وأما قوله: (وأنت –أيضا- قد ناقضت كلامك بكلامك؛ حيث قلت: وذلك مثل وصف نفسه –﵎- بأنه فوق السماوات مستوٍ على عرشه. فقد فسرت كتاب الله، وأثبتَّ له صفة وهي الفوقية المستلزمة للتجسيم، وليست الفوقية مذكورة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١.
(فالجواب) أن يقال: قد ذكرنا أن تفسير الصفات -الذي نفيناه في كلامنا، وذكرنا نفيه عن السلف- هو تأويل آيات الصفات وأحاديثها بتأويلات الجَهْمِيَّة والمُعْتَزَلَة، الذين يفسرون الاستواء بالاستيلاء والفوقية بالقهر، واليد بالنعمة، وما أشبه ذلك. ويفسرونها بتفسير المُشَبِّهَة، الذين يقولون: استوى كاستواء المخلوق على سريره، ويفسرون اليد بالجارحة كجارحة المخلوق.
فكل هذا من التفسير المردود المُبْتَدَع المُحْدَث في الدين، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف بإسناد صحيح ولا ضعيف، حتى إن المخالفين لهم في ذلك يقرون بأن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها إمرارها كما جاءت، من غير تعرض لتفسير أو تأويل، مع نفي التشبيه عنها، ويقولون: هذا أسلم.
وأما مذهب الخلف فهو تأويلها وتفسيرها بما يليق بالله -سبحانه-، فحصل الاتفاق من الموافق والمخالف على أن مذهب السلف ما ذكرنا، ولله الحَمْدُ والمِنَّة.
_________________
(١) ١ سورة طه آية: ٥.
[ ١٠١ ]
وأما وصف الرب بالفوقية فقد صرحت الآيات الكريمات بذلك، وكذلك الأحاديث الثابتة المتواترة، وأجمعت عليه الأمم عربهم وعجمهم؛ لأن الله فَطرَهم على ذلك، إلا من شذّ واجتالته الشياطين عن فطرته التي فطره الله عليها، وهذا كتاب الله –تعالى-، وسنة رسول الله –ﷺ-.
وعامة كلام الصحابة والتابعين، ثم عامة كلام سائر الأمة مملوء بما هو؛ إما نص، وإما ظاهر، في أن الله هو العليّ الأعلى، وأنه فوق كل شيء، وأنه عالٍ على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، مثل قوله: ﴿لَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ١، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٢ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٣، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٤، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٥، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٦ في ستة مواضع، إلى أمثال ذلك مما لا يحصى إلا بكلفة.
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺ يوما من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة: هذه الأحاديث والآيات لا تعتقدوا ما دلت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضي مقاييسكم؛ فإنه الحق، وما خالفه فلا تعتقدوه وانفوه.
ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرا لهم في أصل دينهم؛ لأن مردَّهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم شقاء وضلالا. ونحن لم نصف الله بالفَوقية، وإنما هو –سبحانه- هو الذي وصف نفسه بذلك، فبطل قول المعترض، وكلامه صريح بأنه اتبع ما قاله الله ورسوله، وأن الله هو الذي وصف نفسه بذلك.
وأما قوله: "فقد فسرت كتاب الله". فهذا كذب وافتراء على المجيب، يعرفه كل منصف لبيب، وهذا المعترض لا يستحي من كثرة الكذب، نعوذ بالله من ارتكاب الهوى، والتعصب على الباطل، اللذين يصدان عن اتباع الحق وإرادته.
وقوله: "وأثبت لله صفة وهي الفوقية المستلزمة للتجسيم". كذب ظاهر؛ لأن إثبات الفوقية لا يلزم منه ذلك عند من قال به، والله –﷾- أعلم من خلقه بما يجوز عليه وما يمتنع عليه، ولكن هذا شأن أهل البدع والضلال، يردون ما جاء
_________________
(١) ١ سورة فاطر آية: ١٠. ٢ سورة آل عمران آية: ٥٥. ٣ سورة الملك آية: ١٦. ٤ سورة المعارج آية: ٤. ٥ سورة النحل آية: ٥٠. ٦ سورة الأعراف آية: ٥٤.
[ ١٠٢ ]
به الرسول –ﷺ- من عند الله بهذه الأمور القبيحة، كما أن الجَهْمِيَّة أنكروا تكليم الله لموسى –﵇- وغيره من خلقه، وزعموا أن القرآن مخلوق، قالوا: لأن الكلام إذا أطلق على ظاهره يلزم منه الجسم.
وكذلك أنكروا رؤية الله في الآخرة، وزعموا أن المرئيات لا تكون إلا جسما، ولهذا لما ظهرت الفتنة في إمارة المأمون العَبَّاسي، وامتحن العلماء بالضرب والحبس على أن يقولوا: "القرآن مخلوق، وأن الله لا يُرى في الآخرة"، وجرى أمور عظيمة، وقتلوا بعض العلماء، وضربوا الإمام أحمد لما امتنع من القول بذلك. ولما ناظره بُرْغُوث تلميذ حسين النجار بأن الله لو كان متكلما لكان جسما، قال الإمام أحمد: لا أدري ما تقولون، ولكن أقول: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ١ فأجابهم الإمام أحمد بطريقة الأنبياء وأتباعهم، وهو الاعتصام بكتاب الله، وترك البدع والمقاييس التي لم يأت بها كتاب ولا سنة، والله -﷾- أعلم.
فصل الاحتجاج بالمُرْسَل ورد دعوى تكفير الوهابية لمن خالفهم مطلقا
وأما قوله: (إن روايتك عن الأوزاعي مرسلة لم تذكر طريقها، ولا مخرجها، ولا من صححها، فكيف تكفر بها المسلمين؟) .
(فالجواب) أن يقال: هذا المعترض لا يعرف معنى المرسل عند أهل الحديث، ولا يميز بينه وبين المنقطع أو المعضل؛ لأن هذا لا يُسمى مرسلا، وإنما المرسل ما أرسله التابعي عن النبي –ﷺ- وسقط الصحابي، كما إذا روى سَعِيد بن المُسَيَّبِ أو الزُّهْرِيُّ أو الحَسَنُ أو مَكْحُولٌ وأمثالهم عن النبي ﷺ، وأما مثل هذا فلا يُسمى مرسلا، وإنما يُسمى مُعْضَلا أو مُنْقَطِعًا.
ويقال –أيضا-: استنادنا في هذه المسألة ليس إلى قول الأوزاعي خاصة، ولا إلى قول من هو أجلّ من الأوزاعي، وإنما استنادنا في هذه المسألة وأمثالها من صفات الله إلى نصوص الكتاب والسنة
_________________
(١) ١ سورة الإخلاص آية: ١.
[ ١٠٣ ]
وإجماع أهل العلم من السلف الصالح، فقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد كما تقدم التنبيه عليه.
وقوله: "فكيف يكفر بها المسلمين؟ " فيا سبحان الله! كيف تفتري الكذب الظاهر على المجيب؟ فقد بيَّنَّا فيما تقدم أننا لم نكفر أحدا بالجهل في هذه المسألة -أعني تأويل آيات الصفات وأحاديثها، ومخالفة ما عليه السلف- ولا نكفر إلا من أنكر ما علم مجيء الرسول ﷺ به ضرورة.
فصل في بدعة إنكار القدر وتقدمها على بدعة تأويل الصفات
وأما قولك: (إن الأَوْزَاعِيَّ -الراوي لذلك الإجماع- قد ناقض نفسه، فقد حكى عنه الذَّهَبِيُّ أنه قال: لا نعلم أحدا ينسب إلى القدر من التابعين أجلّ من الحَسَنِ ومَكْحُول رحمهما الله) .
فالجواب: أن هذا المعترض لا يعرف المناقضة؛ لأن إثبات القدر أو نفيه من باب إثبات فعل العبد لله –تعالى- أو نفيه، لا من باب تفسير الصفات وتأويلها، والذي ذكره الأَوْزَاعِيُّ عن التابعين إثبات الصفات لله –﵎- وعدم تفسيرها وتأويلها، فأين في هذا ما يناقض ما ذكره الأوزاعي في قوله: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه. ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته؟ وقد رواه البَيْهَقِيُّ وغيره، بإسناده عن الأَوْزَاعِيِّ.
وإثبات خلق الله –تعالى- للأشياء المخلوقة لا ينازع فيه أحد من الناس، حتى عبدة الأوثان يقرون بذلك، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣.
وإنما نازع من نازع من المُعْتَزَلَة في فعل العبد خاصة، فالمُعْتَزَلَة ينكرون أن الله خلق أفعال العباد؛ خيرها وشرها.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية: ٨٧. ٢ سورة يونس آية: ٣١. ٣ سورة يونس آية: ٣١.
[ ١٠٤ ]
وفي صحيح مسلم: أن أول من قال ذلك بالبصرة مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ، فلما ذكر ذلك لعبد الله بن عمر تبرأ منه، واستدل على إثباته بما سمعه من رسول الله ﷺ في إثبات القدر حين سأله جِبْرِيلُ –﵇- عن الإسلام والإيمان والإحسان، كما ذكر ذلك مُسْلِمٌ في أول كتاب الإيمان من صحيحه. وكذلك ابن عَبَّاس ثبت عنه أنه تبرأ ممن أنكر ذلك.
ومن العجب قوله: (وأيضا ينتقض بما رُوي عن عامر الشَّعْبِيّ التابعي أنه قال: "إن أحببنا أهل البيت هلكت دنيانا، وإن أبغضناهم هلك ديننا") .
فأين المناقضة في هذا الكلام يا جاهل؟ وأهل السنة كلهم يحبون آل محمد، مع إثباتهم لصفات الله تعالى التي نطق بها القرآن.
فإن قلت: إن أهل البيت ينكرون هذه الصفات، ويتأولون ظواهر هذه الآيات، طالبناك بصحة النقل عنهم بذلك، وهيهات؛ لأن أهل البيت لا يفارقون كتاب الله ولا يخالفونه، كما ورد في الحديث أنه قال: "ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض" ١ كما تقدم في حديث زَيْد بن أَرْقَمَ وغيره.
وأنت لا تنكرنَّ ظواهر الآيات والأحاديث المذكورة فيها صفة الرب بصفاته العلى وأسمائه الحسنى، كالعلي الأعلى، وأنه فوق عرشه استوى، وأنه فوق عباده. ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فسر هذه الآيات بتفسير المُعْتَزَلَة والجَهْمِيَّة الذي يذهب إليه هذا المعترض، ولا قالوا للناس: اعلموا أن ظاهر هذه النصوص غير مراد فلا تعتقدوه فإنه يقتضي التشبيه والتجسيم، بل سكتوا عن ذلك، ووصى بعضهم بعضا بالسكوت عنها، وإنما فسرها وتأولها أهل الضلال والبدع.
وما أحسن ما قال عُمَرْ بنُ عبدِ العَزِيز بنُ عبدِ اللهِ بنُ أَبِي سَلَمَةَ المَاجِشُونُ: "عليك بلزوم السنة؛ فإنها لك –بإذن الله- عصمة، فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في
_________________
(١) ١ الترمذي: المناقب (٣٧٨٨)، وأحمد (٣/١٤،٣/١٧،٣/٢٦،٣/٥٩) .
[ ١٠٥ ]
خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق، فارْضَ لنفسك بما رضوا به، فإنهم عن علم وقفوا، وببصرنا قد كفوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى، وبتفصيلها كانوا أحرى، وإنهم لهم السابقون".
"وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم، ولئن قلتم حدث حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم واختار ما تحته، فكره على ما تلقوه عن نبيهم، وتلقاه عنهم من اتبعهم بإحسان، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجَفوا، وطمح آخرون فغَلَوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم".
[ ١٠٦ ]