ويحرم تفسيره بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه. وأما تفسيره للعالم فجائز حسن، والإجماع منعقد عليه.
فمن كان من أهل التفسير جامع للأدوات التي تعرف بها معناه، وغلب على ظنه المراد، فسّره إن كان مما يدرك بالاجتهاد كالمعاني والأحكام الخفية والجلية، والعموم والخصوص، والإعراب وغير ذلك، وإن كان ممالا يدرك بالاجتهاد، كالأمور التي طريقها النقل وتفسير الألفاظ اللغوية، فلا يجوز الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المعتمدين من أهله.
أما من كان ليس من أهله لكونه غير جامع لأدواته، فحرام عليه التفسير.
ولكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهله.
ثم المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح أقسام:
*فمنهم: من يحتج بآية على تصحيح مذهبه وتقوية خاطره، مع انه لا يغلب على ظنه أن ذلك هو المراد بالآية، وإنما يقصد الظهور على خصمه.
*ومنهم: من يقصد الدعاء إلى خير ويحتج بآية من غير أن يظهر له دلالة
[ ٧٣ ]
لما قاله.
ومنهم: من يفسر الألفاظ العربية من غير وقوف على معانيها عند أهلها، وهي مما لايؤخذ إلا بالسماع من أهل العربية وأهل التفسير، كبيان معنى اللفظة وإعرابها، وما فيها من الحذف والاختصار والإضمار والحقيقة والمجاز والعموم والخصوص والإجمال والبيان، والتقديم والتأخير.
ولا يكفي في ذلك معرفة العربية وحدها، بل لابد معها معرفة ما قاله أهل التفسير فيها، فقد يكونون مجتمعين على ترك الظاهر، أو على إرادة الخصوص والإضمار أو غير ذلك"مما به خالف"١ الظاهر، وكما إذا كان اللفظ مشتركًا بين معاني، فاعلم أن المراد أحد المعاني ثم فسر كل ما جاء به، فهذا كله تفسير بالرأي وهو حرام والله أعلم.
فصل
يحرم المراء في القرآن والجدال فيه بغير حق، ومن ذلك أن يظهر له دلالة الآية على شيء يخالف مذهبه، ويحتمل احتمالًا ضعيفًا موافقة مذهبه، ويناظر على ذلك فيحمله على مذهبه مع ظهورها له في خلاف ما يقول، وأما من لا يظهر له ذلك فهو معذور.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال:" المراء في القرآن كفر"٢
قال الخطابي: قيل: المراء المراد به الشك.
_________________
(١) ١ في التبيان: فما هو خلاف. ٢ رواه أبو داود (٤٦٠٣) والنسائي في" الكبرى" (٨٠٩٣) وأحمد (٧٩٢٩) وابن حبان (١٤٦٤) والحاكم (٢٨٨٢) وأبو يعلى (٦٠١٦) والطبراني في" الأوسط" (٢٤٩٩) و(٣٦٦٦) وأبو نعيم في"الحلية" (٨/٢١٣) والبيهقي في:"الشعب" (٢٢٥٥) .
[ ٧٤ ]