تَأْوِيل أهل الْبَاطِل الْمَرْدُود عِنْد أَئِمَّة الْعرْفَان والايمان وَهُوَ الَّذِي لَا شكّ فِي بُطْلَانه وَالله يقْضِي فِيهِ بِالْبُطْلَانِ
فجعلتهم للفظ معنى غير مَعْنَاهُ لديهم باصطلاح ثَان وحملتم لفظ الْكتاب عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَكُم من ذَاك محذوران
كذب على الالفاظ مَعَ كذب على من قَالَهَا كذبان مقبوحان
وتلاهما أَمْرَانِ أقبح مِنْهُمَا جحد الْهدى وَشَهَادَة الْبُهْتَان
إِذْ يشْهدُونَ الزُّور إِن مُرَاده غير الْحَقِيقَة وَهِي ذُو بطلَان
[ ٢ / ١١ ]
ووأصوله ان التاويل هُوَ صرف اللَّفْظ عَن الِاحْتِمَال الرَّاجِح إِلَى الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح لدَلِيل يقْتَرن بِهِ وَهَذَا الَّذِي عناه اكثر من تكلم من الْمُتَأَخِّرين فِي تَأْوِيل نُصُوص الصِّفَات وَترك تَأْوِيلهَا وَهل ذَلِك مَحْمُود اَوْ مَذْمُوم اَوْ حق اَوْ بَاطِل وَالثَّانِي ان التَّأْوِيل بِمَعْنى التَّفْسِير وَهَذَا هُوَ الْغَالِب على اصْطِلَاح الْمُفَسّرين لِلْقُرْآنِ كَمَا يَقُول ابْن جر وَأَمْثَاله من الْمُفَسّرين وَاخْتلف عُلَمَاء التَّأْوِيل وَمُجاهد إِمَام الْمُفَسّرين قَالَ الثَّوْريّ إِذا جَاءَك التَّفْسِير عَن مُجَاهِد فحسبك بِهِ وعَلى تَفْسِيره يعْتَمد الشَّافِعِي وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا فاذا ذكر انه يعلم تَأْوِيل الْمُتَشَابه فَالْمُرَاد معرفَة تَفْسِيره الثَّالِث من مَعَاني التَّأْوِيل هُوَ الْحَقِيقَة الَّتِي يؤول اليها الْكَلَام كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا تَأْوِيله يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله يَقُول الَّذين نسوه من قبل قد جَاءَت رسل رَبنَا بِالْحَقِّ﴾ الاعراف فَتَأْوِيل مَا فِي الْقُرْآن من أَخْبَار الْمعَاد هُوَ مَا أخبر الله بِهِ فِيهِ مِمَّا يكون من الْقِيَامَة والحساب وَالْجنَّة النَّار وَنَحْو ذَلِك كَمَا قَالَ فِي قصَّة يُوسُف لما سجد أَبَوَاهُ وأخوته ﴿يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل﴾ يُوسُف فَجعل عين مَا وجد فِي الْخَارِج هُوَ تَأْوِيل الرُّؤْيَا فالتأويل الثَّانِي هُوَ تَفْسِير الْكَلَام وَهُوَ الْكَلَام الَّذِي يُفَسر بِهِ اللَّفْظ حَتَّى يفهم مَعْنَاهُ اَوْ تعرف علته اَوْ دَلِيله وَهَذَا التَّأْوِيل الثَّالِث هُوَ عين مَا هُوَ مَوْجُود فِي الْخَارِج وَمِنْه قَول عَائِشَة كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي يتَأَوَّل الْقُرْآن يَعْنِي قَوْله ﴿فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ﴾ النَّصْر وَقَول سُفْيَان بن عُيَيْنَة السّنة هِيَ تَأْوِيل الْأَمر
[ ٢ / ١٣ ]
وَالنَّهْي فان نفس الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ هُوَ تَأْوِيل الامر بِهِ وَنَفس الْمَوْجُود الْمخبر عَنهُ هُوَ تَأْوِيل الْخَبَر وَالْكَلَام خبر وَأمر وَلِهَذَا يَقُول أَبُو عبيد وَغَيره الْفُقَهَاء اعْلَم بالتأويل من أهل اللُّغَة كَمَا ذكرُوا ذَلِك فِي اشْتِمَال الصماء لِأَن الْفُقَهَاء يعلمُونَ تَفْسِير مَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ لعلمهم بمقاصد الرَّسُول ﷺ كَمَا يعلم أَتبَاع بقراط وسيبويه وَنَحْوهمَا من مقاصدهما مَا لَا يعلم بِمُجَرَّد اللُّغَة وَلَكِن تَأْوِيل الْأَمر وَالنَّهْي لَا (بُد) من مَعْرفَته بِخِلَاف تَأْوِيل الْخَبَر اذا عرف ذَلِك فَتَأْوِيل مَا اخبر الله تَعَالَى بِهِ عَن نَفسه المقدسة المتصفة بِمَا لَهَا من حقائق الْأَسْمَاء وَالصِّفَات هُوَ حَقِيقَة نَفسه المقدسة المتصفة بِمَا لَهَا من حقائق الصِّفَات وَتَأْويل مَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ من الْوَعْد والوعيد هُوَ نفس مَا يكون من الْوَعْد والوعيد وَلِهَذَا مَا يَجِيء فِي الحَدِيث يعْمل بمحكمة ويؤمن بمتشابهه لِأَن مَا أخبر الله عَن نَفسه وَعَن الْيَوْم الاخر فِيهِ أَلْفَاظ متشابهة يشبه مَعَانِيهَا مَا نعلمهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا أخبر أَفِي الْجنَّة لَحْمًا ولبنا وَعَسَلًا وخمرا وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا يشبه مَا فِي الدُّنْيَا لفظا وَمعنى وَلَكِن لَيْسَ هُوَ مثله وَلَا حَقِيقَته كحقيقته فاسماء الله تَعَالَى وَصِفَاته أولى وان كَانَ بَينهَا وَبَين اسماء الْعباد وصفاتهم تشابه ان لَا يكون لأَجلهَا الْخَالِق مثل وَلَا حَقِيقَته كحقيقته والاخبار عَن الْغَائِب لَا يفهم إِن لم يعبر عَنهُ بالاسماء الْمَعْلُومَة مَعَانِيهَا فِي الشَّاهِد وَيعلم بهَا مَا فِي الْغَائِب بِوَاسِطَة الْعلم بِمَا فِي الشَّاهِد مَعَ الْعلم بالفارق الْمُمَيز وَأَن مَا أخبر الله بِهِ من الْغَيْب أعظم مِمَّا فِي الشاهوفي الْغَائِب مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فَنحْن إِذا أخبرنَا بِالْغَيْبِ الَّذِي اخْتصَّ بِهِ من الْجنَّة وَالنَّار علمنَا معنى ذَلِك وفهمنا مَا أُرِيد منا فهمه بذلك الْخطاب
[ ٢ / ١٤ ]
وفسرنا ذَلِك واما نفس الْحَقِيقَة الْمخبر عَنْهَا مثل الَّتِي لم يكن بعد وَإِنَّمَا يكون يَوْم الْقِيَامَة فَذَلِك من التَّأْوِيل الَّذِي لَا يُعلمهُ الا الله وَلِهَذَا لما سُئِلَ مَالك وَغَيره من السّلف عَن قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه قَالُوا الاسْتوَاء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول والايمان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة وَكَذَلِكَ قَالَ ربيعَة شيخ مَالك قبله الاسْتوَاء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول وَمن الله الْبَيَان وعَلى الرَّسُول الْبَلَاغ وعلينا الايمان فَبين ان الاسْتوَاء مَعْلُوم وَإِن كَيْفيَّة ذَلِك مَجْهُولَة وَمثل هَذَا يُوجد كثيرا فِي كَلَام السّلف وَالْأَئِمَّة ينفون علم الْعباد بكيفية صِفَات الله تَعَالَى وَأَنه لَا يعلم كَيفَ الله الا الله فَلَا يعلم مَا هُوَ إِلَّا هُوَ وَقد قَالَ النَّبِي ص الله سُبْحَانَهُ لى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك انت كَمَا اثنيت على نَفسك وَهَذَا فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره وَقَالَ فِي الحَدِيث الآخر اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو نزلته فِي كتابك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو أستأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك والْحَدِيث فِي الْمسند وصحيح أبي حَاتِم وَأطَال الْكَلَام وَهُوَ كَلَام نَفِيس وَهُوَ معنى كَلَام النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى