"ومنها" ما ذكره في صفحة ثمان وسبعين على قول الناظم:
فسائر الصفات والأفعال قديمة لله ذي الجلال
قال الشارح: وسائر الأفعال من الاستواء أو النزول والإتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة عند سلف الأمة وأئمتها لله ذي الجلال والإكرام ليس منها شيء محدث وإلا لكان محلا للحوادث وما حلت به الحوادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك، انتهى.
فأقول: اعلم أنا قد قدمنا فيما قبل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام تلميذه ابن القيم الذين هم سادات الحنابلة وأئمتهم ما فيه الكفاية، ولكن لابد من التنبيه على بعض ذلك ليتبين لك أن نسبة ذلك إلى سلف الأمة وأئمتها من الكذب عليهم وإنما هو كلام سلف أئمة أهل البدع والضلال الذين ينتسبون إلى مذهب أهل السنة والجماعة. فمن ذلك أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ذكرا أن مذهب السلف وأئمتها أن أفعال الله ﷾ قديمة النوع حادثة الآحاد، وأن الله سبحانه لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فاعلا إذا شاء أولم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئا بعد شيء ونحو ذلك. فإذا عرفت هذا تبين لك أن قول الشارح في أفعال الله الاختيارية: ليس منها شيء محدث وإلا كان محلا للحوادث وما حلت به الحوادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك - ليس هو من كلام السلف وأئمتها، بل هو
[ ٥٣ ]
من كلام أهل البدع المخالفين للسلف كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى. وأما حلول الحوادث فير يدون به: أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء ولا يغضب بعد أن كان راضيا ولا يرضى بعد أن كان غضبان ولا يقوم به فعل البتة ولا أمر مجدد بعد أن لم يكن ولا يريد شيئا بعد أن لم يكن مريدًا له فلا يقول له كن حقيقة ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا ولا يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا ولا يقول للمصلي: ".. إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أثني علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجدني عبدي.."، فإن هذه كلها حوادث، وهو منزه عن حلول الحوادث، انتهى. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام، وفيه الكفاية.
ثم إن من المعلوم عند من له إلمام بالمعارف والعلوم أن نزول الله ﷾ إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر وكذلك مجيئه لفصل القضاء بين العباد يوم القيامة لم يكن قديمًا قبل أن يخلق السموات والأرض في الأزل بل ذلك فيما لم يزل إلى يوم القيامة بمشيئته وقدرته وإرادته كما يشاء أن ينزل وكما يشاء أن يجيء ويأتي على ما يليق بعظمته وجلاله. ومن تأمل كلام شمس الدين ابن القيم حق التأمل تبين له ما قاله أئمة السلف وتبين له أيضا ما يقوله أئمة أهل البدع وما تحت ألفاظهم المجملة التي لم ينطق بها كتاب ولاسنة ولم يتكلم بها أصحاب رسول الله
[ ٥٤ ]
ﷺ ولا التابعون ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين، والله أعلم.
وكذلك ما قاله الشارح بعد هذا، قال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله ﷺ. فأقول قد تقدم الكلام على ذلك وإنما مقصود السلف بذلك تأويله وصرفه عن ظاهره. وأما قوله وسمع الإمام أحمد ﵀ شخصا يروي حديث النزول ويقول: ينزل بغير حركة ولا انتقال، ولا تغير حال، فأنكر الإمام أحمد عليه ذلك وقال: قل كما قال رسول الله ﷺ، فهو أغير على ربه منك، فأقول نعم، قد كان أحمد ينكر هذه الألفاظ التي لم يأت بها كتاب ولا سنة ولا نطق بها أصحاب رسول الله ﷺ ولا من بعدهم من التابعين وكان يحب السكوت عن ذلك كما قدمنا ذلك عنه في الحد.
[ ٥٥ ]