم بتماثل العلمين الْمُحدثين هُوَ أَن يكون متعلقهما وَاحِدًا على وَجه وَاحِد أباضطرار علمْتُم هَذَا أم بِنَظَر واستدلال
فَإِن قَالُوا باضطرار أمسك عَنْهُم أَو قلب الْكَلَام عَلَيْهِم فِي منع تماثل مَا هَذِه سَبيله وادعي فِيهِ علم الِاضْطِرَار وَإِن قَالُوا بِنَظَر قيل لَهُم وَمَا هُوَ فَإِن قَالُوا هُوَ علمنَا بتماثل كل علمين من علومنا إِذا كَانَ متعلقهما وَاحِدًا على وَجه وَاحِد قيل لَهُم وَمَا فِي هَذَا من الدَّلِيل وَمَا أنكرتم أَنَّهُمَا لم يتماثلا لهَذِهِ الْعلَّة وَلَكِن لأنفسهما فَقَط وَمن حَيْثُ علم أَنه لَا صفة جَازَت على أَحدهمَا إِلَّا وَهِي جَائِزَة على الآخر وَلَا صفة وَجَبت
[ ٢٣٨ ]
لأَحَدهمَا إِلَّا وَهِي وَاجِبَة للْآخر وَلَيْسَ كَذَلِك سَبِيل علم الْقَدِيم وَعلم الْمُحدث
ثمَّ يُقَال لَهُم لَو كَانَ جِهَة الْعلم بتماثل مَا لَهُ تعلق بِغَيْر أَن يكون متعلقهما وَاحِدًا على وَجه وَاحِد لوَجَبَ أَن تكون الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة المتعلقتان بالشَّيْء الْوَاحِد الْمَقْدُور وَالْمرَاد على وَجه الْحُدُوث متماثلين لتعلقهما بمتعلق وَاحِد على وَجه وَاحِد فَلَمَّا بَطل هَذَا من قَوْلنَا وقولكم بَطل اعتباركم الَّذِي إِلَيْهِ استندتم
ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب على اعتلالكم هَذَا إِذا كَانَ الْقَدِيم سُبْحَانَهُ عَالما لنَفسِهِ وبنفسه أَن تكون نَفسه كَنَفس علومنا لِأَنَّهَا مُتَعَلقَة بالمعلومات كتعلق علومنا بهَا فَلَمَّا لم يجز ذَلِك لم يجز أَن يكون عَالما بِنَفسِهِ
فَإِن قَالُوا نَحن لَا نقُول إِنَّه عَالم بالمعلومات بِنَفسِهِ على أَنه بِنَفسِهِ يعلمهَا وَأَن المعلومات مُتَعَلقَة بهَا وَإِنَّمَا نُرِيد بذلك أَنه عَالم بهَا لَا لِمَعْنى يقارن نَفسه فعبرنا عَن هَذَا الْمَعْنى بِأَنَّهُ عَالم بِنَفسِهِ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ نَحن لسنا نُرِيد بقولنَا إِن الْقَدِيم تَعَالَى يعلم المعلومات بِنَفس علمه أَن علمه آلَة لَهُ ومتعلق بالمعلومات تعلق الْحَبل بالحبل والجسم بالجسم وَإِنَّمَا نعني بقولنَا إِنَّه يعلم المعلومات بِنَفس علمه أَنه يعلمهَا لَا لِمَعْنى يقارن الْعلم فعبرنا عَن ذَلِك بِأَنَّهُ يعلم بِنَفس الْعلم وَكَذَلِكَ كل شَيْء
[ ٢٣٩ ]
قُلْنَا فِيهِ إِنَّه مَوْصُوف بِمَا وصف بِهِ لنَفسِهِ إِنَّمَا نعني بِهِ أَنه مَوْصُوف بِهِ لَا لعِلَّة فَلم يجب مَا قُلْتُمْ
ثمَّ يُقَال لَهُم إِن كَانَ معنى أَن الْبَارِي عَالم بِنَفسِهِ أَنه عَالم لَا لِمَعْنى يقارن نَفسه فَيجب أَن يكون الْمُحدث مُحدثا لنَفسِهِ وَالشَّيْء شَيْئا لنَفسِهِ لِأَنَّهُ مُحدث لَا لعِلَّة وَشَيْء لَا لعِلَّة وَكَذَلِكَ يجب أَن تجْعَلُوا كل وصف يسْتَحق لَا لعِلَّة مُسْتَحقّا لنَفس الْمَوْصُوف بِهِ وَهَذَا ترك قَوْلهم بأوصاف تسْتَحقّ لَا للنَّفس وَلَا لعِلَّة فَإِن قَالُوا لَا يجب إِذا علم الْبَارِي سُبْحَانَهُ المعلومات بِنَفسِهِ أَن تكون نَفسه كَنَفس علومنا لِأَن تعلق نَفسه بالمعلومات تعلق الْعَالمين وَتعلق الْعلم بهَا تعلق الْعُلُوم قيل هَذِه حيرة وَقلة دين وإيثار للتخليط وَذَلِكَ أَن كَون الْعَالم عَالما بالمعلومات بِعِلْمِهِ هُوَ عندنَا وعندكم بِمَعْنى كَونه عَالما بالمعلومات بِنَفسِهِ لَو ثَبت أَنه عَالم بِنَفسِهِ وَكَونه عَالما بِعِلْمِهِ لَا يخْتَلف وَلَا يتزايد فَيجب أَن يكون مَا أوجب كَونه عَالما علم أَو حَال مُتَسَاوِيا متماثلا لِأَن الْمُعْتَبر فِي ذَلِك بِكَوْن الْعَالم عَالما على حد متساو وَجب تماثل مَا أوجب هَذِه الصّفة المتساوية فقولكم بعد هَذَا إِن نفس الْبَارِي سُبْحَانَهُ تتَعَلَّق بالمعلوم تعلق الْعَالمين وَنَفس الْعلم تتَعَلَّق تعلق الْعُلُوم تَخْلِيط وإبهام أَن كَون الْعَالم عَالما
[ ٢٤٠ ]
بالمعلوم تَارَة بِنَفسِهِ وَتارَة لِمَعْنى يخْتَلف فَإِذا لم يجز ذَلِك لم يكن لما قلتموه محصول وَلَا معنى مَعْقُول وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك