أعظم نعيم الجنة وملذاتها رؤية المؤمنين وجه ربهم الكريم الذي ليس كمثله شيء.
والمؤمنون يرون ربهم في الجنة من فوقهم رؤية بصرية كما جاءت النصوص من القرآن والسنة النبوية:
فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وقوله: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٢، وقوله جلّ شأنه: ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ٣.
ومن السنة: قوله ﷺ: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لاتضامون في رؤيته. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا" ٤، وقال، ﷺ: "إنكم سترون ربكم عيانًا "٥.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- هذه المسألة العظيمة من خلال تفسيره للآيات الدالة على رؤية الرب ﷾؛ فذكر حقيقة الرؤية، وأدلتها، ومعتقد أهل السنة في إثباتها في الآخرة ومنعها في الدنيا، وذكر في المقابل أدلة المعطلة النافين لرؤية الله ﷾، وبين خطأ استدلالهم، وردّ عليهم.
_________________
(١) ١ سورة القيامة، الآيتان [٢٢-٢٣] . ٢ سورة المطففين، الآية [١٥] . ٣ سورة المطففين، الآية [٢٣] . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه –واللفظ له- ٨/١٧٩. ومسلم في الصحيح ١/٤٣٩. ٥ أخرجه البخاري في صحيحه ٨/١٧٩.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
ومما قاله -﵀-: "وقد ثبت عن النبيّ ﷺأنه قال في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ١؛ الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم٢. وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٣.
وقد تواترت الأحاديث عن النبيّ ﷺ: أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم. وتحقيق المسألة: أنّ رؤية الله جل وعلا بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة. ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلًا في دار الدنيا: قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٤؛ لأنّ موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى. وأما شرعًا: فهي جائزة وواقعة في الآخرة؛ كما دلت عليه الآيات المذكورة، وتواترت به الأحاديث الصحاح. وأما في الدنيا: فممنوعة شرعًا كما تدلّ عليه آية "الأعراف"٥ هذه، وحديث: " إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " ٦٧.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية [٢٦] . ٢ قال البيهقي -﵀-: هذا تفسير استفاض واشتهر فيما بين الصحابة والتابعين، ومثله لايقال إلا بالتوقيف (انظر لوامع الأنوار البهية ٢/٢٤٢) . وقد أخرج مسلم عن صهيب ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة، الجنة قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم ﷿. ثمّ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ". (صحيح مسلم ١/١٦٣) . ٣ سورة ق، الآية [٣٥] . انظر في تفسير هذه الآية: الرد على الجهمية للدارمي ص٦٢. ٤ سورة الأعراف، الآية [١٤٣] . ٥ قوله تعالى: "قال لن تراني". (الأعراف، ١٤٣) . ٦ لم أجده بهذا اللفظ. وهو في مسلم ٤/٢٢٤٥ وسنن الترمذي (٤/٥٠٨) بلفظ: " إنه لن ير أحد منكم ربه حتى يموت". وقال: "حديث حسن صحيح". ٧ أضواء البيان ٢/٣٣٢. وانظر المصدر نفسه ٣/٢٦٢، ٤٠١، ٤/١٩٩، ٧/٦٥٤. ودفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان ١٠/١٢٢، ٣١٢. وآداب البحث والمناظرة ٢/٥١، وتفسير سورة النور ص١٤١، ١٥٧- جمع د/عبد الله قادري.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
أما من منع رؤية الله: فهم المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من الخوارج والإمامية. وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة١.
وقد استدلوا على ماذهبوا إليه بأدلة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٤، وغيرها من الأدلة.
وقد استعرض الشيخ الأمين -﵀- هذه الأدلة، وبين أنها لاتعارض معتقد السلف في إثبات رؤية الله بالأبصار يوم القيامة، ودفع التوهم الذي التبس على هؤلاء المعطلة؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ الآية٥: هذه الآية الكريمة توهم أنّ الله تعالى لايرى بالأبصار. وقد جاءت آيات أخر تدلّ على أنه يرى بالأبصار؛ كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٦. وكقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٧؛ فالحسنى: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٨ على أحد القولين.
وقوله تعالى في الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ ٩؛ يفهم من دليل خطابه أنّ المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم. والجواب من
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية ص٢٠٤. ٢ سورة الأنعام، الآية [١٠٣] . ٣ سورة الأعراف، الآية [١٤٣] . ٤ سورة البقرة، الآية [٥٥] . ٥ سورة الأنعام، الآية [١٠٣] . ٦ سورة القيامة، الآيتان [٢٢-٢٣] . ٧ سورة يونس، الآية [٢٦] . ٨ سورة ق، الآية [٣٥] . ٩ سورة المطففين، الآية [١٥] .
[ ٢ / ٥٠٦ ]
ثلاثة أوجه: الأول: أنّ المعنى: "لاتدركه الأبصار": أي في الدنيا، فلا ينافي الرؤية في الآخرة. الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة، وهذا قريب من المعنى الأول. الثالث: وهو الحقّ؛ أنّ المنفيّ في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكنه. أما مطلق الرؤية فلا تدلّ الآية على نفيه، بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك.
وحاصل هذا الجواب: أنّ الإدارك أخصّ من مطلق الرؤية؛ لأنّ الإدراك المراد به الإحاطة، والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته. فمعنى لاتدركه الأبصار: لاتحيط به، كما أنه تعالى يعلمه الخلق، ولايحيطون به علما. وقد اتفق العقلاء على أنّ نفي الأخصّ لايستلزم نفي الأعمّ؛ فانتفاء الإدراك لايلزم منه انتفاء مطلق الرؤية، مع أنّ الله تعالى لايدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق؛ والدليل على هذا الوجه: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا: "حجابه النور، أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ١.
فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا، ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقًا"٢.
وقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ الآية٣:
"استدلّ المعتزلة النافون لرؤية الله بالأبصار يوم القيامة بهذه الآية على مذهبهم الباطل. وقد جاءت آيات تدلّ على أنّ نفي الرؤية المذكور إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة: فإنّ المؤمنين يرونه جل وعلا بأبصارهم، كما
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/١٦١-١٦٢. ٢ دفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان ١٠/١٢٠-١٢١. ٣ سورة الأعراف، الآية [١٤٣] .
[ ٢ / ٥٠٧ ]
صرح به تعالى في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وقوله في الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٢؛ فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أنّ المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا"٣.
وقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٤:
"واستدلال المعتزلة بهذه الآية وأمثالها على أن رؤية الله مستحيلة استدلال باطل، ومذهبهم والعياذ بالله من أكبر الضلال وأعظم الباطل. وقول الزمخشري في كلامه على هذه الآية: إنّ الله لايرى: قول باطل، وكلام فاسد. والحقّ الذي لاشك فيه أنّ المؤمنين يرون الله بأبصارهم يوم القيامة؛ كما تواترت به الأحاديث عن الصادق المصدوق ﷺ، ودلت عليه الآيات القرآنية منطوقا ومفهوما"٥.
وبهذا العرض الشيق من الشيخ -﵀- لأدلة السلف ﵏ في إثبات رؤية الباري جل وعلا في الآخرة، وبهذا الردّ القويّ على أدلة المنكرين وشبههم: يتضح للمنصف أنّ الحقّ في جانب السلف الذين تمسكوا بالنصوص فلم يوؤلوها بعقولهم.
وأذكر ها هنا أقوالا لبعض السلف ﵏ في إثبات رؤية الربّ جل وعلا يوم القيامة، وأنها حقّ لا مرية فيه:
قال الإمام ابن القيم -﵀-: (قد دلّ القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث؛ عصابة الإسلام ونزل الإيمان
_________________
(١) ١ سورة القيامة، الآيتان [٢٢-٢٣] . ٢ سورة المطففين، الآية [١٥] . ٣ أضواء البيان ٢/٣٣٢. ٤ سورة البقرة، الآية [٥٥] . ٥ أضواء البيان ٦/٣٠٤-٣٠٥. وانظر المصدر ٢/٢٠٦.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وخاصة رسول الله ﷺ على أنّ الله يرى يوم القيامة بالأبصار عيانا كما يرى القمر ليلة البدر صحوا، وكما ترى الشمس في الظهيرة"١.
وقال العلامة ابن أبي العزّ الحنفي -﵀-: "وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا. ومن أحاط بها معرفة يقطع بأنّ الرسول ﷺ قالها"٢.
وبذكر هذين المثالين من قولي هذين الإمامين الجليلين يتضح مذهب السلف ﵏ في هذه المسألة؛ من إثبات الرؤية البصرية كما جاءت النصوص من الكتاب والسنة المتواترة، وذلك أعظم ما يعطاه المؤمن في الجنة من النعيم، نسأل الله بمنه وفضله أن يرزقنا ذلك إنه جواد كريم.
_________________
(١) ١ حادي الأرواح ص٢١١. ٢ شرح الطحاوية ص٢١٠.
[ ٢ / ٥٠٩ ]