فمن ذلك ما ذكره الشارح على قوله:
* ثم الصلاة والسلام سرمدا* قال: الصلاة من الله الرحمة، ومن
[ ٣ ]
الملائكة الاستغفار ومن غيرهم التضرع والدعاء بخير. وهذا خطأ، والصواب: ما ذكره البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى. وإذا كان هذا الصواب في المسألة فلا ينبغي للعالم أن يترك ما هو الراجح المقطوع به ويذكر القول المرجوح الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا ذكره المحققون من أهل العلم وإن كانت هذه المسألة أخف مما بعدها، والله المستعان.
ومنها ما ذكره في الكواكب في صفحة أربعة وعشرين قال في معنى الاستواء: "استواء منزها عن المماسة والتمكن والحلول". فاعلم أن هذا القول قول مبتدع مخترع لم يذكره أحد من أهل العلم من سلف هذه الأمة وأئمتها الذين لهم قدم صدق في العالمين، وقد تقرر أن مذهب السلف وأئمة الإسلام عدم الزيادة والمجاوزة لما في الكتاب والسنة وأنهم يقفون وينتهون حيث وقف الكتاب والسنة وحيث انتهيا.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ. انتهى. وذلك لعلمهم بالله وعظمته في صدورهم وشدة هيبتهم له وعظيم جلاله، ولفظ المماسة لفظ مخترع مبتدع، لم يقله أحد ممن يقتدى به ويتبع، فإن أريد به نفي ما دلت عليه النصوص من الاستواء والعلو والارتفاع والفوقية، فهو قول باطل ضال قائله، مخالف للكتاب والسنة ولإجماع سلف الأمة مكابر للعقول الصحيحة والنصوص الصريحة وهو جهمي لا ريب من جنس ما قبله،
[ ٤ ]
وإن لم يرد هذا المعنى بل أثبت العلو والفوقية والارتفاع الذي دل عليه لفظ الاستواء فيقال فيه: هو مبتدع ضال، قال في الصفات قولا مشتبها موهما، فهذا اللفظ لا يجوز نفيه ولا إثباته، والواجب في هذا الباب متابعة الكتاب والسنة والتعبير بالعبارات السلفية الإيمانية، وترك المتشابه. هذا ما ذكره شيخنا الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن في جوابه على بعض الجهمية.
وأما قول الشارح في صفحة خمس وعشرين منه: فمذهب السلف الصالح أن الله تعالى مستو على عرشه حقيقة من غير مماسة، فقوله من غير مماسة، قول على السلف بلا علم ولا برهان كما قدمنا بيانه، اللهم إلا أن يكون من قول بعض من ينتسب إلى السلف من أهل الكلام الذين لا يعتد بقولهم، ولا يعول عليه في هذا الباب لأن هذا الفظ لم يرد في كتاب، ولا سنة، ولا قول صاحب، ولا قول أحد من الأئمة. زمن زعم هذا فعليه الدليل.
[ ٥ ]